ألبير خوري من بيروت: على موقع اختلاف القراءات لمختلف الاطراف السياسية للتعديل والتمديد والقرار الدولي، هكذا ايضا اختلفت اراء الكتاب والمحللين في مختلف الصحف اللبنانية وبعض العربية، وان كان الجميع يتفق على ضرورة توحيد الصف في مرحلة حرجة يمر بها كل من لبنان وسوريا في منطقة تقف على برميل متفجر. واذا كان من غير السهل اقناع المعارضة بالانضمام الى الحكومة الجديدة، فإنه من الصعب عدم الاقرار بالمخاطر التي تهدد البلاد اذا ما انتهت مهلة الشهر المحدد لاعادة النظر وظل الانقسام سائداً بحدته الراهنة، بحيث يتسبب باستدراج تدخل دولي فعلي او في التمديد العملي له.
وبديهي ان القراءات قد اختلفت لنتيجة منطقية لاختلاف مواقف الاطراف المعنية ليس فقط من التمديد بل كذلك من صيغة الحكم القائمة ومواقع القوى السياسية فيها ومنها، فضلا عن الاختلاف القائم اصلا حول الدور السوري في لبنان والذي بلغ ذروة احتدام لم يسبق له ان بلغها منه قبل.
ويمكن التمييز بين قراءات متعددة متباينة عموما ومتناقضة احياناً لهذا القرار ـ الانذار بحرب التدخل ابرزها الآتية:
1 ـ قراءة رئيس الجمهورية ومن معه.
لنسجل بداية ان القصر الجمهوري قد استهان بدعوة مجلس الامن الى الانعقاد وبما قد يصدر عنه، وادراج الحركة الاميركية ـ الفرنسية في خانة التهويل بقصد التأثير على النواب لمنع التمديد. يشهد على ذلك النص الركيك للمذكرة المرتجلة التي بعث بها القصر عبر الخارجية، وبرغم اعتراض من اهل السياسة والدبلوماسية فيها الى مجلس الامن ليبلغه استهجان لبنان مثل هذا التدخل في شؤونه الداخلية. ولعل القصر الجمهوري ما زال حتى الساعة لا يرى في القرار مصدراً للخطر، خصوصاً انه بلا جانب اجرائي، وبالتالي فالهدف منه التهويل او الضغط السياسي لفصل لبنان عن سوريا وضرب وحدة المسار والمصير، طلباً لاستفراد لبنان ومن بعده محاصرة سوريا حتى تخضع للشروط الاميركية التي تتضمن كل المطالب الاسرائيلية.
بل ربما قرأ الرئيس لحود في القرار الدولي تبريراً لاحقاً للتمديد بما يعفيه من مسؤولية الرد... ومثل هذه القراءة تمنع من تحويل التمديد المكلف الى سياسة جذرية مختلفة عما سبق من خطب النكاية ومسلك تقصد اهانة الشركاء وإحراجهم لإخراجهم. بينما المطلوب وبإلحاح انتهاج سياسة مصالحة وطنية حقيقية توفر مناخا من الاجماع الشعبي القادر وحده على الرد على القرار وإحباط المقاصد الاميركية الخبيثة الكامنة خلفه. ان الرد علر قرار مجلس الامن يكون باستنفار واستنهاض كل القوى الحريصة على السلام الوطني ومواجهة الحاق لبنان بمشروع الهيمة الاميركية كما يتبدى عبر احتلال العراق، او بالمخطط الاسرائيلي لاستفراد كل طرف عربي على حدة.
ولم يتأخر وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم في التقاط الفرصة والتصريح علنا بأنه ليس للبنان ما بعد القرار الدولي الا الالتحاق بموكب الصلح المنفرد.. وبالشروط الاسرائيلية.
ويسجل الرئيس الحريري الذي كان على الارجح في جو ما يدبره الاميركيون ومعهم الفرنسيون في مجلس الامن، قد تتجاوز الحساسيات الشخصية التي وصلت الى حد التجريح وتوجيه الاتهامات القاسية فوافق على التمديد على كره منه وكجزء من الجهد لمقاومة القرار الدولي الذي كان يتوقعه.
ويفترض بالحريري ان يكون اعد نفسه، اذا ما قبل تشكيل الحكومة الجديدة لخوض مواجهات مع الاصدقاء (فرنسا) ومع اطراف دولية عاتية لاستنقاذ ما يمكن انقاذه من سمعة لبنان وقدرته على الوفاء بالتزاماته، وكذلك لحماية سوريا وعلاقاتها الميزة مع لبنان بكل ما تستوجبه المواجهة مع الخطر الاسرائيلي والضغوط الاميركية المرشحة للتزايد.
ولعل اعضاء القرنة قد اعتبروا ان المهندسين الدوليين لهذا القرار انما يقومون بجزء من عملنا، اي ان الادارة الاميركية وفرنسا ومن معهما تعمل لاجل هدفهم السياسي المحلي المحدد وأسقطوا كل الحسابات المتصلة بالمنطقة بما فيها الخطط الاميركية والمشروع الاسرائيلي. اي ان قرنة نيويورك انجزت للاصدقاء في قرنة شهوان ما تطمح اليه من دون ان توفرها في مواقف نافرة او مستفزة لقوى عديدة في لبنان تحاول القرنة استدراجها من الاعتراض على التمديد الى الاعتراض على مجمل النهج السياسي المعتمد لا سيما على الصعيدين العربي والدولي.
ولأن حزب الله طرف اساسي منذ امد بعيد في الصراع الاستراتيجي حول هوية المنطقة وحقها في مستقبل تقرره بإرادتها الحرة، فهو قد رأى في القرار الدولي مكسبا للقوى المعادية، اذ اتخذت من اجراء داخلي صرف ذريعة لتدخل خارجي فظ.
ومعروف ان حزب الله لم يقد حملة التمديد ولا هو كان الناخب الكبير فيها ولكنه مع ذلك يبقى موضوع الحملة وهدفها الاساسي الى جانب سوريا، وربما يتقدمها بسبب الاستهداف الاسرائيلي المركز. اما الدعوة الى الاستفتاء الشعبي حول الموقف من القرار او من التمديد بما يفترض ان يتضمنه من منهج سياسي، فليست تهديداً لهذه الاقلية الطائفية، او تلك بطغيان اقليات طائفية اعظم في اعدادها. فنصر الله اراد ان يطرح القضية سياسيا وحاول ان يحذر من طغيان اقلية سياسية على اكثرية سياسية تحت راية قرار التدخل الدولي لحسابه.
اما وليد جنبلاط فقد جمع بين مجدين نقيضين لا يمكن ان يتعايشا طويلاً. فهو من جهة السياسي اللبناني الذي اتخذ موقفا راديكالياً ضد التمديد. ثم انه من جهة ثانية السياسي اللبناني الذي تنبه منذ اللحظة الاولى لخطورة مجلس الامن فجهر بالاعتراض عليه وبالتحذير من مخاطره غير المحدودة. لكن هذا الجمع بين الامرين لا يمكن ان يعمر طويلاً. ذلك ان احباط ما يلوح به قرار مجلس الامن من مخاطر لا يمكن ان يتم بالعودة عن الخطأ الداخلي الذي ارتكب بتمديد ولاية الرئيس لحود بل بالسعي لاعطاء هذا التمديد مضمونا مختلفا بالكامل عن نهج صاحبه في السنوات الست السابقة.
وربما يكون مفيدا جعل الشعار حشد كل القوى الوطنية على قاعدة الاستفادة من اخطاء الولاية الاولى لاسقاط التهديد بالتدخل الدولي المتضمن في قرار مجلس الامن.
ولعل عون هو الوحيد الذي فهم جوهر قرار مجلس الامن الذي يتلخص بكونه محاولة لتحويل القانون الاميركي لمحاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان الى قرار دولي ولقد حقق له مجلس الامن مطالبه. وهو يستطيع القول ان مجلس الامن ذهب الى ابعد ما نطمح اليه، اذا انه يتناول لبنان من خلال موقعه في المنطقة والصراع عليها وليس من خلال صراعاته الداخلية.
الاعلام اللبناني والعربي، على اختلاف مواقفه وتوجهات مع استثناءات قليلة، ومنذ بدء الحديث عن مشروع تعديل المادة 49 من الدستور اللبناني للتمديد الرئاسي، نبه من مغبة الوقوع في فخ اللعبة الاميركية ـ الاسرائيلية، مدعومة هذه المرة من الاتحاد الاوروبي ومجلس الامن، ورأى ان ما من مرشح الى بعبدا يعادي سوريا لا في استراتيجيتها القومية ولا في وجودها في لبنان.. حتى البطريرك صفير وفي قمة غضبه واستنكاره لما آلت اليه الاوضاع الداخلية من اهتزاز بين الحكم والحكومة، ومن فساد متراكم ومتزايد في مؤسسات الدولة، ظل انيقاً شفافا في مقاربته الوجود السوري في لبنان، مشيراً الى ضرورة رفع الوصاية السورية من منطلق تدعيم العلاقات وتصحيحها بين الدولتين الشقيقتين... غير ان تسارع الامور شاء لدمشق وبيروت الاقدام على "ابغض الحلال" وسط نقمة عارمة حاولت بعبدا امتصاصه من خلال استقبالات التهاني التي نقلت مباشرة عبر الاقنية الفضائية في حين مانعت بفعل وقائع جلسة التعديل الدستوري، الامر الذي اعتبره كثيرون "فاولاً" جديداً ضد الرئيس لحود والمجلس النيابي والمؤيدين.
والحقيقة ان الاعلام اللبناني والعربي ألقى بثقله في هذه المعركة الدستورية التي تمس وجود لبنان وكيانه، واندفع الكتّاب والمحللون الى ابداء وجهات نظرهم، وحيث عارضت الاكثرية وامتدحت الاقلية وظلت اقلية الاقلية بلا لون ولا طعم ولا رائحة معتمدة لغة الحياد.
كبير الصحافيين اللبنانيين ناشر "النهار" الاستاذ غسان تويني رأى ان لبنان وسوريا وقعا معاً في الفخ الاميركي ـ الاسرائيلي واستعديا مجلس الامن والاتحاد الاوروبي اللذين كانا حتى الامس القريب المدافع الاول عن طروحاتهم السياسية وتطلعاتهما الاقتصادية والثقافية وكتب في احدى افتتاحياته تحت عنوان "من الرئاسيات الاميركية... الى الشرعية السورية"... "لماذا لا تكون انتخابات رئيس جمهوريتنا كذلك بالاقتراع الشعبي المباشر وفي حضور مراقبين دوليين؟.. وللمتخوفين من ديمقراطية عددية، أي من اقتراع طائفة اكثرية بإجماع اصواتها لرئيس من طائفتها، نسأل لماذا لا يحدد الدستور طائفة الرئيس ما دام التوزيع الطائفي كان مقرراً في الطائف المقدس.
يضيف تويني: ثمة امثولة اوروبية تستأهل ان نأخذ بها، وهي الاستغناء الدستوري. فبعدما اعلن الرئيس جاك شيراك انه سيطرح دستور الاتحاد الاوروبي في استفتاء شعبي، ها هي المانيا ودول سواها تهم بتقرير الاستفتاء ذاته. ناحيك بأن الرئيس شارل ديغول قد ربط بقاءه في الحكم بعد احداث 1968 بإقرار مشروعه للامركزية في استفتاء، معلناً انه سيستقيل اذا لم ينل اكثرية الثلثين... فلما نال اكثرية دون هذه استقال.
ويتساءل تويني: لماذا لا نتعلم ونقتبس، فتدعو الدولة العلية الى استفتاء شعبي حول التمديد يوفر عليها اعتبار مهرجان بلدياتي اختياري بمثابة استفتاء، او مهرجان طائفي مستفعل الشعبية بمثابة استفتاء هو الاخر. هكذا نطرح على المواطنين بصراحة سؤالاً وحيداً بسيطاً: هل انت مع التمديد والتجديد، نعم او لا؟ (...).
وهنا نستطرد قليلاً انما بين هلالين لنعلق على ما تجاوزه سوانا من التصريح الاخير الذي ادلى به وزير الخارجية السورية فاروق الشرع معترفاً: "اقول لكم بصراحة لقد اعجبني التصريح الاخير للرئيس الاميركي جورج بوش"...
ساءنا، بل ساءنا جداً من هذا التصريح قول الوزير الشرع مفسراً تصريح بوش كالعادة على هواه: "نحن قلقنا الاساسي الى سيادته (الى سيادته والرئيس بوش) هو وقوع لبنان تحت السيطرة والهيمنة الاسرائيلية مدة 25 سنة".
وهذا القول يجعلنا نتوجه الى وزير الخارجية الشقيق للدولة الشقيقة بالاسئلة البسيطة الآتية:
أولاً: ماذا كان جدوى وجود القوات السورية في لبنان، من 25 سنة وأكثر، اذا كانت لم تتمكن من التصدي للهيمنة الاسرائيلية، او تساعد لبنان على التحرر من "سيطرة اسرائيل"؟ بل ربما العكس: صار هذا الوجود العسكري ذريعة السعي الى ذلك، والعكس بالعكس، فيتكاملان وكأنهما ينتظمان... والمذكرات والوثائق حافلة بالشواهد.
ثانياً: هل يعتبر سيادته ان الذين تعاقبوا على حكم لبنان خلال الـ 25 سنة هذ كانوا كلهم مستسلمين لهذه "الهيمنة" خانعين لهذه "السيطرة"؟. وهل كانت سياسة لبنان الخارجية الموالية لسوريا، او المتناغمة معها (ومنها التصدي لاسرائيل في مجلس الامن والاستحصال على القرار 425 ثم لاقرارات 507 و508 ـ و520 خصوصاً ـ القاضية كلها بجلاء اسرائيل "بدون قيد ولا شرط") صورة او نتيجة "لوقوع لبنان تحت السيطرة والهيمنة الاسرائيلية"؟.
ثالثاً: هل كان مؤتمر الطائف وتعديل الدستور جزءاً من "السيطرة والهيمنة الاسرائيلية" أم كان مظهراً لها؟ وهل كان انتخاب الرئيس معوض كذلك؟ وكان كذلك اغتياله؟... وهل اسرائيل هي التي استنخبت الرئيس هراوي ومددت له؟ والرئيس لحود، هل هو تحت "السيطرة والهيمنة الاسرائيلية"؟ وماذا خصوصاً كان موقف الرئيسين الحص والحريري اللذين تناوبا على رئاسة الحكومة منذ ما يقارب الـ 25 سنة، هل كانا يخضعان للهيمنة الاسرائيلية؟ وماهو رأي الوزير الشرع في رئاسة الياس سركيس؟ هل جاء انتخابه وليد تلك السيطرة والهيمنة؟ ولن نسأل عن الرئيس فرنجية فقد كان بعض عهده "خارج" الـ 25 سنة المشؤومة!.
رابعاً: هل كان وجود المقاومة الفلسطينية وثورتها في لبنان بقيادة ياسر عرفات جزءاً من "السيطرة والهيمنة الاسرائيلية"؟.
لن نطيل الاسئلة. فقط هذه، وبين هلالين، فقط، لا غير، ولا ننتظر جواباً...
وما دمنا في سياق الاستشهادات... فهذه الكلمات من خطبة المرشح كيري الحبلى بالمغازي بالنسبة الينا جميعاً، لا في الرئاسات اللبنانية فحسب، بل في اطار العلاقات "الديمقراطية" بين لبنان وسوريا، قال: "اريد ان اتوجه ببعض الكلمات الى الرئيس جورج بوش مباشرة. في الاسابيع المقبلة، لنكن متفائلين، وليس فقط متخاصمين. ولنبن معاً العائلة الاميركية (...) ولنكرّم تعددية وطننا ونحترمها، وليحترم كل واحد منا الآخر".
أوليس في هذا الموقف درساً "عملياً" في الديمقراطية ابلغ من كل عظات واشنطن وبيانات الإصلاحيين؟.
وختاماً، هذا القول الآخر من خطاب المرشح للرئاسة الاميركية، الذي يذكرنا بشعارات الرئيس كنيدي المستوحاة احياناً من جبران خليل جبران والمتأثرة بنبراته:
"المستقبل لا ينتمي الى الخوف، انه ينتمي الى الحرية".
صاحب جريدة "السفير" الناشر طلال سلمان في مقالة بعنوان "انتباه! انها حرب التدخل"! حذر من حرب التدخل الاجنبي في لبنان، وصولاً الى سوريا، لا يخفف من لاشرعيتها ومن طبيعتها العدوانية ان تنجح الادراة الاميركية، بالضغط والابتزاز السياسي للدول الاخرى، في انتزاع قرار من مجلس الامن الدولي قد يموّه استهدافاتها المباشرة ولكنه لا يبدل من حقيقتها التي لا يمكن اخفاؤها. اضاف "انتباه!. انها حرب التدخل الاجنبي لاغراض لا تتصل بمصلحة لبنان من قريب او من بعيد، ولا تعبر عن حرص طارئ ومستجد على الديمقراطية فيه، بل هي تستهدف اذا ما قرأنا متحررين من الاغراض والاحقاد تحويل شعبه وأرضه الى مسرح لمسلسل من الحروب الاهلية لا تنتهي الا بتدميره مجدداً وتضييق الحصار على سوريا بقصد خنقها، والتسبب في مذابح بين اللبنانيين واللبنانيين ثم اللبنانيين والفلسطينيين تلتهم حاضرهم ومستقبلهم معاً.
انتباه!. انها المرحلة الجديدة من الحرب الاميركية لاحتلال العراق والهيمة على العراق وكامل المنطقة من حوله، بالشراكة المعلنة مع الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين.
انتباه!. إن القرار بحرب التدخل هذه متخذ من قبل ان يبدأ الحديث عن تعديل الدستور وتمديد الولاية!
لقد اختلف الامر اختلافا جذرياً عما كان عليه تقديرنا جميعاً.
لم تعد المسألة "داخلية" يجوز فيها اختلاف الرأي ومن ثم الموقف.
لم يعد شخص الرئيس هو الموضوع، حتى لو لم يتبدل الموقف من شخصه...
ويا حبذا لو ان غبطة البطريرك الماروني ومعه السادة المطارنة قد انتبهوا الى اهمية التوقيت في اعلان ما اعلنوه في بيانهم الناري، الذي يمكن توظيفه حيث لم يقصدوا، ولا هم يريدون، بالقطع، ان يستخدموا لتبرير حرب التدخل الدولية التي تنظم الادارة الاميركية لاطلاقها ضد لبنان وسوريا، وانطلاقا من لبنان وعلى حسابه، شعبا ودولة.
لقد لمنا وما زلنا نلوم من حاول تعديل الدستور في الداخل، اما من يشن علينا حرب تدمير شامل، فلا نظن انه يحترم دستورنا الى حد التضحية بشعبنا من اجله.
انتباه!. ليس الوقت للجدل، انها لحظة الخطر، وعلينا ان نواجهها متحدين مع سوريا، مرجئين العتاب ومناقشة الاخطاء، الى ما بعد هدوء العاصفة التي تتذرع بالدستور لتلغي الوطن، والتي تريد ان نصدق انها لمنع التدخل السوري وهي تأتي بالعالم كله ليتدخل في شؤوننا وشؤون سوريا معا!.
انتباه!. انها الحرب، فليتخذ كل موقعه!.
ورأى المعلق السياسي رئيس تحرير جريدة السفير جوزف سماحة في افتتاحية "عاجلا ام اجلا" (الخميس 9/9/2004) ان لبنان وسوريا معرضان لتضييع الانتصار الذي حققاه في مجلس الامن. فهما يتصرفان براحة بال تهدد الانجاز، وليس مستبعدا والحال هذه ان يمر شهر على القرار 1559 من غير ان نكون جاهزين لدفع الهيئة الدولية الى تبني قرار جديد يهدد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والمانيا واسبانيا بـ "تدابير اضافية" جراء التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية.
وكتب سماحة: يجب الاعتراف بأن المهمة صعبة، ثمة قوى سياسية تعتبر ان الاولوية في المدى المنظور هي لمواجهة مفاعيل التعديل والتمديد واشعار من اقدم على ذلك بأن عليه ان يدفع ثمنا. من هنا مثلا رد الفعل على الدعوة الى طي صفحة الماضي" والتغاضي عن شعار اليد الممدودة. ينبع رد الفعل والتغاضي هذان من ضعف الثقة بالجهة التي بادرت الى ابداء نوايا انفتاحية، وايضا ينبعان من عدم الرغبة عند البعض في تبديد رصيد سياسي عاد بعد حوالى عقدين ولاسباب خاصة به الى دعم توجه بدا، على امتداد سنوات، مثل يتيم يرفض احد تبنيه. ويتعزز هذا السلوك من ان المزاج العربي الرسمي حذر جداً في الانحياز الى لبنان وسوريا ضد القرار الدولي.
كان يمكن للرد المحلي على التحدي الخارجي ان يأخذ طابع الدعوة الملحة الى توسيع جبهة المشاركة في الحكم. الا ان ثمة معارضة تعتبر ان ما كان مطلوبا من جانبها بالامس بات مرفوضا اليوم، الا اذا كان معناه المشاركة في اعادة تعريف الخيارات الاجمالية لهذا الحكم...
ان الدعوة الى التراجع عن الخطأ لامعنى سياسياً لها بحرفيتها. فالتراجع لم يعد يعني تغيير معادلة "الغالب والمغلوب" وانما فقط استبدال الغالب بالمغلوب. ويمكن القول في هذا المجال ان الاثمان الفادحة للمعادلة في شكلها الراهن قد تكون بخسة مقابل الاعباء الهائلة ومستحيلة التحمل في ما حال حصل اندفع لقلبها راسا على عقب، ولقد كانت كلمة واحدة من السيد حسن نصر الله (استفتاء) كافية لاثارة الضجة التي اثارتها وذلك بالضبط من جانب جهات كانت تفتخر في الاسابيع الماضية بأنها تجاوزت شرنقتها الذهبية والطائفية من اجل ان تنطلق ان لم يكن باسم الاجماع فعلى الاقل باسم اكثرية لبنانية ساحقة.
رئيس تحرير "النهار" جبران تويني يتحدث عن "انقلاب هزلي وانتصار زائف" ليؤكد انه" في مقابل سياسة "الجزرة" و"المحبة الزائدة" التي يعتمدها سعيد العهد الممدد له، نسمع، ويا للمصادفة، حليفه الاساسي في التمديد ـ وأعني هنا حزب الله ـ يهدد بنسف الطائف وتدمير الصيغة والمناصفة الوطنية وضرب عرض الحائط بكل قواعد التعايش اللبنانية. ودعونا نشكر النائب وليد جنبلاط الذي رد على طرح السيد حسن نصر الله حول الاكثرية والاقلية، اذ تكلم باسمنا جميعاً، فلا لزوم للتوسع في الرد، لكن اسمحوا لنا بأن نتساءل: هل يهدف فعلا السيد نصر الله الى نسف التركيبة الشرق اوسطية بكاملها حيث نظام الاكثرية والاقلية غير معتمد بالشكل البدائي الذي طرحه الامين العام لحزب الله حتى في سوريا بالذات.
ولا بد هنا من ان نطرح سؤالاً اساسياً. هل ما حصل هو انقلاب على الطائف، بالاضافة الى انه انقلاب على الدستور؟ ام هو انقلاب على الوضع القائم في الشرق الاوسط بهدف تركيب انظمة جديدة على صورة النظام الايراني؟ وكيف يمكن لسيد العهد الممدد له ان يدعو الى الحوار بينما حلفاؤه الاساسيون ينسفون وثيقة الوفاق الوطني التي على اساسها توقفت الحرب عام 1990.
اما الفصل الاكثر هزلاً فهو الشعار الكبير الذي رفعه ابطال التمديد الذين ادعوا ان اميل لحود وحده يمكن ان يواجه مؤامرة التوطين!
وربما نسي هولاء ومعهم سيد العهد الايام الاولى للحرب اللبنانية التي دفع خلالها اهلنا ثمنا باهظا لاسقاط مؤامرة التوطين التي كانت موضوعة على نار ملتهبة.
انطلاقا من هذه المواقف المتناقضة التي يطلقها سيد العهد الممدد له وحلفاؤه في التمديد، نقول ان سياسة الامنطق والضبابية والضياع لا تزال سيدة الموقف الا في موقف واحد هو وضع اليد على السلطة مهما يكن الثمن وبأي طريقة كانت من اجل حماية مكاسب الماضي.
يبدو ان كل ما يريده العهد من المعارضة، وعلى رأسها سيد بكركي، ان تغطي صفقة كهذه ما دامت الاجواء والذهنية والاداء لم تتغير، وان تعطى العملية الانقلابية التي حصلت على الدستور بطرق غير دستورية معروفة من الجميع.
وكتب الضابط المتقاعد رئيس مركز دراسات هشام جابر بعنوان "الاستحقاق الرئاسي وقرار النيات السيئة" مشيراً الى ان الدساتير ليست كتبا منزلة، وعندما قامت قيامة البعض في لبنان وخارجه على تعديل المادة 49 من الدستور اللبناني نسي هذا البعض او تناسى ان عذرية هذه المادة ثم العبت بها مراراً، ومن معظم هذا البعض بالذات. وعندما وضعت الاسباب الموجبة للتعديل الاخير لبقاء العماد اميل لحود في السلطة لثلاث سنوات، واستندت الى الظروف الاقليمية الخطرة، قال بعضهم المعارض انها وهم ويتذرع بها طالبو التمديد، الا ان الوهم ما لبث ان اصبح حقيقة بعد تدويل الاستحقاق الرئاسي اللبناني وبعد صدور قرار النيات السيئة عن مجلس الامن والذي سعت اليه اميركا وتحديداً جناح المحافظين الذين يمارسون في الشرق الاوسط سياسة صهيونية لا لبس فيها ولا جدل.
وكتب رئيس تحرير جريدة "الانوار" رفيق خوري في افتتاحية عنوانها "الميت والمولد" لماذا تبدلت المعادلة؟ ليؤكد ان لبنان يحتاج الى ما هو اكثر من الاحتكام الى الاحتكام الى "ميت" في مواجهة "مولود" مفروض ومرفوض. الميت هو ما كان اتفاقا لبنانيا وعربيا ودوليا حمل عنوان اتفاق الطائف والذي نتذكره في الرسائل الموجهة الى العالم للقول انه مايحكم الوضع الداخلي اللبناني والوجود العسكري السوري. والمولود هو بالطبع قرار مجلس الامن الذي نراه من جهة بداية حرب دولية علينا ونستخف به من جهة اخرى...
والسؤال لماذا انقلبت المواقف بحيث دفعت اميركا وفرنسا مجلس الامن الى اصدار قرار يقلب الاولويات والمعادلة، واصبح الانسحاب العسكري السوري مطلوبا في معزل عن الصراع العربي ـ الاسرائيلي والتشويه فيه؟
ومن الصعب تجاهل البحث عن جواب، وان كان من السهل اصدار الاف البيانات المعارضة لقرار مجلس المن. فالمهم ليس كيف نحتج على القرار بل كيف نواجه انعكاساته على اوضاعنا في ظل المعادلة الجديدة، والاهم هو ان نوفر عوامل المواجهة، فلا نبالغ في الاستحقاق ولا في الخوف.
من جهته قرأ المحلل السياسي في جريدة "السفير" وسام سعادة في موقفي كل من رئيس جزب الكتائب الوزير كريم بقرادوني وامين عام حزب الله حسن نصر الله، تقاربا وتضاداً ذلك ان الاثنين يشتركان في دعم خيار التمديد للعماد لحود كما في ابراز البعد الداخلي لخيار التمديد، بيد ان كلا منهما يجترح قراءة مغايرة لتبرير ذلك او التأسيس عليه.
فالوزير بقرادوني يعتمد قراءة رئاسوية للحدث البونابرتي، ويحاول ان يسوق ما معناه ان زمن التجديد كما يسميه هو زمن يعيد انتاج مارونية سياسية سرية، تستعيد الغلبة في توازنات السلطة اللبنانية من خلال اعادة الاعتبار الى مقام الرئاسة، ومن خلال الاتكاء على المؤسسة العسكرية التي شكلت المختبر الاول لذلك، ناهيك عن اعتماد التوطين كعقيدة رسمية وفعل ايمان، وهو تقليد مستل من الايديولوجية الكتائبية الصرف.
وفي المقابل، يرى السيد نصر الله الى التمديد والسجالات من حوله بنظره "عددية" يتخذ من زمن التمديد للتلويح بمنطق الحسم الديمغرافي، حيث يجدر بديمقراطية الاقلية ان تلتزم ما تقرره دكتاتورية الاكثرية. لا بل تخفي التصريحات الاخيرة لمسؤولي حزب الله تلميحات بأن لا يقتصر فعيلهم على وضعية الجهاز الرديف، لاجهزة الدولة او الحزب الجماهيري صاحب الكتلة البرلمانية، بل ان يكون للفصيل الخميني حصته العددية هو ايضاً اسوة بحركة لا توازنه عدداً مثل حركة امل.
تتعارض القراءتان الرئاسوية والعددية للحدث البونابرتي، الا انهما متفقتان على دعم خيار التمديد للشخص ذاته، وعلى الجنوح بعيداً عن اتفاق الطائف، باعتبار ان التمديد مناسبة لطلب المزيد، سواء باتجاه الحسم الرئاسوي للازمة اللبنانية بالغاء مبدأ تداول الرئاسة كما يطالب بقرادوني، او باتجاه الحسم العددي لهذه الازمة بتنصيب الاكثرية الاثنية اكثرية سياسية وحذف منطق التداول من اساسه كما قد يفهم من حديث نصر الله.
وتحت عنوان "جنبلاط يقدم الحل الوفاقي البديل من... المأزق" كتب في "المستقبل" الكاتب والمحلل نصير الاسعد مؤكدا ان دعوة رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط رئيس الجمهورية اميل لحود الى الاستقالة لم يكن في صدد "فشة خلق" او في معرض مواصلة حملته على التمديد على قاعدة موققه ذي الشقين: رفض تعديل الدستور من جهة ورفض تولي عسكري للحكم او عودة هذا العسكري الى تولي الحكم من جهة ثانية. كان وليد جنبلاط بدعوته لحود الى الاستقالة يقدم الحل الذي ان لم يتم الاخذ به، حصل المأزق "الاخير". كيف ذلك؟
من الواضح ان الزعيم الاشتراكي مقتنع بأن قرار التمديد للحود ادخل البلاد في ورطة كبيرة من ناحية ودفع سوريا نحو مشكلة كبيرة مع المجتمع الدولي من ناحية اخرى.
فعلى المستوى الداخلي، يعني التمديد للحود بلوغ الصراع السياسي ذروته، لان المعارضة واسعة جداً ومختلطة طائفياً ولن "تستوعب" هذا القرار الذي يمدد للازمة الوطنية بكل وجوهها، اما التلويح بخطر "الانقسام العمودي" من قبل التمديديين وفي طليعتهم السيد ايلي الفرزلي، اي بـ "الحرب الاهلية" بمصطلح اخر، تهويل لان البلاد لم تشهد منذ زمن بعيد المستوى من التوحد الذي تعيشه اليوم، حيث لا خلاف بين القوى الرئاسية الحية على مقاربة الازمة الداخلية او مقاربة العوامل الخارجية.
لذلك، من الطبيعي ان يكون طرح جنبلاط لاستقالة لحود في هذا السياق، مخرجا من استعار الازمة ببعدها اللبناني، وبداية الطريق نحو معالجة عواملها بوفاق وطني قل نظيره حول تشخيصها.
اضاف: من المؤكد ان جنبلاط الذي اكتسب في السنتين الاخيرتين وبامتياز لقب "حسن نصر الله الساسي"، سيبقى، ومهما تقلبت الظروف، الى جانب المصالح الاستراتيجية لسوريا، وبالتالي ثمة مصلحة واقعية لدمشق في تقوية الموقع الشعبي لهذا الزعيم اللبناني على اعتبار ان دخوله الى الوجدان الوطني من خلال ثباته على موقفه المناوئ للتمديد سيرتد ايجابا على سوريا في اللحظات التي لا تعود معها اصوات ناصر قنديل وتمام سلام وعبد الرحيم مراد وكريم بقرادوني وطلال ارسلان يجدي. فهؤلاء تكمن اهميتهم في قدرتهم على النطق بكلمة السر ولكنهم يقفون عاجزين عندما يكون التصادم بحاجة الى صانعي الرأي العام او موجهيه.
وبعنوان: "لحود امام التحدي: تغيير النهج سلوكية وليس موقفاً" رأى المحلل السياسي فارس خشان في "المستقبل" انه منذ اتخاذ القرار بتمديد ولاية رئيس الجمهورية اميل لحود ثلاث سنوات، ضجت البلاد بالحديث عن نيات صادقة تحرك الوعود المقطوعة بتغيير النهج السائد الذي اوصل اللبنانيين الى واحدة من اكثر حالات الشكوى مرارة وألماً في تاريخهم الحديث. وبالفعل، سارع لحود الى تجسيد هذه الوعود بمواقف صادرة عنه، سواء حين ابدى رغبته في البقاء في منصبه الدستوري ام بعيد تصديق مجلس النواب على تعديل المادة 49 من الدستور ام في ختام استقباله الوفود المهنئة بتمديد الولاية.
ألا ان غالبية المراقبين ترفض للتوقف عن الوعود اعتقادا منها ان المواقف لا تعني تثميرا للنهج، مهما تطورت، على اعتبار ان المؤشرات الاولية تبدأ باستخلاص العبر من السلوكيات المعتمدة. ويرى هؤلاء ان الممارسات اليومية تبين ان ما كان قبل التمديد لا يزال مستمرا بعده وذلك بالاستناد الى المشاهد الاتية:
اولاً: اذا كان عهد لحود قد انطلق في 23 تشرين الثاني 1998 مع ملحم بركات بأغنية "فرح الناس" فهو مستمر مع انطلاق التمديد بـ "فرح للتمديد" لملحم بركات ايضا الذي وجد في محمد اسكندر مناصرا فنيا له بأغنية تركز على شعار "كلنا رجالك يا لحود".
ثانياً: استمرار التمسك بخطاب القسم كما لو انه وثيقة استثنائية في حياة لبنان السياسية، معا ن مضامينه المصوغة بأسلوب خطابي ليست سوى شعارات تتكرر منذ استقلال لبنان حتى اليوم.
وفي "الحياة" كتب وليد شقير عن الاخطاء الثلاثة في لبنان" مشيراً الى ان اثمان هذا التمديد ستكون حكما اكبر بكثير من عدمه. ان حسابا بسيطا من دون الكثير من التنظير يدل الى ان خطأ كبير قد ارتكب، لا بل اخطاء عدة. لقد حصل خطأ في تقدير الموقف الدولي من خيار التمديد. وكان حلفاء دمشق يريدون على الدوام انهم واياها يعتقدون ان اميركا لن تهتم للاشخاص وان هذا ما ابلغته واشنطن الى المعنيين في معرض حديثها عن معارضتها التمديد. وبهذا تكون اخذت دمشق ومعها بعض الحلفاء بنصف الجملة لا بكامل الموقف. ويصبح الخطأ فادحا اذا ما عرفنا ان جهات عربية كانت حذرت دمشق بطريقة او بأخرى من ان التمديد سيكون الحجة التي ستسخدم من اجل ممارسة الضغوط في المسائل الاخرى المتعلقة بالسياسات العليا (العراق وفلسطين وحزب الله...).
وعملت اساءة تقدير موقف البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي كان المؤيدون لسورية يقولون انه لن يعارض من استمرار الرئيس لحود في الرئاسة وبالتالي لن يقف حجر عثرة امام التمديد لان موقفه سيقتصر على المعارضة المبدئية لتعديل الدستور والتمديد، فاذا بصفير يتجاوز العجز عن القدرة على تغيير الامر الواقع الذي يرفضه بالمرور عليه باعتباره النتيجة، فاتجه نحو سياسة سورية في لبنان لاتهامها بانها السبب، منهياً بذلك نوعاً من "الهدنة" التي تجنب خلالها الحديث عن الوجود السوري في لبنان الا مواربة.
كذلك اساءة التقدير لموقف رئيس "اللقاء النيابي الديموقراطي" وليد جنبلاط. فمؤيدو التمديد كانوا يريدون انه "يرفع سعره" ويمهد للثمن العالي لقبوله بهذا الخيار وهو لن "يعادي سورية" وسيقبل في النهاية لانه قادر على الالتفاف على مواقفه و"معروف بتكويعاته". فاذا بجنلاط يقف ضد التمديد والتدويل معاً ويثبت على رفض هذا الخيار ويتشدد فيه ويحصد التفاتا سياسياً حوله قل حصول شبيه له، فيصرف جزءاً كبيراً من جهود التمديديين وحلفاء دمشق على تطويق موقفه وخرقه بطريقة لن تؤدي الا الى ازدياد الاستقطاب من حوله كما اثبتت التجارب.
ورأى الكاتب والاكاديمي المصري حسن نافعة في مقالة "لبنان في مهب الريح" لـ "الحياة" انه بصدور قرار مجلس الامن الرقم 1559 والذي يتعامل مع لبنان وكأنها بلد محتل تديره ميليشيات عسكرية ويطالب من ثم بانسحاب جميع القوات الاجنبية منه وحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية فيه، يكون هذا البلد الصغير، لكن المحوري في الصراع الدائر على الشرق الاوسط دخل مرحلة جديدة تضع نهاية لجولة صراع كانت حسمت موقفا لمصلحة سورية في بداية التسعينات، فاذا بتعديل الدستور وتمديد فترة ولاية لحود تقلب المقاييس.
وفي تقديري ان واشنطن كانت اتخذت وفور احتلال بغداد قرارا بالتاخلص من النظام السوري ربما ضمن نظم اخرى في المنطقة ولم يكن ينتظر سوى طريقة الاخراج والاستقرار على اختيار الوسيلة والتوقيت المناسبين.
غير ان الجديد في الامر تدخل فرنسا على جناح اميركي وكشريك رسمي ومعلن وصريح للولايات المتحدة...
واذا كان صدور القرار 1559 بعد هزيمة سياسية لسوريا فإن لبنان الذي اصبح الان في مهب الريح هو المرشح لدفع ابهظ الاثمان، وفي جميع الاحوال فان هذا القرار يصب بوضوح في اتجاه تحقيق مصالح مؤكدة للطرفين الاميركي والاسرائيلي ويلحق في الوقت نفسه اضرارا مؤكدة بمصالح الطرفين السوري واللبناني.
ورأى عبد الرحمن راشد في جريدة "الشرق الاوسط" ان السيد حسن نصر الله لا يلام على الغضب الذي انعكس على خطبته عندما هاجم قرار مجلس الامن، فزعيم حزب الله ابتعد عن الجدل حول تمديد الرئاسة في بلاده على اعتبار انه لا يدخل في معارك داخلية حتى التأم شمل المجلس الدولي فتبدلت المعادلة. كان يعتقد ان الهدف هو منع التمديد او اعتباره غير دستوري، لكنه تحول ضد حزب الله الذي رمز اليه، بالميليشيات وصنّف لاول مرة بـ "غير المشروع" وطلب نزع سلاحه، وبالتالي وضع نصر الله مع مقتدى الصدر في نفس الخانة، وطلب تحويله من تنظيم عسكري الى ضرب سياسي.
ما حدث في لبنان وخارجه حول الرئيس القضية ما لم يكن مألوفا في جدله وان كانت المسألة في حقيقتها كلاسيكية: تمديد حكم اخر قائم. فهي ازمة اعطت كل طرف فرصة ان يعبر عن مواقفه الاخرى من خلالها، وهنا اضطر نصر الله ان يهب لنجدة الرئيس لان حزب الله صار المطالب بدفع فاتورة ما حدث ولم يكن امامه سوى رفض القرار الدولي من حيث المبدأ لا التفاصيل فقط واعتبار التمديد عملا دستوريا.
والحق ان الاميركيين بطبيعة الحال ليسوا ضد لحود او التمديد او خرق الدستور ولم يسبق ان اعترضوا والمنطقة مليئة بالثقوب. الاميركيون في حاجة الى معركة قانونية وسياسية ناجحة وجاءتهم على طبق من فضة وبالتالي سيستمرون في ركل هذه الكرة حتى يسددوا هدفاً من زاوية ما.
وبعنوان "هل انتصرت سورية في لبنان... هل ستصمت اميركا؟" في جريدة "الكويتية" رأى الكاتب شعبان عبود أن قرار مجلس الوزراء اللبناني للتعديل رغم كل المعارضات، وخصوصا "الدولية" منها، يعني في ما يعنيه ان دمشق ومؤيديها في لبنان، ما كانوا ليقوموا بذلك، لو شعروا ان هذه الخطوة سوف تحارب وتجهض من قبل الولايات المتحدة، وبشكل ادق، لم تصل المعارضة الاميركية لهذه الخطوة لدرجة اعلان الولايات المتحدة انها ستمنع تحقيقها، فكل ما صدر عن واشنطن كان اقرب الى التمنيات و"التطلع" الى احترام الدستور مع اقرار لخصوصية العلاقة، فقد جدد البيت الابيض مطالبته سورية بعدم التدخل في الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي يجب ان تؤدي الى اختيار حر للرئيس الجديد، وحسب بيان اصدره الناطق باسم البيت الابيض، فإن "الولايات المتحدة تؤمن بمستقبل مستقل للبنان ذي سيادة كاملة ومتحرر من كل القوات الاجنبية، وان الولايات المتحدة تؤمن بقوة ان افضل المصالح لكل من لبنان وسورية تخدم بعلاقة ايجابية وبناءة مبنية على مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وكدولتين متجاورتين ذاتا سيادة ومستقلتين (...) وان الولايات المتحدة تتطلع الى انتخابات في لبنان تحترم المؤسسات اللبنانية بما فيها الدستور القائمة، وان تكون هذه الانتخابات حرة من غير تدخل اجنبي".
هذا هو اذاً جوهر الموقف الاميركي، الذي أبدى معارضة شديدة، و"تطلع" ولم يتحدث عن آليات وسياسات وإجراءات ستتخذ فيما لو تم التمديد او التجديد للرئيس اللبناني، رغم ان واشنطن اليوم تستند لجبهة عريضة معارضة للتمديد وتلتقي مع الموقف الاميركي، وهي فرنسا، بريطانيا، المانيا، وتستند كذلك الى جبهة داخلية لبنانية كبيرة لعل اهم رموزها رئيس الوزراء رفيق الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والقوى "المسيحية" المعارضة للوجود السوري في لبنان.
