مبارك طموحي كان منصب سفير


نبيل شرف الدين من القاهرة : يواصل التلفزيون الحكومي المصري مساء اليوم الاثنين بث الحلقة الثانية من "شهادة على العصر" للرئيس حسني مبارك، التي تتناول استعراضاً لتاريخه العسكري والسياسي، وهي الخطوة التي اعتبرها مراقبون بداية حملة لإعادة انتخاب مبارك لفترة رئاسية خامسة في أول انتخابات من نوعها تجري بين متنافسين بالاقتراع سراً بعد إلغاء العمل بنظام الاستفتاء المتبع منذ نصف قرن مضى، أو منذ سقوط الملكية وقيام الجمهورية في مصر .
وفي هذه الحلقة كشف مبارك عن أنه لم يكن له أي طموح سياسي، وكل ما كان يفكر به أن يعمل حتى يبلغ سن التقاعد، أو أن يعمل سفيراً لبلاده في بريطانيا، غير أن الرئيس السادات فاجأه باختياره نائبا له، نافياً أنه كان مجرد نائب شكلي، وأضاف "لقد أعطاني صلاحيات ضخمة أكثر من اللازم، وجعلني تقريبا مسؤولا عن كل شؤون الرئاسة، ومطلعا على كل القضايا، وكان لي خاتم خاص باسمي، لدرجة أنني تعرضت لمقالب سياسية بسبب كثرة الصلاحيات، وأضاف "عندما يحاول مسؤول أن ينافقني أكشفه، واقول له قول غيرها" .
ودافع مبارك عن السادات قائلاً إنه رجل حارب وضحى بجنود بينهم شقيقه، وكان يبحث عن مصلحة البلد ويريد أن يحرر الأرض، وكان يتفاوض لمصلحة مصر خاصة وأن إسرائيل كانت قد بدأت تتلقى أسلحة حديثة من الخارج، موضحاً أنه رغم مفاوضات السلام، غير أن العمل والتدريب لم يتوقفا في القوات المسلحة، قائلاً "لم نسقط الخيار العسكري، لأن المفاوضات قد تفشل، ونفاجأ بضربة ثانية، مشيراً إلى أن قرار التخفيف عن الجبهة السورية خلال حرب أكتوبر كان قرارا سياسياً، لأن الرئيس الأسد طلب منا المساعدة ونحن شركاء في الحرب .
ونفى مبارك ما قيل عن انهيار الرئيس الراحل أنور السادات بعد حدوث "ثغرة الدفرسوار"، قائلاً إن "السادات لم يكن سهلاً، ومن يعرف السادات جيداً يعرف أنه لا ينهار"، واستعرض تفاصيل ما جرى في الثغرة، قائلاً إنها كانت هجوما مضاداً، ومحاولة للرد على مفاجأة الحرب والعبور، وأوضح أن القوات الجوية المصرية نفذت أكثر من ثلاثة آلاف طلعة على الثغرة، نافياً ما ورد حول مسؤولية الرئيس السادات عن حدوث الثغرة ليس صحيحاً، مؤكدا أنه لم يكن يتدخل في عمل القادة داخل غرفة العمليات بل كان يستمع إلى جميع القادة العسكريين .
وشرح مبارك ما دار في الثغرة والاجتماع الذي حضره الرئيس السادات والمشير أحمد إسماعيل، والفريق سعد الشاذلي، والفريق عبد الغني الجمسي، وكل قادة الأفرع الرئيسة في القوات المسلحة، حيث استمع الى كل واحد منهم وقدرات قواته وكيفية تعامله معها، وأضاف: قلت للمشير أحمد إسماعيل : أموت في الجبهة ولا انسحب منها، لأن الوضع سيكون أخطر مما حدث لنا عام 1967، وقررنا أن نستمر في القتال لأن قرارا غير هذا كان سيؤدي إلى كارثة محققة .
وفي سياق تعقيبه على مفاوضات السادات وكيسنجر أكد أن السادات لم ينفرد بالمفاوضات السياسية.. وعادة كان يتشاور مع وزير الدفاع والقيادات قبل أن ينجز أي شيء، مشيرا إلى أن وزير الدفاع كان على علم بكل ما يدور في المفاوضات وكان يشرح لقادة الجيش ملخصا تفصيليا لما يحدث.
ومضى مبارك قائلاً إنه لا يصدر أي قرار إلا بعد دراسة وافية حتى لو تأخر صدوره، فلابد من دراسة الموقف بالكامل وتوقع كل ما يحدث، ولابد قبل اتخاذ القرار أن أبحث الأمر بدقة وقد اسأل الآخرين، وأضاف أن القائد الأعلى لابد أن يمتلك التقدير السليم، وأن يكون قادراً على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، مؤكدا أن الاستجابة لرغبات الشعب لا يعيب الرئيس، كما لفت مبارك إلى قدرته على التعامل مع أي شخص دون أن يتعرض للاستفزاز، "لأنني لو تعصبت سأخطئ"، وأضاف قائلاً : "ليس لدي مشكلة في أن أتشاور مع أشخاص لا ينتمون الى الحزب الحاكم، فأنا أستفيد من إمكانيات كل مصري مهما كان موقعه، ففي قضية طابا مثلاً حينما قيل إن الدكتور وحيد رأفت القانوني المناسب والمتميز لكنه معارض ينتمي إلى حزب الوفد لم أشعر بحساسية من انه في حزب معارض للحكومة، لأننا كلنا مصريون، وطابا تهمنا كلنا، سواء كان في الحكم أو المعارضة .
واختتم مبارك بتأكيد أنه لا يسمح بوجود قاعدة عسكرية لأي دولة على أرض مصر لأنه يعلم أن الشعب والبرلمان سيرفضان ذلك، لأن هذا الأمر لابد أن يمر على البرلمان ويتم الاستفتاء عليه وقال إن المناورات المشتركة مع الدول الأجنبية ليست انتهاكا للسيادة الوطنية، "لأننا نستفيد منها ونأخذ منهم خبرة، ونتعرف الى التكتيكات الجديدة، والأجهزة الحديثة ونعرف التطور الذي حدث في الخارج .

وفي ما يلي نص الحوار مع عماد الدين اديب :

كما يعلم الجميع نحن تعودنا على صراحتك وأنت كشاهد على العصر وشاهد على هذه الحرب وأحد أبطالها.. كيف؟ ولماذا؟ وفي أي ظروف حدثت الثغرة في الدفرسوار؟
منطقة الدفرسوار كانت نهاية عمل الجيش الثاني ونهاية عمل الجيش الثالث، فهي منطقة حدود بين الجيشين، وطبعا بعدما تقدمت القوات كان لابد من وجود هجوم مضاد، وكانوا يدبرون لهجوم مضاد قبل ذلك فدخلوا من هذه الثغرة وعملوا الكوبري وأنا أتذكر ان الكوبري كان يوم ?? أكتوبر، وكان الرئيس السادات يلقي خطابا في مجلس الشعب وطلب منا ان نضرب الكوبري فحركنا الطائرات من منطقة أبوحماد ووجهت للكوبري ضربات قوية واظن انهم بعد ذلك بنوه ووضعوا كتلا صخرية ودخلوا هذه المنطقة من الدفرسوار وبعد ذلك انتشروا وأصبحت المسألة مختلفة ..قوات مصرية وقوات إسرائيلية.. في المنطقة نفسها والمطلوب كان وقتها ان نتعاون ونضرب في القوات الإسرائيلية ولكن طائراتنا القادمة من مطار فايد كانت تدخل وتضرب علينا بعد أن اختلط الأمر عليهم وفي الفترة من 14 حتى يوم 22 اكتوبر نفذنا في الثغرة عددا من الطلعات الجوية يساوي ثلاثة أضعاف عدد الطلعات التي خرجت منذ 6 أكتوبر حتى يوم 14 حيث بلغت 3500 طلعة.
كون عدد الطلعات التي تم تنفيذها في الثغرة كان مثل الطلعات التي تمت منذ بدء الحرب حتى يوم 14 يؤكد شراسة المعركة ودور القوات الجوية وانه لم يكن مجرد قبول بوجود الثغرة بقدر ما كان رد فعل قتالي عليها.
كان القتال قويا جدا وكان المطلوب منا ان توجد قوات عند مطار فايد ونريد ضربها بالقاذفات الثقيلة فأسندت المهمة الى قائد اللواء وطلبت منه ان يرسل لي الطيار الذي سيخرج لتنفيذ المهمة وجاء الطيار في غرفة العمليات فعرضت عليه الخريطة أمام قائد اللواء وقلت له ستخرج من القاهرة وتسير على ارتفاع منخفض من خط السير المحدد وتسير بسرعة على سطح الأرض، لأنه لاتوجد مرتفعات في المنطقة، حتى تصل إلى المنطقة المحددة، وهناك تلقي بالقنابل وتدخل على البحيرة وحذرته من ان يلف فوق الارض لأنه سيكون هناك صواريخ مدفعية ورشاشات تضرب وقلت له ان المسطح العرضي في الدوران سيكون كبيرا لذلك من الأفضل ان تدخل في البحيرة لمدة ثلاث أو أربع دقائق وفوقها اعمل الدوران لتعود مرة أخرى الى خط السير، وبعدما شرحت له وفهم المطلوب ولكونه طيارا ذكيا سألني ..لو سيادتك قمت بهذه الطلعة هل تستطيع تنفيذ المهمة وتعود سالما وقلت له لو نفذتها كما شرحتها ستعود سليما 100 % فخرج وهو ملتزم جدا وضرب ودخل في البحيرة لأن البحيرة لم يكن بها صواريخ أو ضرب، ولف في البحيرة وعاد واتصل من منطقة الأمان حول القاهرة وسمعته فقلت له حمدا لله على السلامة .. "عمر الشقي بقي"، فهذا الموقف يوضح لك جرأته فقد دخل في منطقة كان الكل بيضرب عليه فيها.-

نعود مرة أخرى للثغرة.. سيادة الرئيس هل الثغرة هي ما يسمى بالمفهوم العسكري هجوما مضادا من القوة المعادية وهذا من طبائع الأمور في الحرب انت تهاجم فالآخر يعمل هجوما مضادا ام انها خطأ في التخطيط العسكري نتيجة نقل القوات بأكملها وعدم وجود احتياطي لحماية خلفية الجيوش التي عبرت .
بصراحة أنا اعتبره هجوما مضادا فعدم وجود قوات كلام غير سليم وكانت توجد فرقة قائدها قابيل اخذ نيشان عليها كانت فرقته وراء منطقة فايد لحماية قوات الدعم فكانت هناك قوات موجودة وحاصرت الثغرة في منطقة الجنوب، لكن الثغرة من الممكن ان تكون هجوما مضادا لأن أي عدو لابد ان يفعل ذلك فليس معقولا ان ينتصر في كل مرة ثم مرة واحدة يتم ضربه وتعبر وتظل هناك فلابد ان تترك اثرا أو ثغرة بالخطأ والعدو استغل هذا الخطأ.

الجبهة السورية

قرار التخفيف عن الجبهة السورية حسب ما فهمته انه كان قرارا سياسيا اتخذه الرئيس السادات لدعم الرئيس حافظ الأسد والموقف السوري.. هل هذا صحيح؟.
صحيح لأن الرئيس الأسد طلب منا مساعدة كما طلبوا منا ضرب حيفا بالقاذفات فقلت لهم حيفا أقرب لهم ..ومن مطار المليز لحيفا أربع دقائق، اما نحن سندخل البحر وهو مكشوف وقد لا نصل للهدف لكن الرئيس السادات أخذ القرار لتخفيف الضغط لأن الإسرائيليين كانوا قد بدأوا الهجوم على سورية.
هل يمكن ان ينظر لهذا القرار باعتباره قرارا عاطفيا.
ليس قرارا عاطفيا لأننا شركاء في الحرب نحن نساعده وهو يساعدنا وإلا ما كان اشترك معنا في الحرب وكان من الممكن ألا يضرب الضربة الرئيسة ويترك القوات الإسرائيلية تركز علينا في الجبهة المصرية لكن هو يضرب من جانب ونحن نضرب من جانب فنخفف عن بعض.
سؤالي سيدي ان من يقول في الوطن العربي ان مصر قصرت في دعم الجبهة السورية أثناء هذه الحرب فهو إما متعصب أو جاهل.
مصر لم تقصر ويكفي أننا اعطيناهم سرب طيران من عندنا، إضافة إلى أن سورية في بداية الحرب وصلت إلى خط حدودها لكن الضغط الإسرائيلي أعادها، فمصر لم تقصر .
كما ان جبهة سورية صغيرة بينما جبهتنا تصل إلى 170 كيلومترا وهي جبهة واسعة فكنا نتعامل معا بقدر المستطاع أما مسألة التقصير فهي غير واردة لأنه ببساطة لم يحدث تقصير.
بالطبع لم يكن هناك تقصير فقد كان هناك شعور من السادات بالمسؤولية القومية تجاه شريكة الحرب سورية بدليل انه اتخذ هذا القرار رغم تبعات هذا القرار على الثغرة
صحيح لأن تطوير الهجوم سهل موضوع الثغرة.
هنا أيضا انتقل لجانب آخر وهو كيف تم التعامل مع الأثر النفسي للثغرة، لأنه ليلة 14 و15 بدأ يتضح ان هناك تطوراً في الموقف وبعدما كنا في قمة الفرحة بالنصر وشعور الإسرائيليين بأن المعركة ليست في أيديهم بدأ التغيير النوعي في دخول أول مجموعات مدربة وبدأ تغيير المعركة بأن هناك ثغرة حدثت في الدفرسوار ..هنا كيف تمت ادارة الأزمة في غرفة العمليات ؟
عندما دخلوا هناك كانوا يعلمون انهم لن يستطيعوا البقاء هناك ..وعندما دخلوا عند السويس لم يكونوا متأكدين انهم سيبقون، فالسويس تحتاج حرب مدن وهي أصعب حرب في الدنيا لأن المنطقة التي تواجدوا فيها على البحيرة سهل ضربهم فيها ولكن وقف اطلاق النار وانسحابهم كان الحل الوحيد.. والثغرة عندما حدثت عقد اجتماع حضرته في القيادة العامة هنا وشهد كلاما كثيرا عن الثغرة فبعض الأراء كانت ترى ان الثغرة يمكن تصفيتها والرئيس السادات قال للمشير أحمد اسماعيل .. الله يرحمه ..ارسل أحد القادة هيقدر يصفي الثغرة.. وذهب القائد إلى هناك ثم عاد وقال لابد ان يتم سحب القوات من الشرق .. كلام كثير جدا لانريد الخوض فيه وكانت النتيجة طبعا انه عمل لنا اجتماعا ليرى قدراتنا في ظروف الثغرة حضره الرئيس السادات وأحمد اسماعيل وسعد الشاذلي والجمسي وقائد القوات البحرية وقائد القوات الجوية وقائد قوات الدفاع الجوي وقائد المنطقة المركزية وقادة الجيوش واستمع الى الجميع.
كانت المعلومات متكاملة ودقيقة؟
استمع لكل واحد ليشرح قدراته وكيف نتعامل مع الثغرة وكنت أول من سألوه لأنني قائد القوات الجوية وقلت لهم ان قدراتنا تمكننا من تنفيذ عدة طلعات وفي الثغرة نفذنا عدة طلعات ومستعدون للاستمرار لكن بشرط ان يتم تركيز استخدام القوات الجوية. فلا استطيع ان اعطي كل واحد ما يريده بل يجب ان نعرف ان هناك شقا هيعمل ايه فنعطي له المجهود اللازم وجاء الدور بعد ذلك على قائد الدفاع الجوي وكان تقديره جيدا وقائد الجيش الثاني كان تقديره جيدا وقائد الجيش الثالث كذلك.. لكن الخوف كان من حدوث تأثير لقرار سحب القوات من الشرق فهذا الأمر كان من الممكن ان يكون هو الطامة الكبرى لأنه عند سحب القوات لن نجدها في الضرب وكله سيجري ويترك الصواريخ ويعود كل واحد لبلده، وتعود ذكرى الانسحاب غير المنظم الذي حدث في 1967 بل قد تكون أسوأ.. لذلك فعندما طلبني المشير أحمد اسماعيل قبل ان نجتمع مع الرئيس السادات سألني عن رأيي.. فقلت له، ياسيادة الوزير ليس في تخطيطي امكانية حماية انسحاب فلا توجد صواريخ دفاع جوي تعمل ولا أستطيع ان احضر قوة جوية تحمي كل هذا فالقوات الجوية غير كافية.
يعني احتمال الانسحاب نظريا كان واردا؟
كانت بعض آراء.. لاأريد ان اذكر أسماء أصحابها ولكنني كنت خائفا من هذا الموضوع، فقلت للمشير أحمد اسماعيل أرجو ابلاغ الرئيس بذلك..
سيادتك كنت مع أي وجهة نظر؟
لايوجد شيء اسمه انسحاب.. أموت في الجبهة لكن لا أنسحب فالانسحاب يعني اننا انتهينا للأبد ولن تكون هناك بلد ولا أحد سيصدقك أو يساعدك بعد ذلك .. وسينظر لك الجميع باحتقار وتسمع اسوأ مما سمعناه في 1967 لهذا جاء السادات وسمع التقارير وانا بجوار الفريق محمد وقال السادات سنستمر في القتال ولو قاتلني العدو في القاهرة أقاتله في القاهرة وإن قاتلني في طنطا سأقاتله في طنطا.. هنا شعرت بفرحة كبيرة لاحظها الفريق محمد لأن الانسحاب كان يعني مصيبة إلى ماشاء الله.
هذا القرار المصيب جاء بتقدير موقف من سيادتكم للقائد الرئيس السادات؟
صحيح أي قرار غير هذا كان سيؤدي الى كارثة..
هذا من الناحية المعنوية ولكن من الناحية المادية نريد تقييم الثغرة منذ 1973 خاصة وان الجنرال والمفكر العسكري ديبو قال انها بالعلم العسكري هي عملية تلفزيونية لم يكن من الممكن ان تستمر عسكريا وان الغرض منها هو التأثير على الحالة المعنوية.
بالطبع بعد هذا النصر الكل يريد ان يؤثر على معنوياتك فلا يستطيع ان يظل في منطقة فايد وعلى البحيرات لأن خسائره لن تتوقف.

قصة الثغرة
لمن لايعرف ماذا كان وضع الثغرة سيدي الرئيس؟ ما فهمته انه كانت هناك قوات إسرائيلية تحاصر قوات مصرية في معظم الاتجاهات وكانت هناك خمس جبهات مفتوحة وقيل ان حوالي 38 كتيبة مدفعية وفيه 3500 طلعة جوية تمت من الطيران.. هل اذا جنبنا التهديد الأميركي والانذار الأميركي أو المحاولات الدولية وكانت العملية معركة عسكرية محضة هل كان من الممكن انهاء هذه الثغرة كعملية عسكرية؟
ممكن جدا انهاء هذه العملية، عندنا فرصة القوات بجوارها مباشرة والامكانيات كلها ستركز على الثغرة والخسائر من الطرفين ستكون كبيرة جدا خاصة من إسرائيل لأنهم في منطقة لايعرفونها ولايملكونها وتصفيتها كانت أمرا سهلا جدا.. والسادات قال ذلك رحمه الله.
. سيادة الرئيس في هذه الغرفة كانت الخريطة الموجودة لسير المعارك ..ماذا كان يحدث بينكم؟
كانوا يشرحونلنا عندما تأتي قيادة تخبرنا ان الفرقة كذا تقدمت والموقف البري بالكامل في أرض المعركة كان مرسوما على هذه الخريطة
هذه الغرفة بالكامل في تكوينها وبامكانياتها البدائية كانت أفضل شيء متاحًا وقتها في 1973 .
وغرفة القوات الجوية أيضا كانت مثلها والمسؤول عنها كان يضع البلوتس لتحريك الطائرات وفي الخلف يمسك الورق الأبيض ويضع سماعات على اذنيه فتأتيه المعلومات ان طائرة كذا دخلت خط سير كذا فيكتب هذا بخط يده.
ليس مثل الخريطة الالكترونية الجديدة الموجودة حاليا.
.الوضع مختلف تماما.. فحسب الامكانيات القديمة الخبر يصل متأخرا سبع دقائق لأنه لما رآها وبلغ شخص لشخص كان الوقت يمر.
.. ممكن هذا الحساب يكون معيبا وممكن يكون مخطئا اذا أساء التقدير؟
كنا نعمل حسابنا حتى في اطلاق المقاتلات لاعتراض أي هدف تكون الرادارات قد تتبعته.
من خصائص قائد سلاح الجو المصري انك لابد ان تكون ملما بالجغرافيا والممرات الجوية وعارف طبيعة الأرض ..وطبيعة المرتفعات والمنخفضات؟
انا عارف كل أنحاء الجمهورية وقمت بالطيران فيها وعندما أنظر للأرض أعرف انها تتبع منطقة كذا.. دون ان أعرف حدودها أو لافتة تحددها.. فأنا درست عليها ودرست للطلبة وقمت بآلاف الطلعات على هذه الأرض.. يعني أول ما افتح عيني أقول هذه قويسنا.. هذه بنها.. تلا .. القناطر.. باختصار حافظ كل أرض مصر .
اسأل سيادتك سؤالا ربما اعرف اجابته لأنني حاولت عدة مرات وفي كل مرة اجد الاجابة القوية.. حدث في الثغرة الم يجعلك تشعر بالاهتزاز او الانزعاج.
أقولك حاجة انا لا أهتز أبدا ولاأحب أن أهتز، واذا شعرت بالانزعاج اكتمه حتى لا أخيف من حولي، لكن لا يوجد حاجة اسمها لا يمكن، كل حاجة ممكنة وعندي اصرار لازم أنفذه
سيدي الرئيس ..وانت تقدم شهادتك للتاريخ الآن.. عندما كنت تتابع تطور هذه العمليات حتى توقف اطلاق النار يوم 22 اكتوبر هل تعتقد ان قادة أفرع القوات المسلحة والقيادة العامة والقائد الأعلى للقوات المسلحة أداروا معركة الثغرة حسب المعطيات التي كانت موجودة بأفضل ما لديهم
نعم تمت ادارة المعركة بأحسن الطرق ويجب أن تعرف ان العدو وجد أننا حققنا نجاحا شرق القناة وعبرت خمس فرق وتمت اقامة الكباري وعبرت الدبابات وكل شيء تم.. وبالتالي كان لابد من وجود هجوم مضاد وهذا الهجوم المضاد هو الدفرسوار، وعندما دخل العدو منطقة الدفرسوار كان محاصرا، فهناك فرقة في الخلف ومن الغرب توجد قوات وفي الشرق البحيرة فالعدو كان يعرف انه لن يبقى هناك أبدا.
من التلاحم المباشر والحرب المباشرة والمواجهة بجميع أنواع الأسلحة مع العدو الإسرائيلي هل كان يمكن للعدو تحقيق تفوق علينا في القدرات؟ أم كان يعكس ضعف وسوء الاعداد منا في 1967 .. الذي واجهناه هو قوة إسرائيل أم ضعفنا بالدرجة الأولى؟
هو اهمالنا، نحن كنا نأخذ الحكاية بالظاهر ولم نأخذها بجدية لذلك فاجأنا العدو وضرب كل المطارات وبعض الطيارين فالعدو فهم اسلوب حياتنا واننا كل يوم نطير مبكرا في الفجر ونطلع أول طلعة ثم ينزلون وانتهت.
نظرية أول ضوء سيادة الرئيس من أين جاءت؟
كانوا زمان يقولون اضرب في أول ضوء وقبل ان يستيقظ أحد، وفي حرب اكتوبر رفضنا ذلك وخرجنا الساعة الثانية ظهرا أول ضوء كانت عادة معروفة ان تبدأ الضربة كما ان أول ضوء ليست مضمونة دائما فربما نجد ضبابا أو أي شيء آخر يؤثر على الأداء القتالي.
. سيادة الرئيس لدي سؤال.. عندما يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي هو في الوقت نفسه رئيس الجمهورية يقوم بمفاوضات سياسية لها علاقة بقضية الحرب والسلام كما حدث في 1973 كأن يكون له لقاء مع كيسنجر مثلاً، فهل في هذه الحال القيادة العامة للقوات المسلحة يكون لها رأي سياسي في هذا الموضوع أم مجرد انها تتلقى التوجيهات بالحرب أو تخفيض مستوى الحرب؟
.. نحن كنا في الصورة دائما في عملية المفاوضات السياسية وكان وزير الدفاع على علم بكل شيء وأبلغنا بذلك.
أي أن مفاوضات كيسنجر كانت معروضة لديكم؟
نعم باستمرار فوزير الدفاع يحضر ويشرح لنا ملخصا تفصيليا لما حدث.
واذا كانت لأحدكم وجهة نظر فهل يتاح لقائد عسكري في مستوياتكم ان يناقش مثل هذا الموضوع ويتفق ويختلف؟
. نعم .. ممكن تقول رأيك.. تقول مثلا لو هيعمل كذا فعليه ان يحذر من كذا وكذا ونعرض وجهات نظرنا، فطالما اننا نتحدث على أساس سليم ومقنع فليست هناك مشكلة وعادة الرئيس السادات قبل ان يجري أي شيء كان يتشاور مع وزير الدفاع والقيادات.
. وفكرة ان الرئيس السادات رحمه الله انفرد بالمفاوضات السياسية بعيدا عن القوات المسلحة.
لم ينفرد.. نقول الحق فكيف ينفرد ويترك القوات المسلحة تضرب وهو يتفاوض سياسيا.. هذا أمر لايستقيم.

السادات والأميركان
كاتب كبير قال ان الرئيس السادات كانت له قناة اتصال خلفية خاصة مع الأميركان من خلال خط تليفوني ربط بينه شخصيا وبين مكان ما في الولايات المتحدة الاستخبارات الأميركية هل هذا صحيح؟
لم اسمع عن هذا نهائيا.
محاولة الايحاء بهذا الموضوع تعطي انطباعا وكأن الرئيس المصري رحمه الله محمد أنور السادات كان يتفاوض مع الأميركان ضد المصلحة الوطنية المصرية.
اكيد ان الذي يكتب هذا هو شخص ضد الرئيس السادات.. فالسادات رجل حارب وضحى بجنود بينهم شقيقه فهو كان يبحث عن مصلحة البلد ويريد ان يحرر الأرض واذا كان يتفاوض فهو لايتفاوض لمصلحته هو وانما لمصلحة مصر كي يحمي أولاده من القتال ..خاصة ان إسرائيل بدأت تتلقى من الخارج أسلحة حديثة كانوا يضربوننا بها وهي مصنعة في أغسطس 1973 والدبابات، ثم انه لو كانت للرئيس السادات قناة سرية مع الأميركان لتم الكشف عنها فالأميركان لاتوجد لديهم سرية .. بل كانوا قالوا وتحدثوا عن هذه الاتصالات مئة مرة وكانت خرجت الوثائق التي تتضمن الاتصالات عبر هذه القناة.. ففي أميركا لايوجد شيء يتم في الخفاء.
نأتي سيدي الرئيس إلى جانب مهم وهو الدور الأميركي في مرحلة الثغرة ..هل هناك تلميح أو توضيح أميركي بأنه لن يسمح بتدمير الاحتياطي الاستراتيجي الإسرائيلي المتواجد داخل الثغرة.
هذه أول مرة أسمع فيها هذا الكلام .. أميركا كانت تساعد على ان ينسحب الإسرائيليون من الثغرة وعندما أوقف الإسرائيليون التموين عن الجيش الثالث عند السويس فهذا تهديد للإسرائيليين بأنهم اما ان يتركوا التموين يدخل للجيش الثالث والا سيدخل التموين بطائرات الجيش الأميركي، فتم السماح للسيارات بالدخول وأنا شاهدت البرقية بنفسي
لتبسيط الموضوع.. كانت هناك عدة دوائر تحاصر بعضها فمن كان يحاصر من؟ وكيف كان شكل الصورة؟ الدائرة الداخلية كان بها المصريون ثم كانت دوائر أخرى مختلطة ..دائرة داخل دائرة
الثغرة كانت محاصرة بمصريين وفي الداخل كان المصريون والإسرائيليون.. وحدات في أماكن كان بها تداخل لكن خارج الاطار كان محاطا بقوات مصرية.
هذا نظريا لكن من ناحية فن القتال وفن الحرب فإن القوات في الخارج اذا أرادت احكام القبضة والسيطرة فهي قادرة على إبادة من في الداخل حتى لو قواتها الصديقة لأن كل القوات تحت يدها وسيطرتها
وهذا كان يحدث فكنا نذهب بطائرات ويتم الضرب علينا من كل القوات ولاأحد يعرف ان هذه معادية أو صديقة.. وكله يضرب علينا.
هذه مخاطر الحرب على الجميع ولابد ان يتحملوها، حتى الأميركان الآن في العراق يواجهون مواقف كثيرة مثل هذا، اذا سألك شاب من شباب الجامعة المتحمسين الذين نراهم أحيانا في المظاهرات هذه الأيام.. وقال لك سيادة الرئيس بوصفك رئيس الجمهورية والرئيس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، ماهو الضمان حتى لايتكرر للقوات المسلحة المصرية ما حدث في 1967، فماذا ستقول له؟
أقول له الضمان الأكيد أننا نحافظ على قوات مسلحة قوية بمستوى تدريبي عال لمواجهة أي خطر خارجي، واجراء مناورات مشتركة مع الانجليز والفرنسيين والأميركان والايطاليين لنأخذ منهم خبرة

النجم الساطع
سيادة الرئيس..أرجو ألا تغضب مني.. البعض من المتحمسين الذين يكتبون المقالات يقولون ان المناورات المشتركة مثل النجم الساطع سواء مع الانجليز أو الفرنسيين أو غيرهم فيها نوع من انتهاك السيادة الوطنية
انتهاك إيه.. نحن الذين نوافق أو نرفض ولاأحد يجبرنا على شيء.. ويقول لك لازم تقوم بالمشروع.. نحن منذ عامين لانشارك في مناورات.. لكن من مصلحتنا ان نقوم بتدريبات مشتركة للتعرف الى التكتيكات الجديدة والأجهزة الحديثة ونتعلم ونعرف التطور الذي حدث في الخارج، أما ان تجلس ولاتقوم بتدريبات، فهذا صعب، نحن أجرينا تدريبات مع السعودية ومع دول كثيرة وهذا أعطانا خبرة.
ألا ترون سيادتكم أن هذا الأمر فيه انتقاص للسيادة الوطنية.
اطلاقا هو لايأتي لاحتلال أرض ولا يأتي ليبقى بل لنتعلم منه.
.. ماهو الخط الفاصل بين الأمن القومي والمصري وما بين انتهاك السيادة الوطنية؟ متى يمكن ان اتعاون مع هذا وارفض التعاون مع الآخرين
اذا كان يريد ان يأخذ قاعدة عسكرية ويستمر في البقاء فأقول له لا.. وهذا حدث أيام الروس فقد كانوا يريدون أن يأخذوا قاعدة في مرسى مطروح.. ومرة أخرى في غرب القاهرة وطبعا لايمكن ان اعطي قاعدة لأي دولة أجنبية ..لأن هذا الأمر لابد ان يمر على البرلمان ويتم الاستفتاء عليه فهذا قرار لايملكه الرئيس أو الحكومة خصوصا واننا معقدون منذ ان كان الانجليز يحتلون مصر.. لانقبل أي احتلال، والحمد لله لاتوجد قواعد أجنبية على أرض مصر، نتعاون نعم ونتدرب معا لكن في النهاية كل واحد يعود لبلده.
. فكرة السيادة الوطنية عند سيادتكم وعند جيلك وعلى مدي أجيال هي قضية راسخة عند المصريين بينما البعض في الغرب يقولون لماذا كل هذه الحساسية.. فخريطة العالم متسعة على الجميع والأميركان يقولون إن لهم قاعدة في بريطانيا وفي ألمانيا.. فهل هذه دول منتهكة السيادة؟
هذه القواعد تمت الموافقة عليها برضاء الشعوب اما نحن فلدينا عقدة منذ الاحتلال البريطاني الذي استمر سبعين عاما، فأي شاب صغير السن عندنا يقول ان أي قوات تأتي إلى مصر تأتي للاحتلال ولاأستطيع ان أفسر هذا بأنه حساسية من الشعب ..بل ان الشعب لايقبل هذا.
سيادة الرئيس.. هل حرصك الدائم وتشديدك المستمر على فكرة السيادة الوطنية قد يكون جزءا من تفسير أسباب عدم رضاء بعض القوى العظمى عن السياسات المصرية؟
. والله هم أحرار ..ولكن لابد ان يفهموا ان كل بلد له ظروفه وطبيعته.. ايطاليا مثلا فيها قوات أميركية بينما لا توجد في فرنسا ولكن لا توجد أطماع سياسية ولاحاجة من هذه الدول انما نحن في منطقة كلها أطماع، فعندما نعطي قاعدة فالشعب لا يقبل هذا، هل انت توافق على وجود قوات أجنبية على أرضك تبقى بصفة مستمرة دون استفتاء البرلمان ودون أي رأي للشعب؟ ..لايصح وأنا واثق ان الشعب لا يوافق وكذلك البرلمان لن يوافق لأن عندهم حساسية كبيرة من وجود قوات أجنبية مقيمة في مصر.
هذه اجابة ذكية جدا لكنها حاولت الابتعاد عن صيغة السؤال.. هل عوقبت انت شخصيا أو تمت معاقبة مصر لانها رفضت التفريط في السيادة الوطنية وأمنها الوطني.. أريد اجابة مباشرة لو سمحت.
كل واحد من أصدقائنا في الغرب وأميركا يعلم تماما اننا في مصر لانقبل بوجود أي قاعدة عسكرية على أرضنا وأيام الروس رفضنا وطلبوا قاعدة بحرية وحاولوا أن يأخذوها فلم يتم لهم ما أرادوا، وهذا ايضا ليس في يد رئيس الدولة ولا يملكه.

زعيم أرستقراطي
اسألك سؤالا أجبني عليه بالصمت حتى لا ألزمك بالاجابة إذا أردت، لو أنك أعطيت لدولة ما قاعدة في مصر تكون بكره أفضل زعيم ديمقراطي؟
. ضاحكا.. أفضل زعيم ارستقراطي، أنا يهمني الشعب الذي أعيش معه، فأنا مواطن مصري وشعبي في المقدمة وسلامة تراب الوطن واستقلاله في المقام الأول وجزء من مسؤولياتي الوطنية وهذا في الدستور.
هذا موجود في القسم الذي تقسم فيه على ان تحافظ على سلامة وأمن الوطن وأراضيه واستقلاله، سيادتك تطبق القسم بحرفيته، وهنا انتقل سيدي الرئيس إلى جانب مهم في هذا الموضوع وهو مدرسة العسكرية المصرية التي شربت منها فكرة السيادة الوطنية والتي ظهرت في عدة مواقف في حياتك وظلت معك وانت تتعامل مع أي ملف سواء اقتصاديا أو سياسيا أو عسكريا أو اجتماعيا، هل هذا الموضوع فيه مساس بسلامة الوطن واستقلال أراضيه ام اننا لا نستطيع ان نقول ان هذا شيء دائم معك؟
هذا شيء دائم معي لأنني لابد وان اتحسس رأي الشعب فلابد ان اعرف شعبنا رأيه ايه، لأن الشعب مسؤول مني ولا أستطيع ان اتعدى اختصاصاتي.
-.. عندما يقال ان الزعيم الفلاني رضخ لرغبات الشعب هل هذا عيب؟
.. لا ليس عيبا..
أعود بك مرة أخرى إلى موضوع السيادة الوطنية، لعلك تلاحظ انني أركز على هذه النقطة ونحن هنا في غرفة القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، حتى أكون قائدا أعلى للقوات المسلحة ماهي الخصائص التي لابد ان تتوافر في أو المسؤوليات الملقاة على عاتقي؟
القائد الأعلى لابد وان يكون قادرا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب لصالح الشعب.
.. اشرح لي أكثر لو سمحت
اضرب لك مثالا فعندما ذهبت إلى اديس ابابا وتعرضت لمحاولة الاغتيال التي كان يجهز لها البعض وقتها قررت ان آخذ الموضوع ببساطة وبهدوء وكان هناك رأي يقول لازم نؤدب السودان ونضربها، لكنني جلست مع نفسي ورأيت ان هذا لايصح وغير كان من الممكن يستعجل ويضرب، فالقائد يجب ان يتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب لصالح الشعب.
ومن هنا اذا كان من يتولى هذا الموقع وهذا المنصب ليس ملما بتفاصيله فمن الممكن ان يكون وضع الوطن وسلامة أراضيه واستقلاله في خطر.
ممكن طبعا.. فمن يتولى هذا المنصب يجب ان يكون قادرا على دراسة الموقف جيدا ويمتلك التقدير السليم ويتخذ القرار المناسب فان لم يكن هناك تقدير سليم لأي قرار واتخذ قرارا خاطئا فسوف يورط البلد بأكملها.
في الولايات المتحدة الرئيس له سلطات كبيرة وهو أيضا القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية وله صلاحية في قرارات الحرب والسلام وأيضا هناك الجهاز التشريعي المتمثل في الكونجرس والمكون من مجلس الشيوخ والنواب وفي النهاية يقومون بالمراقبة والتوازن معه.. أما في دولة مثل مصر فمن يراقب الرئيس في قراره ومن ينصح ويقوم القائد الأعلى للقوات المسلحة؟
.. الرئيس لكي يعلن الحرب أو يدفع قوات لأي بلد لابد من موافقة البرلمان، انا عندما أرسلت قوات أيام حرب تحرير الكويت ورغم ان هذا القرار كان تنفيذا لمعاهدة الدفاع العربي المشترك إلا انني أخطرت البرلمان انني سأنفذ الاتفاقية وأرسل فرقتين والاتفاقية تعطيني هذا الحق، لكنني استأذنت البرلمان ونواب الشعب فلا استطيع ان ارسل قوات أو أعلن قرار حرب الا بموافقة نواب الشعب والبرلمان يحاسبني.
سيادة الرئيس هذا بالنسبة للقائد الأعلى للقوات المسلحة ..لكن ما هو دور القيادة العامة كناصح له؟
طبعا قبل أن أفكر وأحصل على موافقة البرلمان لابد وان اجلس واناقش الأمر مع القيادة العامة وابحث معهم الموضوع وهل هذا القرار يمكن تنفيذه؟
وهل ستكون له اثار جانبية؟ فلابد ان تتم دراسة الموقف جيدا، فاذا رأت القوات المسلحة أن الأمر ممكن واقتنعت انا بذلك أعرضه على البرلمان.. فلا تستطيع ان تتخذ قرار الحرب من نفسك وتذهب وتقول البرلمان سيوافق والقوات المسلحة آخر من يعلم.

صناعة القرار
.. قيل من بعض تلاميذك ومعاونيك في شهادتهم التاريخية عنك ..انه حينما يتخذ القائد محمد حسني مبارك قراره في كل مستويات حياته كان دائما يلم بجميع العناصر ويخشي المفاجآت ويحسب كل الحسابات ويعد العدة لكل الاحتمالات ويأخذ رأي الجميع.
هذا صحيح ..فطوال عمري لم اتخذ قرارا في شيء إلا بعد دراسة الموقف بالكامل وتوقع ما يحدث ..ولو حدث ماذا سنفعل.. ولابد قبل اتخاذ القرار ان أبحث الموضوع وبعد ذلك قد أسأل آخرين.
.. حتى لو استغرق هذا وقتا طويلا..
.. ممكن لأنها قد تكون مسألة مصيرية.
هل اذا تعطل القرار بسبب محاولة اصداره بشكل سليم أفضل من أن يصدر بسرعة ويكون خطأ؟
..القرار لو تعطل حتى لو كان سليما أضمن وأفضل وأوفر من القرار العاجل الخطر.
سيادة الرئيس.. هل ستغضب مني اذا قلت لسيادتكم إن بعض الناس يقولون ان القرار الآن بطيء وأحيانا يستغرق وقتا طويلا.. ممكن تفسر لماذا يأخذ وقتا؟
القرارات كثيرة.. وهناك قرار لابد من دراسته جيدا فيجب ان نرى نتيجته، وما هو مردوده فقد يكون مردوده خطرا علينا، فلابد على الانسان في القرار الذي سيؤثر على حياة ومستقبل الشعب ان يدرسه دراسة كاملة فليست هناك حاجة للاستعجال...الحالة الوحيدة المستعجلة هي حالة اذا كنت سترد هجوما فهذه هي الحالة الوحيدة التي تجمع كل شيء من قوات مسلحة وبرلمان وشعب وكل المؤسسات.. وفي ما عدا ذلك لابد من مناقشة قرار الحرب ودراسته جيدا ومناقشته مع القوات المسلحة.
.. ولا يكون قرارا عاطفيا أو خاضعا لاستفزاز..
.. لا .. هذا الموضوع لايوجد فيه عاطفة، لأنه مصلحة الشعب.
عندما نتحدث عن العاطفة والاستفزاز أعود بسيادتك مرة أخرى إلى موضوع الثغرة.. حضرتك رغم تكرارك لكلمة ..لاأنسحب وأفضل أن أموت في الجبهة.. لم تكن عاطفيا بقدر ما كان قرارا عقلانيا.. اشرح لي هذه النقطة.. وهل اختلطت المشاعر عندك وقت اتخاذ مثل هذا القرار ؟
طبعا.. لأن من يقول لك انسحب لابد أن تتذكر ماجرى في 1967 فالجميع أخذوا في الانسحاب وكل منهم جرى إلى بلده وأصبحوا يلمون القوات المسلحة من البلاد، الأسلحة تركت وتم أخذ غنائم فلذلك عندما اتخذ قرارا مثل قرار الانسحاب، لازم تدرس الموضوع جيدا، فليست هناك عجلة ولانستطيع عمل شيء بالخطأ، لذلك عندما حدثت الثغرة كان رأيي والذي أبلغته للمشير أحمد اسماعيل أنني لا يمكن ان انسحب لأن الوضع سيكون أخطر مما حدث لنا عام 1967 لأن عندنا معدات كثيرة ومنطقة القناة مليئة بالأسلحة والذخائر والصواريخ والدبابات وبمجرد صدور قرار الانسحاب كل جندي وقائد سيترك معداته ويجري وكل واحد يترك موقع الصواريخ المبنية التي كانت محصنة ويجري.. فمن سيحمي الموقع؟

شخصية السادات
-سيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة الرئيس أنور السادات ماذا كان دوره في غرفة العمليات؟
.. أولا هو حضر في بداية العمليات وكان يأتي ليطمئن الى أن العمليات تسير في الخط السليم.
هل كان يبيت هنا في غرفة العمليات؟
.. لا، كان يبيت في القاهرة وإذا استدعى الأمر ان يستمر للساعة الحادية عشرة والثانية عشرة مساء كان يستمر، وكل همه التأكد من أن الخطة تسير بلا مشاكل لكنه لم يكن يتدخل
. وهذا هو سؤالي التالي هل كان الرئيس يتدخل في العناصر الفنية وادارة المعارك؟
. لا.. لم يتدخل والبعض يقول ان الرئيس عمل الثغرة، وهذا غير صحيح ولم يتدخل وإن تدخل فهو ليس بعيدا عن تكتيكات القتال اطلاقا ولكن هو يستطيع ان يتخذ قرارا وعندما يأتي إليه وزير يحكي له الموقف ويستشيره في أمور وبعدما يسمع ويجد ان الكلام منطقي فيوافق عليه مباشرة
.. لكن لم يأت ويرفع السماعة أثناء الحرب ويطلب تصعيدا أو سحبا أو ما إلى ذلك.
لم يحدث هذا مطلقا.. إذن القيادات موجودة ليه؟ والقيادة العامة عملها ايه؟ وكوني قائدا أعلى ليس معناه الانفراد بالقرار، انما هذا يعطيني النصيحة والتشاور ولابد اسأل الأسئلة حول الآثار والتبعات والأهداف والمطلوب لتتم الموافقة.
. أطلب شهادة سيادتك لأن شهادتك مقدرة من الجماهير.. لأنه بالتأكيد هناك كثيرون ظلموا الرئيس السادات وقالوا انه كان يتدخل كثيرا وهو المسؤول الأول عن الثغرة
.. اطلاقاً، وأشهد بذلك لأنني اعلم جيدا ماذا كان يفعل السادات فهو عمره لم يحرك قوة من هنا أو هناك وكان فقط يسأل: عاملين إيه؟، فيه مشاكل؟، هتعملوا ايه في الثغرة ؟
. هل كان عصبيا عندما حدثت الثغرة?
لا ..كان متضايقا في نفسه
ألم تفلت أعصابه كما قيل في بعض الكتب؟
.. لا .. البعض حاول تكبير المسألة لكي يبيعوا
.. البعض قال ـ عفوا ـ إنه وصل لمرحلة الانهيار
من يعرف السادات جيدا يعرف انه لا ينهار .. السادات لم يكن سهلاً
.. في الغرفة الجانبية كان هناك أيضا مكان مخصص لمحور عمليات القوات الجوية وهذه الخطة تم التصديق عليها في 25 سبتمبر 1973 وهذه الخطة هي التي اعتمدت وتم تطبيقها ومن العناصر التي تستوقف الانسان ان التخطيط بدأ من يناير 1973 لكن التصديق عليها تم في 25 سبتمبر.
الخطة كتبت في 25 ابريل لأن مراحل الخطة وتجهيز القرار يستغرق مراحل طويلة
.. هذه الغرفة الملحقة بغرفة عمليات القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرائط الأصلية والتي تمت على أساسها عمليات القوات المسلحة في 1973 تسمح تشرفني وتشرف السادة المشاهدين لاول مرة تاريخيا لتشرح لنا على هذه الخرائط وتعطينا فكرة
لن أشرح لك الخطة كاملة
.. جزء عام منها.. وأنا بوصفي غير متخصص لن افهمها بالضبط.. كيف سارت هذه العمليات المجيدة؟

غرفة الحرب
وعند ذلك انتقل الرئيس مبارك بصحبته عماد أديب إلى غرفة القيادة العامة للقوات المسلحة ووقفا أمام الخرائط الموجودة في الغرفة واستكملا الحوار :
نحن أمام لوحة مكتوب عليها.. قرار قائد القوات الجوية.. مكتوب فيها سري للغاية في العملية جرانيت 2 المعدلة وانها في منشية البكري ساعة ألف
يوم 2 ابريل عام 1973
.
طبعا موضوع القرار يستغرق وقتا طويلا ..في البداية تتسلم تقريرا عن تقديرات القوات لتعرضه على القيادة العامة وبعد ذلك يوافقون عليها حسب القدرات ويكلفونك بالمهمة.. فتقوم بتجهيز قرارك ومعروف طبعا ان مهام القوات الجوية بعد فترة انذار 24 ساعة هي التعامل مع قوات الدفاع الالكترونية بالتعامل مركزيا والقيادة العامة خلال المرحلة الأولى
.. (يقرأ بعض تفاصيل الخطة على خريطة الغرفة) ومنع العدو من السطو بقواته وإسكات قوة العدو بمدفعية طويلة المدى في مواقع نيران تقاتل العدو بالقوة التعبوية تقدم المعاونة الجوية للجيوش الميدانية، تؤمن رادار ووحدات الامداد الجوي ووحدات الصاعقة ووحدات البحر الأحمر وتركز جهود القوات الجوية أثناء تحقيق المهمة المباشرة على ضرب قوات العدو التعبوية والاشتراك مع قوات الدفاع الجوي على الأهداف الحيوية، وهنا ينزل لفكرة الطلعات وبعد ذلك نأتي لفكرة القرار وهنا يشرح وقت الاستعداد والسيطرة وتنظيم التعاون وتوزيع المجهود الجوي؟
.. عملية طويلة ومهام كثيرة هنا القرار ..تعمل كذا وتتحرك كذا، وتفعيل القرار، وهي خطة العمليات هذا له خريطة أخرى
هذه هي الخريطة الحقيقية التي عملتم عليها؟
نعم وأنا موقع عليها هنا
يشير إلى توقيع الرئيس ويقرأه : لواء طيار محمد حسني مبارك
-الرئيس مبارك شارحا على الخريطة.. كل اللون الأحمر يشير إلى المقاتلات المصرية
هنا عندما يكتب المليز 16 ..سوخوي ..7 فهذا يعني انك ستضرب ب 16 سوخوي.. كمدي 12 ..
نعم في الضربة الرئيسة تحدد كل هدف وكذلك تعمل كمقاتلة خاصة وعدد ونوعية الطائرات التي تضربها.
.. معناه انه يتم تحديد كل هدف ومداه.. وهذا يتبع كل موقع ويتبع التواجد العسكري الموجود عند العدو,..سيادة الرئيس.. كم من الوقت اخذتم لتصلوا للشكل المبدئي؟
.. الوصول إلى الشكل المبدئي استغرق شهرين أو ثلاثة.. في البداية تطلب تقرير القوات الجوية وتحديد قدرات كل جهاز ثم تأتي الأجهزة لتستمع لكل المقترحات وبعدها نقدم التقارير من القوات الجوية، ثم يأتي التدريب الليلي ليقول أمامي أربعة أشهر.. وبناء على هذا التقرير أعطيك المهمة.
واضح ان كل القواعد هنا كانت تعمل من الاقصر وأسوان إلى بني سويف والمنصورة للاسكندرية وبلبيس وجناكليس.
-33.. قاعدة تعمل.
تسمح لي سيادتك ان تشرح لي هنا.(مشيرا الى الخريطة)
- الرئيس مبارك شارحا.. هنا خطة العمليات وهنا مكتوب فكرة القرار بشكل أكثر تفصيلا.
. هنا توقيع سيادتك قائد القوات الجوية بتاريخ 25 سبتمبر 1973
.. خريطة المعركة كلها يوقع عليها القائد الأعلى للقوات المسلحة وهذه جزء منها وعليها كل الأهداف المحددة، وعندك بالوظة 8، وميجا 17، وسمارة 8، و ميجا 17، والكاسة 4، وسخوي 7
أريد أن افهم شيئا، كيف تقدر قوة نيران أو نوعية طائرة معينة لهدف معين؟
في البداية تعرف الهدف وتحدده ..مثال صواريخ نعرف نوعية الذخيرة وما هي الأسلحة التي يمكن ان نستخدمها؟ وكل هذا نعرفه من التجارب التي تقوم بها القوات الجوية ونوجه لها طائرات مناسبة تتعامل مع الهدف.
وتعرض على القيادة العامة وتتم المناقشات.
يعرض على القيادة العامة.. وبعد ان يوافق على الخطة تأخذها هيئة العمليات ويكون قرار كل قائد قوات بمفرده ..فهناك خطة عمليات للبحرية وأخرى للجيش الثاني وأخرى للجيش الثالث.. وهكذا.. ويتم وضع الخطط على الخريطة الكلية كخطة عمليات القوات المسلحة أو قرار قائد عام القوات المسلحة.
يتم حساب هذا في الخطة الكلية.. وبعد ذلك يتم التعاون ما بين القوات وبعضها?.
.. التعاون يكون كوحدة متكاملة للخطة، لكن أصعب تعاون كان ما بين القوات الجوية والدفاع الجوي لأنك تتعامل مع صواريخ.
هذا واضح في مهام الضربة المركزة.
الضربة المركزة محددة كخطوة أولى لأن العملية ليست الضربة الجوية فقط بل هي الضربة التي تفاجئ العدو وكأنك تعطيه بنج وبعد ذلك هناك مهام مستمرة للقوات الجوية.. طائرات في الجو وضرب أهداف ..تهاجم الجيش.. وتسقط طائرات العدو.. وتنزل قوات خلف خطوط العدو.. وهذه عمليات مستمرة طوال الحرب.
سيدي الرئيس.. سؤالي الأخير ونحن في هذه الغرفة أمام خريطة وأرقام.. كلمنا عن البشر والجنود .. كم من أبنائك وتلاميذك وقواتك في هذه الحرب وصلوا لمرحلة انهم ضحوا بحياتهم وانطلقوا في الحرب من أجل تحرير الأرض .. ذهبوا في سبيل الاستشهاد؟
كلهم كانت عندهم عقيدة انهم طالما وضعوا اقدامهم في الطائرة ينسون كل شيء في الدنيا.
..عندما كان يصل إليك خبر استشهاد أحد تلاميذك الذين علمتهم؟
يكون صعبا..أشعر بالضيق ..ولكن هذه هي الحرب، تحزن ولكن تواصل لتسترد أرضك ولازم تضحي
..سيادة الرئيس.. نشكرك لأنك أتحت لنا وللسادة المشاهدين هذه الفرصة للدخول لهذا المكان.
وعند ذلك ..غادر الرئيس والاعلامي عماد الدين أديب غرفة العمليات واستكملا الحوار.

يوم التكريم
- نأتي سيدي الرئيس إلى يوم مجيد في حياتك وهو يوم خطاب الحرب والسلام للرئيس محمد أنور السادات في البرلمان الذي وقف فيه وكرم القوات المسلحة ومن بين الذين تم تكريمهم سيادتك وأصبحت قائد القوات المسلحة لحظة قيام الرئيس السادات بتكريمك.. البعض قال انك كنت تشعر بأنك لست الذي يتم تكريمه.. وأنه لو كان الأمر بيدك لمنحت هذا الوسام لكل من ساهموا في النصر من القوات الجوية فكيف كان شعورك وقتها؟
كنت أشعر وكأن التكريم لكل القوات الجوية ولا أنسى الكلمة التي قالها الرئيس السادات عن القوات الجوية، فيكفينا فخرا ان القائد الأعلى قال هذه الكلمة وقدر المجهود الذي قامت به القوات الجوية وا