علي مطرمن اسلام اباد: بعد الانتخابات الرئاسية الاخيرة في أفغانستان والتي شهدت نسبة مشاركة نسائية مرتفعة جاء من يقول للرئيس مشرف بضرورة اتباع النموذج الافغاني واعادة الديموقراطية بالكامل الى باكستان وهو ماجعله يرد قائلا انه اذا كانت باكستان ستتعلم الديمقراطية من الافغان لنقرأ علئ باكستان السلام... وقد لا يكون هذا الرأي مجافيا للواقع خصوصا مع استمرار حال معاناة المرأة الافغانية حتى بعد ثلاث سنوات من سقوط نظام حركة طالبان في نوفمبر 2001م.

زُهرة محمدي امراة أفغانية قررت أنها لن تستطيع الإستمرار فيما هي فيه. أهلها "باعوها وهي في عمر الثامنة عشرة في زيجة بالاكراه بمبلغ1200دولار لرجل لم تره قط. انتقلت بعد هذا الزواج من مدينة هيرات مسقط راسها الى قرية مجاورة حيث يقيم زوجها.

زوجها الجديد لم يسمح لها مطلقا بمغادرة المنزل وعاملها بدرجة تزيد قليلا عن معاملة الخادمة. فهي تتلقى الاوامر من عائلة زوجها وحتى من ابنتهم التي عمرها 11 عاما.

الانتحار هو الحل

بعد ثمانية أشهر من هذة الصفقة، قامت زينب بصب زيت الطهي على رأسها وصدرها وأطلعت الجميع من اهل زوجها أنها ستشعل النار بنفسها و تحدتها عائلة زوجها أن تفعل واوسعوها ضربا وأمسكوا بها ولكنها أفلتت منهم وأشعلت عود ثقاب وسرعان ما إشتعلت النار برأسها وبالجزء العلوي من جسدها.

نجت زُهرة من الموت ودخلت في طور جديد من المعاناة بسبب ما لحق بها من ضرر الحريق الذي أودى بذراعها الايسر وحوله الى كتلة مشوهة، والصورة لا تقل قتامة ما بين رقبتها وصدرها. ورغم ذلك؛ فهي تصر على القول بان ما قامت به يأتي تعبيرا عن احتجاجها على ما عانت منه من ضغوط من زوجها وعائلته. فهي لم تعد تكثرت بحياتها التي لم يعد لها معنى بعد زواجها القسري وأصبحت ترى في موتها انعتاقا من الاغلال والقيود التي فرضها عليها هذا الزواج، وتعتقد أنها ستصبح بموتها حرة طليقة من براثن الاستبعاد الذي حرمها كم حرم كثير من الافغانيات من العيش بحياة زوجية من النوع الذي يألفه الاخرون وتقول انها بعد إقدامها على ما فعلته فإنها اشعرت الجميع بما كانت تعاني منه وأصبحت حرة طليقة.

أمثلة متكررة

قصة زهرة تتكرر من حي لاخر في تلك المدن الافغانية الواقعة بالاجزاء الغربية والجنوبية والشرقية من أفغانستان والتي تقطنها أغلبية من العرق البشتوني وتقل وتيرتها في الاجزاء الشمالية من البلاد التي تسكنها عرقيات فارسية وازبكية وطاجكية تعتبر أفضل حالا من البشتونية من حيث التركيبة الاسرية والرقي الاجتماعي.

بعد ثلاث أعوام من سقوط نظام طالبان لاتزال النساء يتعرضن في مناطق البشتون للقيود القانونية والدينية والثقافية التي تجعل الواحدة منهن تتحول من طفلة بريئة الى سلعة يساهم الفقر والعوز في بيعهن في زيجات تكسر عنق الاباء لحاجتهم الى المال والتي تجعل المراة خادمة لذوي زوجها بسبب تملكهم لها بهذا المال ولا تكون بحال من الاحوال سيدة منزلها أو القائمة على تدبير شؤونه.

هذه المعيشة هي باب من أبواب الرعب التي تفتحها الزيجات القسرية على بنات الاسر التي تحاول الخروج من بوتقة الفقر ببيع بناتها لمن لا يستحقونهن بسبب طمعهم وجشعهم أو للفارق الكبير في السن بين الزوج والزوجة والذي يصل الى أربعة أوخمسة عقود. هذه الزيجات عملت على تحويل العنف ضد المراة الى وباء منتشر بين الافغان لا يكادون يجدون له علاجا حتى بعد هذه التغيرات السياسية التي طرأت على حياتهم وتصدرتها مشاركة إمرأة في الترشيح لرئاسة أفغانستان وتصويت نسبة لا يستهان بها من النساء في هذه الانتخابات في حدث لم يكن مألوفا على الاطلاق في هذا البلد المحافظ.

وحدات علاج الحريق

ضحايا الحريق يتجمعن في أجنحة علاج الحريق بالمستشفيات وهي اجنحة تكتظ باغلبية من النساء. شهد العام الحالي قرابة 180 حالة من حالات النساء والفتيات اللاتي تعرضن لحوادث حريق ام تكن في معظمها عرضية بل مفتعلة. وجناح المصابين بالحروق في مدينة هيرات لا يختلف عن مثيلاته في العالم الا بكونه شديد التأخر وقليل الامكانيات.

أكثر من مائة من الضحايا فقدن حياتهن لظروف تضافرت فيها شدة الحريق ونقص الامكانيات العلاجية المتقدمة. معظم هؤلاء النسوة جئن لهذا الجناح بسبب اقدامهن على محاولة الانتحار حرقا بسبب العنف الاسرى، رغما أن معظمهن ينفين ذلك بحضور أزواجهن أوذويهم ويلقين باللائمة على حوادث الحريق خلال وجودهن في المطابخ. وأغلبيتهن في مقتبل العمر أو حتى في سني المراهقة ومعظمهن كذلك تم بيعهن أو ارغامهن على الدخول كعضوات غير فاعلات في زيجات قسرية واغلبهن ضحايا للعنف الاسري الدائم والمستمر بدون رحمة.

حقائق عن العنف

في العام المنصرم استندت مفوضية حقوق الانسان الافغانية المستقلة الى سجلات من وحدة معالجة الحريق ووجدت أن هناك 300 حالة حرق يشتبه بانهن قد أشعلن النار بانفسهن ومات ما يزيد عن 80% منهن.

وتؤكد المفوضية على أن العدد الحقيقي للنساء اللاتي اتجهن بكل ما لديهن من احاسيس نحو احراق أنفسهن احتجاجا على معاناتهن التي لم تتوقف يزيد كثيرا عن هذاالعدد وعن ما سجلته وحدات الحريق بالمستشفيات؛ فإلى جانب من كن محظوظات بالدرجة الكافية التي توصلهن الى المستشفيات فان هناك كثيرات فارقن الحياة في القرى النائية والمعزولة بدون أن يسمع أحد عنهن أو عن معاناتهن أو عن العنف الاسري الذي تعرضن له.

انتشار الفقر في المجتمع هو السببلما تتعرض له الفتيات من عنف اسري لان العائلات التي لا تستطيع أن تجد لها مكانة تعيش فيها في المجتمع تتجة نحو بيع بناتها لرجال طاعنين في السن... والتقاليد الموروثة تمنع العائلات المحافظة من السماح لنسائها بالجلوس مع الرجال أو أن يسرن سافرات خارج بيوتهن فتشعر المراة أنها سجينة وتفضل الاقدام على قتل نفسها بسبب ما يشكله هذا الشعور من ضغوط.

نسبة تدين فائقة

يُعد أقليم هيرات المحاذي لايران الأكثر تدينا ومحافظة بين الاقاليم الافغانية. ويتوقع الرجل في أرياف هذا الأقليم من نسائه أن يلتزمن بالبقاء في المساكن أو أن يجعلن البرقع رفيق سيرهن خارج بيوتهن. الا ان تحسنا قد طرأ على أوضاع النساء بعد سقوط حركة طالبان ولكن سيطرة الحكومة على الاوضاع السياسية والاجتماعية ومراقبتها لكل شاردة وواردة من شوؤن الحياة حال دون حدوث المزيد من التقدم في الاوضاع الاجتماعية وخصوصا ما يتعلق منها بالنساء؛ وهذا ما أكدته منظمة دولية لحقوق الانسان في تقارير أعدتها حول أوضاع المرأة في أفغانستان.

حاكم الااقليم السابق

شغل اسماعيل خان منصب حاكم اقليم هيرات لسنوات عدة بعد سقوط طالبان وقام بفرض قيود صارمة على النساء في المناطق الخاضعة لسيطرته واوجدت سنوات حكمه انطباعا عميقا لدى موظفي حكومه الاقليم ولدى الافراد العاديين كذلك بان لهم الحق في فرض سيطرتهم وأرائهم ومعتقداتهم على جميع مناحي حياة النساء والفتيات في الاقليم :- كيف يجب أن تكون طريقة لبسهن وكيف يتحركن في انحاء الاقليم وما الذي يجب عليهن قوله أو ما يجب الامتناع عن التفوه به. وبعد سقوط طالبان توقعت النساء والفتيات في اقليم هيرات أن يحصلن على الكثير من الحقوق ولكن هذا لم يكن ماحدث فعلا.

حاول الرئيس حامد كرزاي أن يعيد الاوضاع الى شكل يتناسب مع هذه التوقعات عندما قام في الشهر الماضي بعزل اسماعيل خان ولكن الاعتراضات الشعبية التي أعقبت هذا التحرك لم تدع هناك من مجال لازالة القيود الاجتماعية التي تكبل المراة وتعيقها من الحصول على حقوقها. فقد عمدت مجموعة من المتظاهرين في أول رد فعل لهم على الاطاحة باسماعيل خان الى مهاجمة مكتب لمنظمة تدافع عن حقوق المرأة وشؤونها وأشعلو به النار ودمروا ملفاته وكمبيوتراته.

يوم الاحد الماضي كانت هناك 10 حالات من ضحايا الحريق بمستشفى هيرات جميعهن نساء واصغرهن عمرها 14سنة. وتعلق الدكتورة نومي آفرين على ذلك قائلة أن 10 حالات أمر بسيط وذلك لانه في معظم الاحيان لا نجد سريرا خاليا من امرأة محروقة.