حرفي يصيب ربحًا بمقتل الحريري

عودة تجارة التذكارات الخشبية في لبنانبعد مقتل الحريري

فادي عاكوم من صيدا: إقتناء التذكارات الخشبية عادة يحبها اللبنانيون ويألفها السياح الذين يأتون لبنان لزيارة مواقعه الأثرية والسياحية والأماكن الدينية، تسالني إحدى السيدات الفرنسيات عن معنى التمثال النحاسي الذي يعرض بأحجام مختلفة هنا في الأسواق القديمة في صيدا التي رممتها مؤسسة الحريري، وتقول رأيت مثله بجبيل لكن الحجم الذي أريده غال قليلًا نسبة الى ميزانيتي، سيدتي إنه عبارة عن شخص فينيقي وهو مرغوب جدًا من السياح، ها إنها تلتفت وتمسك بيدها تذكارًا خشبيًا صنع باتقان ومهارة، هذا يفي بالغرض إنه جميل ورائحة الخشب زكية،أنظر صورة رفيق الحريري عليه سأشتري هذا.

لم استطع أن أخفي ابتسامة لدى اختيارها هذا التذكار بالذات، رب مصيبة قد تجلب الرزق أو الخير لغيرها "الله يرحمك يا شيخ رفيق أردت بحياتك الخير لأهالي الحارات القديمة في صيدا، وهاهم يصيبون خيرًا بمماتك أيضًا "

لم تقل لي لماذا تضحك ؟ أفصحت لها عما يجول في داخلي، ولأنني اعرف عشق الفرنسيين لمعرفة الأشياء بتفاصيلها أخبرتها أن الحرفي الذي يصنع هذه التذكارات هو صديق لي، فأصرت على زيارة مصنعه، فضحكت ثانية وهنا بدا الإستغراب على محياها، وسألتني ثانية لماذا تضحك؟ أجبتها ستعرفين بعد قليل هلمي معي الآن إلى مصنع صديقي الحرفي كي تشاهدين بأم عينك كبر المصنع.

من الأسواق إلى معمل صديقي إحتجنا إلى خمس دقائق سيرًا على الأقدام، يقطن حيدر حسن في بناية في شارع الست نفيسة (سمي هذا الشارع بهذا الإسم تيمنًا بمقام الست نفيسة الأثري)، بيته في الطابق السادس،إستقبلنا بالترحاب والمودة ثم قال معاتبًا الحمدلله أنك تذكرتني "وين هالغيبة" أشرت بيدي الى السيدة الفرنسية وقلت له تريد أن ترى معملك، فضحك صديقي هو الآخر وقال معملًا! لنشرب القهوة أولًا ومن ثم نذهب إلى هناك، بعد القهوة قال حيدر تفضلا معي الى السطح وماكنت قد اخفيته عن الفرنسية السائحة أن صديقي يعمل حوالي ال 18 ساعة في غرفة صغيرة فوق السطوح ومن هناك تنجز يداه الروائع من المنحوتات الخشبية او التذكارات كما اعتدنا على تسميتها، ظهرت الدهشة على وجه السيدة الفرنسية وسألت est-ce que c'est possible? قلت نعم هذا هو أتولييه صاحبي، حاول صاحبي إسترجاع ما يعرفه من مفردات فرنسية لكنني كنت الصحافي والمترجم في آن معًا ورحت أساله عما يشفي غليلها، وتفاصيل فتحت شهيتي لكتابة تحقيق عن هذا الحرفي الذي لا تكل يداه.

حيدر حسن من يكون؟
أنا حيدر حسن أصلي من البقاع لكنني منذ زمن لا أذكره أسكن في صيدا، كنت في بادئ الأمر اعمل في محل املكه واخي في بيع الألبسة الجاهزة، وبسبب الضائقة المادية كنت قد قررت ومنذ اربع سنوات أن أزيد دخلي، وصادفت أن

حيدر حسن- تصوير فادي عاكوم
اشتريت تذكارًا خشبيًا لأناس كهدية، وخطر لي أن أقوم بتصنيع قطعة مشابهة ونجحت التجربة، ووجدت أن يدي تطاوعانني وتطالبانني بمزيد من الخشب،ما استوجب شرائي لعدة الشغل المكونة أولًا من مواد الخشب الخام ومن منشار كهربائي ومن آلة الحفر وما يلزم الأمر من مواد كالدهان وغيرها.

وبعد تجهيزي لعدد من القطع وجدتني أحملها وأطوف بها على بعض التجار ومنهم أخي الثاني الذي يملك محلًا لبيع التذكارات، فكان أن شجعني هو الآخر ودلني على عدة اماكن في مدينتي صور وبيروت لتصريف الإنتاج، والواقع ان لكل تاجر طلبية خاصة تتماشى والمعتقدات السائدة في منطقته ففي صور على سبيل المثال طلب مني أن أحفر على خشبياتي الأرزة وخريطة لبنان والأمكنة الأثرية أي ما يهتم به السياح بشكل خاص، أما في صيدا فبدأت ببعض الآيات القرآنية وبعض الصلبان، وبالنسبة للضاحية الجنوبية في بيروت، فقد اقتصر الأمر في بادئ ذي بدء على الآيات القرآنية.

من أين تحصل على المواد الخام وحدثنا عن مراحل التصنيع؟؟

أشتري الأخشاب من منطقة العاقبية في جنوب لبنان، لكنني أفضل خشب الزيتون لمتانته وصلابته وجمالية عروقه، هذا وبسبب مرارته فالطفليات لا تقدر على إفساده، إلا ان قطر الجزع من يحدد الحجم او مساحة القطعة، وأقوم تاليًا بتقطيع الجزع بسماكة 10 سنتيمترات، وبعد عدة مراحل ضرورية يصبح الخشب جاهزًا للإستعمال، أكتب على الخشبة الكلمة التي أريدها وأحفر من حواليها أو بجانبها إلى أن تظهر بشكل نافر، أقوم بدهنها وتلميعها بمواد خاصة، وقد قمت مؤخرًا بإدخال الصور على القطع الخشبية وهذه عادة حديثة العهد في لبنان وأما الصور المستعملة فهي غالبًا لسيياسين بارزين أحياء أو أموات.وأقوم يوميًا بتصنيع ما يزيد عن ال25 قطعة مختلفة الأشكال والأحجام.


هل هناك فترات تشهد فيها إقبالًا على البيع دون سواها؟

المناسبات هي التي تتحكم بحركة البيع،مثل عيد العشاق وغيرها وهناك المناسبات الدينية مثل عاشوراء كأن نحفر كلمة الحسين وهي مطلوبة جدًا في الضاحية الجنوبية إلى جانب صورة السيد حسن نصرالله،لكن اللافت الإقبال الشديد على شراء القطع التي تحمل صورة الشهيد رفيق الحريري فمنذ اليوم الأول لاستشهاده وانا لا اعمل إلا قطعًا تحمل صورة الرئيس الشهيد وأحفر عليها عبارات :لأجل لبنان أو شهيد لبنان أو شهيد الوطن،والواقع أنني بعت المئات من القطع المذكورة والطلب عليها في تزايد مستمر، وفي الشهر الخامس من كل عام اي في آيار /مايو أقوم بتحضير قطع تجذب السياح، محفور عليها الرموز الوطنية والأثرية.

من ينافسك في حرفتك هذه؟

حاليًا لا يوجد في بيروت أوالجنوب أحد غيري يحترف هذه الحرفة، لكن في بيت شباب هنالك محترف يختص بصناعة القطع التي تهم السياح وتلك التي تباع في المزارات الدينية المسيحية، وأيضًاهناك بعض المحترفات في منطقة الأرز وبشري.
لكن ما ينافسنا بالفعل هو البضائع السورية بسبب رخص اليد العاملة هناك وإدخالها بكميات كبيرة إلى لبنان بطرق غير شرعية، لكن ومنذ استشهاد الرئيس الحريري، لم نعد نرى منها في الأسواق اللبنانية ما انعكس ازدهارًا على صناعتنا. وهذا ما دفعني لتطوير محترفي الصغير بآلات حديثة وفتح أسواق جديدة لبضائعي في مختلف المناطق اللبنانية فالحرفة تحتاج إلى تطوير دائم ممايترافق مع حاجات السوق.


حدثنا عن الأسعار؟

القطع تباع ابتداء من ستة دولارات وصولًا إلى حوالي المئة دولار، وذلك بحسب عدد الكلمات المحفورة على الخشبة وحجم الخشبة.

طلب صديقي من السيدة الفرنسية وعلى العادة اللبنانية أن تختار قطعة مجانًا من بضعة قطع قدمها إليها،ولما سألته السيدة عن سعرها بنيّة أن تدفع له جن صاحبنا وحمدت الله على انها لم تفهم العربية بسبب ما تفوه به افهمتها انها هدية منه فشكرته كثيرًا وكانها حصلت لتوها على كنز لا يقدر بثمن. أوصلتها الى ساحة النجمة ومن هناك استقلت سيارة اجرة وغادرت الى فندقها في بيروت شاكرة مودعة.

لمحة تاريخية عن صناعة الخشب:
دأب الإنسان منذ القدم على تسخير الخشب لحاجاته الخاصة أكان ذلك في البناء، أو وسائل النقل وصولًا الى الأواني المنزلية، واثاث البيوت حتى إن

اعمال خشبية- تصوير فادي عاكوم
أجمل القطع الفنية أتت خشبية و ذلك راجع الى وفرة الاشجار والغابات التي تغطي مساحات شاسعة على الارض.
و تنوعت المصنوعات بتنوع البيئة و الحضارات و ارتبط هذا التنوع بعدة عوامل منها تنوع الاخشاب التي تصلح للاستخدامات المختلفة الدقيقة مثل اخشاب الحور و الجوز و الزان و البلوط و الزيتون و الأرز، مما ساعد الحضارات القديمة و الحديثة على استخدامها في الاعمال الفنية خاصة لنحت التماثيل و عمل الزخارف المختلفة و قد لعبت سهولة النقل والتخزين، وسهولة تصنيع مادة الخشب لامكانية قطعه و ترقيقه و تجميعه و لصقه و صقله و دهنه دورًا هامًا في انتشاره اذ يمكنه ان ياخذ اشكالًا كبيرة كالصواري و صغيرة كاعواد الكبريت.
و للخشب معاملة خاصة و دقيقة و ذات مراحل عدة فالاشجار تتكون كما هو معلوم من القشرة في الخارج و اللب في الداخل على شكل حلقات اسطوانية و عند قطعها الواحا تتجه التقوسات عند الجفاف تجاه المركز، ما لم تتم بعض الخطوات اللازمة لتفادي ذلك فيجب في هذه المرحلة ان يراعى اختلاف اتجاهات الالياف حتى تقلل من التقوسات التي تظهر عليها والمنطقة الافضل للاعمال الفنية او الدقيقة يجب ان يكون خشبها مأخوذًا من منطقة مركز اللب او القريب منه.

العوامل التي تؤدي إلى تلف القطع الخشبية:

-إختلاف درجات الحرارة والرطوبة.
-وجود المواد السكرية وعدم استخلاصها بعد القطع(التعطين )
-عدم مراعاة اتجاه ألياف الخشب أثناء التصنيع.
-عدم صقل الخشب أو دهنه مما يجعل سطحه معرض لتسرب الرطوبة الداخلية.
-التخزين الخاطئ داخل السراديب و المباني.
-وجود الحشرات القارضة واليرقات الآكلة للاخشاب و التي تسبب التسوس له.
-وجود لهب شديد مما يؤدي الى اشتعال النار به فورًا حيث إنه سريع التأثر بالحرارة.
-ملامسته للمواد العضوية المتعفنة التي تنقل اليه عدوى التأثر بالجراثيم و الميكروبات.

صيانة القطع الخشبية التالفة:

عمليات التطهير وإبادة الحشرات القارضة : فإن وجدت ثقوب صغيرة فهي الدليل على أن الخشب مصاب بهذه الحشرات و كذلك وجود اجزاء متحللة مثل البودرة و هي ناتجة عن تفكك الالياف بفعل البقايا العضوية و الفضلات التي تتركها الحشرات
و تتم عملية التطهير بتبخير الخشب داخل غرف مقفلة أو حقن الاخشاب في الثقوب بالمواد المطهرة او استخدام الاشعة فوق البنفسجية.
اما الالواح التي تقوست بفعل الزمن فافضل طريقة لازالة التقوس هو اجراء عملية تطرية لها بواسطة حمامات البخار المائية الساخنة، حتى تتم التطرية اللازمة و يتم الضغط عليها بعكس التقوس و يستعيد الخشب شكله الطبيعي بعد أن يجف تحت ضغوط و أثقال تحقق له الإحتفاظ بالشكل النهائي.