حرب غيرت وجه العراق 1-5
مخاوف انقلاب أعاقت منع احتلال بغداد

حرب غيرت وجه العراق 2-5
حكومة تبتعد وحرب أهلية تقترب

حرب دخلت عامها الرابع فغيرت وجه العراق (3-5)
تمزيق للنسيج الاجتماعي وهروب نحو المجهول


أسامة مهدي من لندن : في واحدة من اخطر التداعيات التي افرزتها مرحلة الحرب الاميركية الدائرة في العراق والتي تدخل عامها الرابع هذه الايام تغيير النسيج الاجتماعي للعراقيين الذي عرف بتآلفه وتسامحه وحيث رصاص الارهاب والعنف الطائفي الاسود بدأ يمزق خيوطه التي ظلت متماسكة برغم الهزات التي تعرض لها المجتمع العراقي منذ تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 .

فمنذ دخول الجيوش الغازية ارض العراق والناس التي تعيش فوقها تتعرض لزلازل سياسية واجتماعية خلخلت كياناتها قلقا من حاضر مرعب ومستقبل مجهول بدأ بالاقليات التي كان المسيحيون اول ضحاياها ومن ثم الفلسطينيون الذين يحلون ضيوفا على العراقيين منذ ستة عقود مضت واخيرا الصابئة المندانيون الذين هجروا من بغداد قسرا امس .. وحيث النار المشتعلة لم تشبع بضحاياها هؤلاء فبدأت تلتهم العراقيين بنكهة طائفية هذه المرة وهي نار اذا لم يتمكن ماتبقى من عقلاء العراقيين اطفاء لهيبها فانها ستبتلع الجميع بلا رحمة اوشفقة .

المسيحون
يعتبر المسيحيون العراقيون من الجماعات الدينية الاولى التي جرى استهدافها ولا يزال وسط شعور يكتنفهم بالخوف .. ففي صيف عام 2004 بدأ استهداف كنائسهم في بغداد وكوكوك والموصل في موجة انفجارات شكلت انذارا لهم مما اضطر للمرة الاولى 150 عائلة مسيحية لمغادرة مساكنها في الموصل في مناطق أخرى في محافظة نينوى حيث تقطن الغالبية المسيحية وذلك لخشيتها على أمنها سلامتها.
يشكل المسيحيون حوالى ثلاثة بالمئة من السكان اي حوالي مليون نسمة من اصل 28 مليون عراقي في بلد ينص دستورها الجديد الذي تم الاستفتاء عليه في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي على quot;حرية كل الاديان وان quot;الاسلام هو دين الدولة الرسمي ومصدر للتشريعquot; . كما يقضي بان quot;يحترم الهوية الاسلامية لاكثرية العراقيين مع ضمان الحرية التامة لكافة الاديان الاخرى وممارساتها الدينيةquot;.
والكلدو أشوريين المسيحيين في العراق موزعون على ثلاث طوائف حسب انتماءاتهم الكنسية وهي الاثوريون اتباع الكنيسة الشرقية والكلدان أتباع الكنيسة الكاثوليكية والسريان. وكانت أعدادهم أكثر من ذلك في الستينيات من القرن الماضي ألا أنهم هاجروا منذ تسلم حزب البعث للسلطة في عام 1968 بسبب محاولته تعريبهم وشكلوا جاليات لهم في أوروبا وأميركا الا أن أكبر عدد من المهاجرين كان خلال السنوات الثلاث الماضية أي بعد دخول القوات الاميركية البلاد .
وكان دستور عام 1970 الذي تبناه النظام السابق يضمن الحرية الدينية ويحظر كل تمييز ديني .. وفي كانون الاول (ديسمبر) عام 1972 حدد النظام في مرسوم بان القوميات الاخرى هي الاشورية والكلدانية والسريانية. والكلدان الذين يشكلون غالبية المسيحيين في العراق طائفة كاثوليكية تمارس طقوسا شرقية. وقد انبثقت هذه الكنيسة عن العقيدة النسطورية لكنها تخلت عنها في القرن السادس عشر مع احتفاظها بالطقوس ذاتها .. ونائب رئيس الوزراء العراقي السابق طارق عزيز المعتقل حاليا هو اشهر الكلدانيين.
لقد أقام المسيحيون على أراضي العراق الحالية منذ حوالي ألفي سنة ويرجع أصلهم الى منطقة بلاد الشام والمناطق المحيطة بها. وكان عددهم قبل حرب الخليج الثانية عام1991 يصل المليون ولكنه الان يقل عن نصف هذا العدد . وحين فرضت العقوبات الاقتصادية على العراق بعد حرب الكويت عام 1991 غادر العديد من المسيحيين الذين كانوا يعيشون في انسجام نسبي مع جيرانهم المسلمين الى الغرب ملتحقين بأفراد عائلاتهم. ويتركز معظم المسيحيين في العراق في بغداد وكذلك في المدن الشمالية مثل كركوك واربيل والموصل التي كانت يوما ما مركزا تجاريا مهما ورد ذكره في الكتاب المقدس باسم نينوى. وما زال مسيحييون عراقيون كثيرون يتكلمون الارامية السريانية التي كانت لغة المسيح. وفي السبعينات صدرت مجلات ثقافية ناطقة باللغتين العربية والارامية كما ظهرت برامج اذاعية وتلفزيونية باللغة الارامية. ويعيش في اقليم كردستان العراق حوالى 150 الف مسيحي اغلبهم من الكلدان. ويتمثل المسيحيون في الحكومات التي اعقبت سقوط نظام صدام حسين بوزير مسيحي واحد .

وفي اعقاب هذا السقوط وظهور نزعات اصولية في البلاد خرجت من رحم الكبت الذي واجه الحريات في البلاد على امتداد العقود الثلاثة الماضية وما اعقبها من انهيار امني فأن بعض الممارسات استهدفت المسيحيين العراقيين بشكل ظلامي بعيد عن الفهم الانساني المسالم للدين الاسلامي مما دفع بعشرات الالاف منهم الى الهجرة الى دول مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ونيوزيلاندة وكندا واستراليا حيث وجدوا من يحتظنهم من المؤسسات الكنسية في هذه البلدان اضافة الى هجرة عائلات الى الدول المجاورة . وتحتل الاردن وسوريا ولبنان المركز الاول في الدول التي يتجه اليها المسيحيون العراقيون طمعا في الحصول على اللجوء الانساني من قبل مقرات الأمم المتحدة هناك لدول أوروبا وأمريكا واستراليا . كما ان قسما آخر اضطر الى الهجرة داخليا من الجنوب وبغداد الى شمال العراق حيث الوضع الأمني أكثر استقرارا هناك.

مخيم الفلسطينيين بحي البلديات شرقي بغداد
ان معظم المسيحيين الذين هاجروا العراق بعد اندلاع الحرب الحالية توجهوا الى سوريا والاردن ويقول احدهم وهو أشور الذي التقته وكالة أصوات العراق في دمشق quot; أنا حلاق ولم أمارس في حياتي غير هذه المهنة وعند انتشار العصابات المتطرفة والتي بدأت تروج لثقافة غريبة عن مجتمعنا العراقي كالمنع من القصات الغربية واستعمال الخيط لتحديد اللحية والشوارب .. تلقيت تهديدا بقتلي اذا استمررت في هذه المهنة فاضطررت لترك عملي وألاعتماد على المساعدات المالية والتي يرسلها لي اقرباء في الخارج quot;. أصدقاء له وجدوا له عملا كحلاق في قاعدة أميركية لكن التهديدات لاحقته quot;عندما وصلتني رسالة تهديد تخبرني بانكشاف أمري وتتوعدني ببؤس المصير. quot; لم يجد أشور بدا من أخذ زوجته وأخواته والرحيل لسوريا رغم ممانعة والديه في البداية لكنهم اضطروا الى اللحاق بابنائهم. ولازالت عائلة اشور في سوريا منذ أكثر من سنتين بانتظار الحصول على لجوء انساني من الأمم المتحدة .
وقصة عائلة ابو مريم وزوجته لاتختلف كثيرا عن قصة أشور. يمتهن الزوجان الصيدلة ولديهما مذخر باسم ابنتهما مريم , وهما يمارسان عملهما منذ منتصف الثمانييات من القرن الماضي. أهالي المنطقة والذين تعودوا عليهم وأحبوهم تفاجأوا بغيابهم المفاجىء ووجود شخص اخر في مذخرهما برر غيابهم برغبتهم للالتحاق بابنتهم في بيروت لكن الناس سرعان ما بدأوا يتهامسون عن تلقي الزوجين رسائل تهديد ولم يكن أمامهم غير الهجرة.

وقد ازدادت نسبة هجرة العوائل المسيحية من المحافظات الجنوبية والبصرة تحديدا منذ بداية سقوط النظام في 2003 لحد الان حيث اصبح عدد العوائل المسيحية في البصرة الان 600 عائلة بعد ان كانت 1500 عائلة في بداية سقوط النظام . ويعزي السيد رعد البازي من سكنة البصرة ذلك الى quot;التشدد الديني من قبل الاحزاب الدينية والانفلات الامني وحرق مصالح المسيحيين وتدميرها في البصرة وقلة فرص العمل.quot; واضاف البازي quot;أيام النظام السابق كانت هجرة المسيحيين في العراق بنسبة معادلة لنسبة المسلمين المهاجرين.quot; ونفى البازي اجبار المسيحيات على التحجب علانية لكنه أشار الى تعرضهن للمضايقات في الشوارع كونهن غير محجبات . وذكر السيد البازي موقفا تعرض له quot; كنت اتمشى مع أختي وابنتها واذا بشخص يقترب مني ويقول لي (عفوا أستاذ ألم تكن مريم العذراء محجبة ؟ ألا تتحجبون عندما تدخلون الكنيسة ؟ فلماذا الان لا ؟quot;.
ولعل التطور الخطير في مسألة الاضطهاد الذي تتعرض له الاقليات الدينية ما اعلن في بغداد اليوم عن نزوح عوائل من طائفة الصابئة المندائيين من العاصمة الى محافظة ذي قار الجنوبية خلال اليومين الماضيين في ظل عمليات التهجير الطائفي التي تشهدها مناطق مختلفة من بغداد . وقالت مصادر عراقية ان إن العوائل المهجرة أجبرت على ترك بيوتها في بغداد من قبل مجموعات طائفية مسلحة وسط توقعات بأن يزداد عدد العوائل من هذه الطائفة التي يتم ترحيلهاا بسبب الصراع الطائفي نظرا لوجود أقلية كبيرة من طائفة الصابئة المندائيين في محافظة ذي قار .

فلسطينيو العراق يعيشون نكبة جديدة
يواجه الفلسطينيون المقيمون في العراق منذ احتلال بلدهم عام 1948 اصعب ظروف عاشوها هناك نتيجة اتهامات بدأت توجه لهم بمساندة النظام العراقي السابق خاصة مع خروج المتظاهرين الفلسطينيين في مدنهم بين فترة اخرى هاتفين للرئيس السابق صدام حسين وهي ظروف زاد من تعقيدها مشاركة افراد عرب تسللوا الى العراق لتنفيذ عمليات مسلحة اصابت العراقيين بالضرر .. واعتقال اربعة فلسطينيين قيل انهم كانوا مسؤولين عن تفجير مفخخات في بغداد .

وقد ازدادت معاناة الفلسطينيين اثر الدعوات التي بدات تنطلق من العراق باخراج المواطنين العرب من العراق وهي دعوات وان وجدت معارضة من بعض القوى السياسية العراقية الا انها وبسبب الانفلات الامني وجدت لها اذانا صاغية لدى البعض من العراقيين وخاصة من قبل المليشيات المسلحة التي هاجمت بعض دورهم وهجرتهم منها .
واكدت قوى واحزاب عراقية رفض دعوة ترحيل الفلسطينينن انطلاقا من دعم العراقيين للقضية الفلسطينية على مدى العقود الخمسة الماضية وتضحيات ابنائهم في معارك استرجاع فلسطين اضافة الى انها تتعارض مع القوانين الدولية والحصانة التي يتمتع بهاالفلسطينيون في قوانين منظمة الهجرة الدولية وموقف العراق المعلن في دعمه للشعبالفلسطيني ورعايته آلاف اللاجئين الفلسطينيين على أرضه منذ نكبة العام 1948 .
وقد برزت مشكلة الفلسطينيين في العراق الذين يصل عددهم الى 34 الفا بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان (ابريل) عام 2003 والفوضى التي عمت العراق وانهيار مؤسسات الدولة التي كانت تدفع عنهم قيمة ايجار منازلهم التي يسكنوها حيث بدأ اصحاب هذه المنازلهم بطردهم منها لعجزهم عن تسديد ايجاراتها او عدم قدرتهم على رفع قيمة هذه الايجارات الامر الذي دفع السلطات العراقية الى اقامة مخيمات داخل بغداد لاسكانهم .
وقد وزعت وزارة الاسكان العراقية استمارة معلومات على هؤلاء الفلسطينيين لمعرفة عدد العوائل الموجودة في ثلاث مخيمات مؤقتة والافراد التي تضمها كل عائلة واماكن عملهم من اجل توزيعهم للسكن بشقق في عدد من الابنية التي تملكها الدولة في انحاء متفرقة من العاصمة .
لقد توافد هؤلاء الفلسطينيين على العراق لاجئين بعد نكبة عام 1948 وحصلوا منذ ذلك الوقت على مساكن أجَّرتها لهم الحكومة العراقية من مواطنين عراقيين بمبالغ شهرية زهيدة وظل حالهم مستقرا في مساكنهم طوال عهود مختلفة منذ العهد الملكي وحتى عهد صدام حسين وحيث ظلت ايجاراتها زهيدة جدا مع تطور الاوضاع الاقتصادية في العراق وغلاء الاسعار بعد الحصار الذي تعرض له طيلة عقد التسعينات . وبعد سقوط النظام السابق الذي كان يوفر حماية لهؤلاء الفلسطينيين ومعظمهم كانوا يعبرون عن تاييدهم له طالب اصحاب المنازل العراقيين من المؤجرين الفلسطينيين رفع قيمة الايجار لانها اجرت منذ وقت طويل وبمبالغ زهيدة تصل إلى دولارين فقط شهريا لم تزد منذ سنين طويلة كما طالب اخرون بها لحاجتهم اليها لتزويج ابن او بنت فيها .
وكانت الحكومات السابقة بنت مجمعا سكنيا يضم عشرات البنايات فيمنطقة البلديات السكنية بجانب الرصافة من بغداد لإيواء آلاف الأسرالفلسطينية التي يعود زمن وجود نحو 97% منها في العراق إلى عام 1948 ومع اتساع حجم تلكالعائلات وزيادة أعداد سكانها اضطرت هذه الحكومات إلى استئجار عشراتالدور في أنحاء متفرقة من البلاد لإيواء الأعداد المتزايدة من الفلسطينيين الذين كانت العاصمة مركز الثقل الأساسي لوجودهم مع انتشارهم في مدن اخرى . وهكذا وجدت مئات العائلات الفلسطينية طريقها نحو الشتاتمن جديد مما اضطر السفارة الفلسطينية في العراق إلى نصب مجموعة من الخيام في ساحاتعامة بالتعاون مع جمعية الهلالالأحمر العراقيةويقول احد ساكني المخيمات عن الظروف الصعبة التييعيشها سكانها إنها تعاني من ندرة المياه الصالحة للشرب والخدمات الأساسيةالأخرى مثل الصرف الصحي والكهرباء وعدم توفّـر الخدمات الطبية الأساسية. ويشير إلىأن معظم هؤلاء اللاجئين من العمال الذين انقطعت مصادر رزقهم بسبب الظروف التي يمربها العراق في هذه المرحلة حيث تضرر القطاع الخاص بشكل كبير فيما ازدادت النفقات المعيشية كثيرا.

مخيم حيفاء للاجئين الفلسطينيين في بغداد
ويؤكد فلسطينيون في بغداد إن حياتهم تحولت الى عذابات يومية اشد الما منذ الأحداث التي شهدتها منطقة بغداد الجديدة في الثاني والعشرين من آيار (مايو) من العام الماضي عندما إنفجرت سيارة مفخخة كان يقودها إنتحاري إستهدف سوقا شعبيا في المنطقة وراح ضحيتها العشرات من سكان المنطقة وأُتهم الفلسطينيون بالوقوف وراء الحادث ووصف بعضهم ذلك اليوم بأنه quot;عام النكبة الثاني لفلسطيني العراق.quot; وبعد يومين من الحادث عرضت قناة العراقية الرسمية إعترافات لأربعة أشخاص قال مذيعها ان قوات الأمن العراقية القت القبض عليهم.. وأنهم مسؤولون عن حادثة التفجير وأن الأربعة فلسطينيون وإعترفوا بمسؤوليتهم عن التفجير وكانت تبدو على وجوه بعضهم آثار ضرب.
وقد ازدادت حالة الفلسطنيين سوءا بعد تفجير الضريح في سامراء في الثاني والعشرين من الشهر الماضي حيث بلغ عدد الذين قتلوا منهم أو وجدوا مقتولين بعد إختطافهم 16 شخصا الامر الذي دفع العديد من العوائل الى هجرة مناطق سكناها فيما حاولت 50 عائلة ،قبل أيام معدودة مغادرة العراق بشكل جماعي إلى الأردن.. لكن السلطات الأردنية رفضت إستقبالهم معتبرة أن مشكلتهم هي مشكلة الفلسطينيين اللاجئين في العراق وأن حلها يجب أن يتم من خلال الهيئات الدولية والسلطات في البلدين حيث مازالت هذه العوائل عالقة الآن في منطقة عازلة على الحدود بين البلدين بإنتظار الحل .

واليوم قالت مصادر في منظمات انسانية ان ثمانية وثمانين فلسطينيا ممن يعيشون في العراق بينهم اثنان وأربعون طفلا يخيمون حاليا في المنطقة المحرمة ما بين حدود الأردن والعراق منذ يوم الأحد الماضي .
واشارت الى ان هؤلاء الفلسطينيين تركوا وراءهم منازلهم وأعمالهم في بغداد ووصلوا إلى الحدود الأردنية العراقية مساء السبت وكان بمرافقتهم ناشطان اثنان من فريق صنع السلام المسيحي في بغداد حيث اشار احد هؤلاء الفلسطينيين الى ان الكثير من أبناء الجالية الفلسطينية يقتلون يوميا وأضاف انه في الأسبوع الماضي جرى اختطاف أحد الرجال عندما خرج ليلا لتصليح مولد كهربائي ولاحقا وجدت جثته في الحي وقد قطع رأسه .

واكدت مصادر رسمية اردنية ان جميع الاشخاص من الفلسطينيين المقيمين في العراق مؤكدين ان نحو مائة شخص غادروا قبل يومين باتجاه الحدود بين العراق والاردن وهم جميعا لا يحملون اي مستمسكات رسمية تشير الى جنسيتهم او وثائق سفر سارية المفعول . وكان الاردن قد منع دخول عدد من العائلات الفلسطينية المقيمة في العراق في عام 2003 ، بعد تحرير العراق ، وبقيت تلك العوائل في مخيمات بين العراق والاردن فيما سمحت الحكومة استثنائيا بدخول بعض العوائل لاسباب انسانية .

وفي اخر تقرير لها امس قالت بعثة الامم المتحدة في العراق انها تتوصل بتقارير مستمرة مثيرة للقلق بشأن أوضاع الأقليات بما في ذلك الفلسطينيين المقيمين في العراق والذين يُعدّون ضحية لانتهاكات حقوق الانسان بسبب علاقتهم المزعومة مع الجماعات المسلحة. ويعاني اللاجئون الفلسطينيون وهم جالية يقدر عددها بحوالي 34 ألف شخص توافدوا إلى العراق على مدار العقود الثلاثة الماضية من نفس التمييز وسوء المعاملة والوصم بصورة ذهنية سلبية كما السكان العرب الاخرين المقيمين في العراق (السوريين والسودانيين وغيرهم). وفي أعقاب تفجير مرقد سامراء اعتدت الميليشيات على أحياء البلديات في بغداد الذي يسكنه فلسطينيون بقذائف الهاون بصورة عشوائية في عدة مناسبات ولقد ساعد تدخل القوات متعددة الجنسيات على وقف هذه الإعتداءات. ومنذ ذلك الحين وقعت اعتداءات أخرى حيث أشارت التقارير الى مقتل عشرة فلسطينيين وتوقيف آخرين بشكل غير قانوني وتعرضهم للتعذيب وما زال بعضهم في عداد المختفين كما اكدت البعثة .
كماأعربت المفوضية العليالشؤون اللاجئين اليوم عن قلقها البالغ إزاء سلامة اللاجئين الفلسطينيين في العراق الذين استهدف بعضهم بطريقة مباشرة وقتلوا أثناء أعمال العنف المتواصلةهناك.

وقال المتحدث باسم المفوضية، رون ردموند quot;خلال الأسبوع الماضي تلقيناتقارير تفيد بمقتل نحو 10 فلسطينيين في بغداد واختطاف آخرينquot;. وأضاف quot;إن مجموعة فلسطينية تعمل في مجال حقوق الإنسان ببغداد أفادتنا أن العديد منالفلسطينيين يودون مغادرة المدينة والتوجه نحو الحدود لطلب اللجوء في مكانآخرquot;.
ويوجد نحو 23.000 لاجئ فلسطيني مسجلين مع المفوضية منذ الغزو الأمريكيعلى العراق عام 2003، كما توجد مجموعة صغيرة غير مسجلة في البصرة والموصل فيما تقدرالمفوضية عدد اللاجئين الفلسطينيين ككل في العراق بنحو 34.000 شخص. وقالتالمفوضية إن العديد من هؤلاء اللاجئين في وضع حرج، حيث تعتبر بعض الأطراف العراقيةالفلسطينيين ومعظمهم من المسلمين السنة أعداء على الرغم من أنهم ليسو طرفا فيالنزاع. واشارت الى ان اللاجئين الفلسطينيين وصلوا إلى العراق في ثلاث دفعات الأولىوالثانية بعد الحرب العربية الإسرائيلية عامي 1948 و1967 والأخيرة عام 1991. ونتيجة لما يحدث الآن في العراق تعرض الفلسطينيون للطرد والتهديد وغادرالعديد من العائلات بغداد إلى غزة وسوريا والأردن.
لكن وزير الداخلية العراقي بيان جبر صولاغ يؤكد انه quot;ليس هناك سوء معاملة للفلسطينيين الذين نقسمهم الى قسمين كما نفعل مع كل العراقيين. أغلبية آمنة عاشوا هنا ويريدون الاستمرار في الحياة في هذا البلد. وأقلية صغيرة تشارك في عمليات ارهابيةquot;. واضاف quot;لدينا في الوزارة قائمة تضم 30 فلسطينيا فقط نراقبهم. وهو عدد صغيرquot;.

تهجير طائفي وهروب نحو المجهول
في اخطر ظاهرة تواجه العلاقات الاجتماعية داخل العراق هو استمرار عمليات تهجير العوائل من مناطق سكناها على الهوية الطائفية حتى بلغ عدد هذه العوائل السنية والشيعية التي تم تهجيرها منذ تفجير الضريح في سامراء اواخر الشهر الماضي حوالي اربعة الاف عائلة باعتراف وزارة الهجرة والمهجرين العراقية امس .
وتجري عمليات التهجير والهروب للعوائل العراقية من مناطق سكناها بشكل متصاعد بدأ يأخذ منحى منظم يصل الى مستوى تطهير طائفي خطير ارغم ايضا المئات من العوائل بالبدء بهجرة هروب الى سوريا والاردن وصل عددها الى حوالي الفي عائلة خلال الاسابيع القليلة الماضية .
وقد اكد افراد عائلات شيعية وسنية داخل العراق اتصلت بها quot;ايلافquot; هاتفيا انها تعيش خوفا ورعبا حقيقيين مصدرهما عمليات التهجير والقتل على الهوية الطائفية وازدياد التفجيرات واتساع عدد المفخخات التي تستهدف المواطنين . واشاروا الى ان مسلحين لاتعرف هوياتهم تقوم بقرع ابواب منازل عائلات سنية في مناطق سيعية ودور عائلات شيعية في منازل سنية وترغمها على ترك منازلها . واضافوا انهم يعودوا يرسلوا اولادهم الى المدارس خشية القتل والاختطاف وبروز ظاهرة قيام معلمين بتوجيه اسئلة الى الطلاب لمعرفة الطائفة التي ينتمون اليها .
واشارت هذه العائلات الى انها كانت تعتقد ان عمليات التهجير التي بدات بعد تفجير الضريح هي رد فعل اني وسرعان ماستتوقف لكنه اكدت ان هذه العمليات بدات تتسع وتاخذ طابع تهجير طائفي منظم موضحة ان هذه العمليات بدات تترافق مع العثور يوميا على عشرات الجثث لاشخاص قتلوا على الهوية الطائفية حيث عثر خلال العشرة ايام الماضية على حوالي 200 جثة في مناطق مجيطة بالعاصمة بغداد وقد اعدمت اما بالشنق او رميا بالرصاص في عمليات قتل وحشية لم يالفها المجتمع العراقي من قبل .
وكنتيجة طبيعية لعمليات التهجير والترويع هذه فقد شهدت المحطات الرئيسة لسفر المواطنين الى خارج البلاد في العاصمة بغداد خلال الايام القليلة الماضية هرب العديد من العائلات العراقية إلى كل من سوريا والاردن خوفا من الاوضاع الامنية المتردية . واكد عدد من مديري شركات النقل الاهلية ومواطنين ازدياد عملية السفر الى دول الجوار وقال مدير احدى شركات النقل انه رصد حوالي الفي عائلة عراقية وقد غادرت إلى كل من سوريا والاردن مؤخرا حاملين معهم امتعتهم وحصصهم التموينية مما يعني أنهم سيمكثون في الدولتين مدة طويلة ولاحظ إن اغلب الذين يهاجرون إلى خارج البلاد هم من المناطق التي توصف بأنها ساخنة في بغداد .
وتقوم وزارة الهجرة والمهجرين العراقية حاليا بتهيئة اماكن لايواء النازحين من المناطق المختلفه الى محافظه بغداد وذلك لغرض البدء بعمليه توزيع المساعدات العاجله على العوائل المهجرة التي تشير احصاءات رسمية الى ان عددها بلغ 3705 عائلة فيما يعتقد ان هناك عوائل اخرى بالمئات لجأت الى اقارب لها في مناطق اخرى ولم يتم تسجيلها بعد . وتؤكد تقارير الحكومة العراقية أن النسبة الأكبر من النازحين قدمت من محيط بغداد خصوصاً أبو غريب والدورة والمحمودية موزعة على الشكل الآتي: 200 عائلة نزحت إلى محافظة السماوة و350 إلى محافظة واسط و19 إلى ميسان و175 إلى الناصرية فيما استقبلت محافظة النجف 1000 عائلة من مناطق كركوك واليوسفية والعامرية والشعب وديالى .. كما نزحت أيضاً 436 عائلة من المناطق الشرقية المحيطة ببغداد مثل بعقوبة والنهروان والطارمية والخالص وخان بني سعد ولا تعرف وجهة نزوح معظمها.

واذا ما اضيف لظاهرة تهجير العوائل هذه عمليات الخطف والاغتيال التي يتعرض لها علماء العراق واكاديميه في مختلف الاختصاصات والذي قتل منهم خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من 200 شخص في عمليات تبدو مبرمجة لافراغ العراق من عقوله الفاعلة يمكن ادراك المآسي التي يتعرض لهل العراقيون والتي دفعت في هذا المجال ايضا بأكثر من الفي شخص من افضل الكفاءات العلمية الى مغادرة البلاد وهناك عدد كبير آخر يفكر في الرحيل ايضا .

وفي اخر تقرير لها امس اشارت بعثة الامم المتحدة في بغداد الى ان قسم حقوق الانسان في البعثة تلقى تقارير مفادها أن عدداً من العائلات السنية والشيعية في الأحياء المختلطة أُجبروا على ترك منازلهم أو غادروها طوعاً بسبب التهديد القائم المتمثل في عنف الميليشيات والمتمردين والجماعات المسلحة المختلفة. وتكررت الهجمات العشوائية بقذائف الهاون التي استهدفت الأحياء المدنية مشكّلة مصدر قلق بالغ على سلامتهم ودفعت بالمقيمين للمغادرة بسرعة إلى مناطق يمكن أن يشكلوا فيها أغلبية. وتهدد مثل هذه الأفعال وما يتبعها من تحركات وتنقلات سكانية بتقسيم وفصل مكونات المجتمع عن بعضها البعض بشكل أكبر وتزيد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها السكان النازحون وتجعل من الصعوبة بمكان توطيد العلاقات بين الطوائف المختلفة.
واكدت البعثة انه من الضروري اعتبار عودة هؤلاء النازحين قسرياً بسبب العنف القائم إلى منازلهم، مسألة ذات أولوية سعياً للحد من التوتر الطائفي مشيرة الى ان دعوة قادة المجتمع والقادة السياسيين للسلم واحترام حقوق الانسان يجب أن ترافقها جهود متكررة لضمان إلتزام أتباعهم بهذه الدعوات وبأن الأولوية الملحة هي إرساء نظام وطني قوي لحماية حقوق الإنسان، يشمل تأسيس مفوضية وطنية مستقلة لحقوق الإنسان وفقاً لما ينص عليه الدستور.