العام الأكثر حركة على مختلف الصعد
السعوديون في 2007 من جراح الأسهم إلى مزايين الإبل وفتاة القطيف

يحي الأمير من الرياض: لم يكن العام 2007 بالنسبة إلى كثير من السعوديين عام البحث عن تحولات بل البحث عن طمأنينة تأتي على خلفية صخب واسع أثارته أحداث العام الماضي، وتراكمات أعوام سابقة. لقد ترك العام 2006 العديد من الملفات والقضايا مفتوحة، وسائغة لأكثر من احتمال، وحمل هذا العام عبر فتراته المتعددة ملفات وقضايا كان القليل منها استحداثا فيما كان أكثرها تداخلا أو تطورا أو حلولا لأمور قائمة، وكانت قضايا التطرف والإصلاح والازدهار الاقتصادي والإداري الأكثر حضورا في سلم الترقب لدى مختلف المراقبين ، وحصد ملف القضاء كثيرا من الاهتمام بعد صدور مشروع الملك عبد الله لتطوير القضاء وبعد الضجة التي أحدثتها قضية فتاة القطيف.

سوق الأسهم ( الشعبية ) في السعودية كان قبلة نظر عامة ، وأنفاس تنتظر أي عودة للمؤشر إلى أي تحرك إيجابي يعيد اللون الأخضر زاهيا كما كان ، في الفترة التي تحول فيها سوق المال من سوق اقتصادية ذات شروط ومعارف اقتصادية إلى سوق شعبية بدت وكأنها تدار بأفكار لا علاقة لها بالبورصة إلا من ناحية تعلم البيع والشراء بطرق حديثة وبذهنية تقليدية للغاية . وهو ما جعل العام 2007 عاما من الانتظار والخوف وتتبع الاكتتابات وتراجع المفردات الاقتصادية في اللغة اليومية للناس.

لكن الحدث الأبرز الذي شغل السعوديين وكثيرين ممن حولهم ذلك الاندلاع الذي شهدته الثقافة القبلية من خلال أكثر مظاهرها صحراوية وابتعادا عن المدينة ، وظهور وتجدد الولاءات القديمة التي يفترض أنها خفتت في عصر الدولة وعصر المؤسسات ، فقد أعادت مزايين الإبل المرتبطة بشكل كلي بالأبعاد القبلية للتنافس والتفاخر وما صحب ذلك من تغطيات إعلامية واسعة ، أعاد إحياء الولاءات القديمة التي يهيمن فيها خطاب الانتماء إلى القبلية بوصفها مرجعا ومعيارا للتفاخر والقوة والأصالة ، وتبع ذلك العديد من الآراء والتحليلات التي شهدت انقساما وكشفت ndash; بحسب مراقبين ndash; حالة الشتات التي يعيشها كثير من المثقفين أمام هذه الظاهرة ، وعدم الصرامة في انتقاد هذه الظاهرة.

وكان الانتقاد الأبرز هو ذلك البيان الذي أخرجه فقيهان سعوديان انتقدا فيها كثيرا من مظاهر وشعائر مزايين الإبل وما تحويه من سلبيات. وكان لبرامج المسابقات الشعرية التي بدأت من أبو ظبي حيث الإمارة التي لا تخشى أي تأثير ثقافي من مثل هذه المسابقات ، وما تبعها من مسابقات ذات تأثير بالغ في إعادة خطاب القبلية كمعيار اجتماعي.
وحظيت الصحافة السعودية بمقالات وآراء دارت في مجملها حول ما تمثله هذه المهرجانات من خطورة إذ إنها تقوم على أساس كونها فعالية قبلية تتنوع بتنوع القبائل ، وتدار بذهنية الفخر التقليدية التي تحول القبلية إلى مبرر للافتخار والتمايز ، وشهدت هذه (الصحوة ) القبلية ازدهار منتديات ومواقع على الانترنت للقبائل ولحفلات المزايين ، وظهرت سيارات في مختلف الشوارع تحمل إشارات فخر ورموز ذات دلالات قبلية. وكان الأمير مشعل بن عبد العزيز والذي رعى كثيرا من هذه الفعاليات وأخرى مماثلة قد أشار في تصريح له حمل طابع التوجيه إلى ضرورة الابتعاد عن العصبيات القبلية كمحرك لمثل هذه المهرجانات.

أحد أبرز القرارات الإدارية التي شهدتها السعودية هو ذلك الذي انتقل فيه الأمير خالد الفيصل من إمارة عسير بعد أن قضى فيها قرابة ثلاثة عقود ليصبح أميرا لمنطقة مكة المكرمة ، ذات الإشكاليات والملفات المعقدة على أكثر من صعيد ، وهي الخطوة التي رأى فيها كثيرون اتساقا مع الخط الإصلاحي والتطويري الذي ينتهجه العاهل السعودي ، ونوعا من التقدير للتجربة الإدارية المتميزة للأمير خالد الفيصل .

وشهد العام 2007 في السعودية كثيرا من الخطوات الإصلاحية التي قادتها الدولة وتنسبها نخب ثقافية وإعلامية إلى التوجه الطموح الذي يقوده العاهل السعودي سعيا لتحديث بلاده ، فقد شهد هذا العام إقرار مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم والذي رصدت له ميزانية تسعة مليارات ريال (2.4 مليار دولار ) والذي ينظر إليه على أنه طوق النجاة الأخير الذي رماه رأس الدولة لإنقاذ وتحديث التعليم في بلاده والذي تعرض لانتقادات واسعة من الداخل والخارج تنادي جميعها بالتطوير والتحديث والخروج من التعليم التقليدي المهيمن على الجو التعليمي في السعودية.

وتتبدى في المشروع ملامح عدة للجدية والإلزام وهو ما فقدته كثير من برامج ومشاريع إصلاحات التعليم إذ جاء المشروع محددا بمحاور معينة ، وطارحا فترة زمنية تقدر بست سنوات للتنفيذ والتقويم . وكانت أبرز تلك التجليات الإصلاحية إقرار نظام هيئة البيعة والذي يعد الخطوة الأبرز لتحويل الحكم في السعودية إلى مؤسسة ، حيث تابع السعوديون اجتماع الأسرة الذي شهده الشهر الأخير من هذا العام والذي انتهى بإعلان نظام الهيئة وتعيين الأمير مشعل بن عبد العزيز رئيسا لها .

أحد أكثر المشروعات تميزا في العام الموشك على الانتهاء كان مشروع الملك عبد الله لتطوير القضاء والذي رصدت له ميزانية 7 مليارات ريال ، ووضع أنظمة لإعادة المهمة الحقيقية لهذا الجهاز وهي العدل ، بعد أن شهدت المحاكم السعودية كثيرا من الأحكام التي تدخل المقام السامي لإسقاطها.

الترقب الأبرز الذي يعيشه الشارع السعودي باستمرار هو الإرهاب ، وذلك منذ الثاني عشر من شباط (فبراير) عام 2003 ، ومع أن العامين الأخيرين لم يشهدا أي عمليات إرهاب نوعية فقد كشفت الداخلية السعودية عن إحباط أكثر من مخطط إرهابي كان آخرها قبل أكثر من شهر من الآن . ومع أن القلق قد تراجع بشكل كبير في الشارع السعودي من وقوع عمليات إرهابية إلا أن كثيرا من المفكرين وأصحاب الرأي وعلى امتداد العام شهدت كتاباتهم حضورا للمخاوف من عودة تلك الجماعات لترميم صفوفها نظرا لأن كثيرا من العروق الفكرية لا زالت تنبض في رقبة الإرهاب المذبوحة أكثر من مرة.

شهد العام 2007 حضورا إعلاميا واسعا لملف وقضايا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي تعيش ما يشبه صراعا مع الإعلام وكتاب الرأي في مختلف الصحف السعودية ، نتيجة التعليقات والتغطيات التي كثيرا ما أوقعت الهيئة في حرج بالغ بسبب مواقف وأخطاء عديدة أدت في بعض الأحيان إلى وفاة أكثر من شخص تحت أيدي الهيئة ( مع اختلاف ما يتوصل إليه التحقيق ) والتي من أبرزها قضية الرويلي في تبوك ، والتي أسدل الستار عليها بعد أن برأتهم المحكمة ، وقضية الحريصي في الرياض الذي أثبت تقرير للطب الشرعي أنه تعرض لضرب أدى إلى وفاته ، وقد دعم تلك التهمة إعلاميا بيانات متضاربة صدرت من عدة جهات بقصد الإيضاح حول ما حدث . تلك الحوادث وغيرها جعلت من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إحدى أبرز القضايا حضورا في المشهد الإعلامي السعودي في العام 2007.

أحداث أخرى جديدة أثارت جدلا في القطاعات الخدمية في السعودية كان من أبرزها الارتفاع الذي شهدته أسعار كثير من السلع الغذائية ، وظاهرة تفشي نفوق الإبل في مناطق جنوب منطقة الرياض ، واختتم العام بالحدث الأبرز وهو ظهور فيروس إنفلونزا الطيور عالي الضراوة في مناطق جنوب الرياض ، وتوالي حالات الإعدام للكثير من الطيور والدواجن في عدة مزارع.

لم يشهد الوسط الإعلامي كثيرا من القضايا أو التحولات ، إلا في الربع الأخير من هذا العام حيث تعرضت صحيفة الحياة السعودية المهاجرة (ذات النسخة المحلية الحديثة) إلى حجب استمر لمدة خمسة أيام أثار كثيرا من الردود حول مستقبل الحريات الإعلامية والصحافية في السعودية والتي شهدت انفراجا متأرجحا في هامش حريتها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ازداد مع ظهور الهجمات الإرهابية في السعودية. وكانت التنبؤات التي دارت حول مسبب قد تركز كثير منها حول مقال للكاتب عبد العزيز السويد انتقد فيها أداء الوزارات المسؤولة عن ارتفاع الأسعار وغيرها من أوجه التقصير في جوانب خدمية عدة.

وكانت القضية الأبرز حضورا في المشهد السعودي هي ما بات يعرف بقضية ( فتاة القطيف ) والتي حصدت اهتماما محليا وعالميا واسعا بعد أن تعرضت للخطف والاغتصاب ، ودار الجدل حول الحكم الذي صدر بحق الفتاة مع أنها مجني عليها والذي تم تغليظه بعد أن تقدم محامي الفتاة باستئناف ، وهو ما أثار حفيظة مراقبين ومتابعين ومؤسسات في الداخل والخارج ، وفي اجتماع أنابوليس الذي عقد لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية كان للأمير سعود الفيصل موقف انتقد فيه الحكم وأشار إلى أهمية إعادة النظر وهو ما اعتبرته بعض الشخصيات الفقهية تدخلا في شؤون القضاء وحملت مواقع الانترنت ذات الخطاب التقليدي هجوما على تصريح الأمير.

ولم يهدأ الضجيج والجدل حول القضية والتي لمع خلالها اسم الحقوقي والمحامي عبد الرحمن اللحم والذي عرف بتصديه للقضايا ذات الأبعاد الحقوقية الواضحة والذي حظيت مواقفه ومرافعاته بتأييد داخلي وخارجي واسع ، وتعرض لمحاولة سحب رخصته وإحالته على التحقيق بسبب ما اعتبرته وزارة العدل تشهيرا. وقبل عبد الأضحى بيوم واحد تدخل العاهل السعودي ليوقف ذلك الجدل بعد أن أسقط الحكم ، وانطلاقا من موقعه السيادي القيادي الذي يتيح له التدخل في مثل هذه المواقف وغيرها ، وكان الحدث الأبرز في نهاية العام في السعودية هو العفو الذي أصدره العاهل السعودي ليوقف بذلك الجدل الذي أثارته القضية الأبرز في السعودية ليكن أحد أبرز القرارات التي ختم بها العام.

كانت الميزانية الضخمة التي امتلأ بها الجيب السعودي العام أبرز عناوين الأيام الأخيرة في 2007 ، وهي التي أثارت الترقب حول زيادة الرواتب والتي كانت لدى كثيرين قاب قوسين أو أدنى من الإعلان عنها ، إلا أنه وبعد انتهاء عدة مناسبات كانت تصلح لمثل هذه المفاجآت يبدو أن العام سيطوي آخر صفحاته دون زيادة.