في الوقت الذي تحتفل به النساء بيومهن العالمي
الفلسطينيات .. صور معاناة بعيدة عن الطقوس!
نجلاء عبد ربه من غزة: quot; إنه يوم عزيز على قلوب النساء والرجال في كل مكان quot; . بهذه العبارة أرادت الأمم المتحدة أن تعلن عن يوم المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من آذار من كل عام. بيد أنه في فلسطين، لـquot; يوم المرأةquot; طعم آخر، فالمرأة هناك يصعب عليها أن تتذكر هذا اليوم، هي في الأصل قد تكون نسيت يوم زواجها، وهو اليوم الخاص بها. فحياتها ليست طبيعية كنساء العالم.. يومها يترجم لحظات الألم القاسية التي تعيشها، هي إما فقدت إبناً أو زوجاً أو أباً، فهي لا زالت تعاني حتى اللحظة من انتزاع حقها في الحياة الكريمة.. كافحت حتى في أحلامها وطموحاتها لتحقيق ولبناء أجيال فلسطين المتعاقبة.. أجيال الماضي والحاضر والمستقبل.
هن لسن بحاجة في فلسطين إلى تحضير كلمات إنشائية للتعبير عما يتمنينه في هذا اليوم، لأنهن ببساطة، يصنعن من صبرهن كفاحهن، خطة عمل لتسيرعليها جميع الشعوب المقهورة وليس فقط نساء فلسطين. في شارع السوق المزدحم بكل ما يحفل به من بسطات ودكاكين وحاويات وعربات للحيوانات، كانت الحاجة أم فؤاد تجلس في زاوية من زوايا السوق الشعبي، تبيع بعضاً من ربطات الجرجير والبصل والبقدونس، كانت قد زرعتها في فناء بيتها. تخرج الحاجة مع إشراقة فجر كل يوم على مدينة غزة لنفس الزاوية، تفرش بساطاً صغيراً، وتفرد بضاعتها، وتنتظر مشتريها.
quot;لم أعلم أن هذا اليوم هو يومناquot; هكذا تقول العجوز أم فؤاد لـ quot; إيلاف quot; . وتضيف quot;مَن مِن الجمعيات الكثر في غزة ساعدني على تربية أطفالي، بعد وفاة زوجي قبل تسعة أعوام، الآن تذكروا أن للمرأة يوم يجب أن تُكرم فيه..!؟quot; هكذا تساءلت أم فؤاد. تلك المرأة بوجهها المجعد وبشرتها السمراء، لم يعد أمامها سوى أن تزرع بعضاً من الخضروات لتستطيع العيش وأولادها، فهي كما تقول quot;لا نملك سوا بيتاً من غرفتين وساحة أمامه لا تتجاوز 100 متر مربعاً، أزرعها وآتي كل صباح لأبيع ما زرعتهquot;.
حالة أم فؤاد يمكن أن تصبح نعيماً بالمقارنة مع quot;مهاquot; في الثلاثينات من عمرها، وتسكن في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة. فمها أرملة قتل زوجها منذ ثلاثة أعوام برصاص القوات الإسرائيلية، تاركاً سبعة أولاد ومنزلاً يصعب العيش فيه. ورغم تصنعها لإبتسامة خلال الحديث مع quot; إيلافquot;، إلا أن مها لم تستطع أن تحجب هذا الحزن العميق والخوف من المستقبل الذي يسكن أحداقها. وكأن عيون هذه المرأة تحكي معاناة ندرت في التاريخ المعاصر. هي معاناة لا يدركها إلا من عاش لحظاتها.
وتبدأ مها فصول حياتها بعد مقتل زوجها، من مساعدات بعض الجمعيات، وخاصة جمعية الفلاح الخيرية التي تعطيها شهرياً 400 شيكل، ما يعادل 100 دولار، تكفيها، حسب ما تقول، لسد رمق أطفالها وكسوتهم. وعند سؤالنا لمها عن أمنيتها في يوم المرأة، شرد ذهنها قليلاً، وإختلط لون عيناها السوداويتين بماء الدمع، وقالت بصوت يكاد يجهش بكاءً quot;بتمنى ما حدا يموت من ولادي برصاص إسرائيل، يكفي زوجي قتل منهم، وقتلوا حياتي معه، ولا أريد أن أُقتل مرتينquot;.
والدة الشاب عارف حرز الله، الذي قُتل برصاص الإسرائيليين في العام الثالث من انتفاضة الأقصى، تقول quot; كل المناسبات أصبحت لديّ بلا معنى أو أهمية، بسبب فقداني فلذة كبدي عارفquot;. فإبنها عارف كما تقول والدته، كان على مدار الساعة يمرح ويضحك مع أصحابه وجيرانه، quot;الكل كان يحبه، فهو إنسان طيب القلب، ولم يتخاصم مع احدٍ في حياته، بل كان يوفق بين الشبابquot;، مضيفة quot;غيّبته رصاصات الحقد، وأكاد أنا أغيب حسرة وحزناquot;. وظهرت فكرة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة مع بداية القرن الماضي متزامنا بالثورة الصناعية في أوروبا وتزايد السكان وتنامي الأفكار الثورية وبروز تجمعات ضد الاستغلال والاستبداد واضطهاد النساء.
وفي عام 1917 بينت سجلات ضحايا الحرب العالمية الأولى بعد انتهائها، مقتل مليوني امرأة روسية، مما حدا بنساء روسيا إلى التظاهر تحت شعار (من أجل الخبز والسلام) وبالرغم من محاولات النظام القيصري آنذاك لقمع المسيرات وإيقافها إلا أنه فشل أمام التضامن الكبير لنساء روسيا وكذلك تضامن نساء أوروبا معهن في مسيرات مماثلة مما أجبر القيصر على الموافقة على إعطاء المرأة حقوقها الانتخابية وفسح المجال أمامها لتكون عنصراً فعالاً في المجتمع إلى جانب الرجل. وكان ذلك في 23 من فبراير والذي استبدل وثبت في التقويم الحديث إلى الثامن من مارس.
ووفقاً لتقرير إحصائي شامل لوزارة شؤون الأسرى والمحررين، فأن أكثر من 700 امرأة اعتقلهن الجيش الإسرائيلي خلال انتفاضة الأقصى، موضحاً أنه لا زالت 98 منهن رهن الاعتقال، ويشكلن أقل من 1% من إجمالي عدد الأسرى الذين تجاوز عددهم 11,000 معتقل مع نهاية عام 2007 منهن 4 أسيرات لم تتجاوز أعمارهن الـ 18 عاماً، ومن بين الأسيرات 94 معتقلة من المحافظات الشمالية في الضفة الغربية والقدس، و4 أسيرات من المحافظات الجنوبية quot;قطاع غزةquot;.
وعلى الرغم من أن السيدة أم وجيه لم تفقد أحداً من أبناءها، إلا أنها لم تتقبل فكرة أن تحتفي بهذا اليوم، خاصة وان جيرانها أصابهم عزاء أحد أبناءهم قُتل في المجزرة الإسرائيلية الأخيرة على غزة. تقول أم وجيه quot;كيف لنا أن نفرح والحزن يملئ العديد من البيوت الفلسطينية فكل بيت يوجد فيه الشهيد أو الأسير أو المصاب فمصيبتنا كبيرة ولا تقاس بمقياس، وعذاباتنا أكبر فأي عيد تتحدثوا عنه..!؟quot;.
وتقول جارتها أم عبيد التي فقدت إبنها قبل أسبوعٍ quot;من سيهنئني بهذا العيد، فلقد ذهب من كان دائما بجانبي ويعيش معي كل اللحظات، قتلوا الإسرائيليين ولدي وفلذة كبدي وأول فرحتيquot;.
وتتساءل أم عبيد وقد بكت حرقة على رحيل إبنها البكر عبد الرحمن، لما كُل نساء العالم تحتفل في هذا اليوم ببهجة وسعادة، بينما نحن الفلسطينيات، لا يملكنا سوا الحزن والأسى والمرارة على ما أصابنا من نكبات متلاحقة...!؟ إنه الإحتلال الإسرائيلي يا أم عبيد، فأنتن تقاومن أشرس وأفظع إحتلال في العصر الحديث، وأكثرهم وحشية ورجعية.. حتى وإن لم يسجل لكن التاريخ، فأنتن نبض الحياة.
