تنشر "ايلاف" فصلين من رواية "العطيلي"& للكاتب اللبناني نبيل أبو حمد، التي تصدر قريبا عن دار "الساقي" لندن/بيروت.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& &&&&&الاستجداء
كان صوت عجلات "الرولمان" فوق بلاط الرصيف يتردد في مدى الشارع أشبه بجلبة آلية عسكرية.
لقد تكوّم فوق الصندوق الخشبي ذي العجلات الاربع كجبل صغير من المطاط، أو كتمثال هلامي للإله بوذا.
أما هي، فكانت تدفع من الخلف بالصندوق -العربة، بواسطة عارضة خشبية أفقية تلتقي من طرفيها بقطعتين خشبيتين تنحدران لتصلا الصندوق، مما تؤلف ما يسمى المقود.
منذ تسعة عشر عاما بُترت ساقاه، فجلس على هذا الصندوق كمن يجلس على قدَرَه، فاصبح
الصندوق كل عالمه، يأكل فوقه، يعمل فوقه، يسهو فوقه، ولا يرفع عنه الا في حالتين؛ حين يريد أن ينام أو يقضي حاجته الطبيعية.
هي ابنته، ابنة السابع والثلاثين عاما. وهي منذ تسعة عشر عاما،، أي منذ كانت في الثامنة عشرة، تدفع بالصندوق وبه لأنها أيقنت ان كل حياتها ستكون مكرسة لهذا العمل.
يكلمها بصوته الأجش المليء بغبار العمر وهي تدفع بسرعة فائقة:
لقد تأخرنا. كالعادة. لابد من انهم احتلوا الناصية قبلنا. دائما نصل متأخرين.
ثم يلومها:
يا ابنتي لا تستيقظين باكرا، تحبين النوم. تريدين أن تبقي نائمة للظهر. لنقر بأنك تحبين نومة الصباح الهانئة. ولكن.
يتابع شارحا:
حياتنا. عملنا، رزقنا أكل العيش. ماذا نفعل بكل هذه المتطلبات؟ نهملها؟
هل نهمل باب رزقنا؟ مهنة القرف هذه؟
ترد عليه بعصبية:
تظل في عجلة من أمرك في سباق مستمر مع الحياة. لماذا تريد ابتلاع العالم بسرعة؟ ألم تدرك بعد هذا العمر، أن آخرتنا مجرد حفرة نُرمى فيها؟
يضحك هازئا ويقول:
يا ابنتي، ليست آخرتنا الحفرة. اننا نعيش فيها الآن. انها حياتنا الحالية، ألا تدركين اننا حاليا نتسابق مع الناس ومع الايام داخل هذه الحفرة؟
ثم يتابع كأنه ملك الحقيقة:
يا ابنتي. لا تدركين حتى الآن قيمة "المصاري"!!
لكنها ترد بعصبية:
لقد رأينا ما الذي حصل للمصاري.
ثم تتأوه بحرقة:
دعنا الآن من فتح سيرة المصاري. أرجوك.
تكرج بالعربة بدواليبها المعدنية لتلتهم مع قدميها بلاط الرصيف حتى يصلا أعلى ساحة البرج.
ساحة البرج المعروفة في وسط بيروت.
يلهف كالطفل برغم جسمه الكبير المتهدل:
آه. عظيم. ما زالت زاويتي شاغرة، الناصية فارغة. اليها يا ابنتي. اليها. تدفع به ابنته عدة أمتار أخرىـ وتضعه على الزاوية المقابلة لسينما أمبير، قبالة بائع الساندويتشات وملاصقا لرصيف مقهى "اللاروندا". بائع العصير كان قد فتح مبكرا، والجلبة والضجيج قد أخذا مجاليهما هذا الصباح، ما عدا رواد المقهى فهم مشغولون بمطالعة صحفهم وارتشاف قهوتهم. يطلب من ابنته ان تعطيه صحن الألمنيوم ليضعه أمامه ليبدأ نهار عمله؛ نهار تسوله.
تهرع اليه فور وصوله متسولة صغيرة لاهجة:
عم رضوان، عم رضوان، صباح الخير. كيفك هذا النهار؟
أهلا بـ"البزاقة" أهلا. كيفك يا "بزاقة"؟
ثم يحتضنها ويقبلها على خدها، كان يسمهيا البزاقة لأنها ترشق بعضا من لعابها حين تتكلم.
تتابع كلامها:
لقد تأخرت يا عم رضوان، بدونك في هذا الرصيف أحس باليتم.
لا عليك يا ابنتي سأظل شيخ هذا الرصيف وأباه.وأنتم كأولادي، فلا تشعري بأي يتم. لكن قولي لي "أين بقية العصابة"؟ اين بائع العلكة "السعدان"؟ وبائع "اللوكي" و"الفري"؟ لقد اشتقت لـ"الفري".
البزاقة: لقد ذهب ليتسول كعكة الكنافة بجبن من عند "العريسي" فهو يعتبرها حقه الصباحي، الذي يقتطعه كل يوم من حلويات العريسي.
ولكن أين "السعدان" أيضا؟
تراه يعلك قصصه التافهة مع حلاق سينما الروكسي.
بدون "السعدان" و"الفري" لا تكتمل "العصابة".
لقد اطلق العم رضوان اسم "العصابة" على مجموعة المتسولين الذين يلجأون لبيع الحاجات الصغيرة، مثل علب الكبريت والعلكة، تغطية لتسولهم. فـ"السعدان" هو بائع العلكة الذي يقلب جسده رأساً على عقب ويسير على يديه واضعا علبةالعلكة على قدميه ليشحذ من خلال حركته البهلوانية. أما "الفري" فهو أول من يفر عن أعين الشرطة خاصة اذا صرخ واحد من افراد "العصابة" بكلمة "غيّمت" وهو اصطلاح اتفقوا عليه كلما بادرت دورية الشرطة لالتقاطهم وايداعهم المخفر، فكان "الفري" لعلم الجميع أمام أعينهم واذ به يتوارى بسرعة البرق ولا يعود يظهر.
ثم هناك "الممسوح" ولقد نسي العم رضوان ذكره اليوم، فهو رجل متوسط العمر في صراع مستمر مع العم رضوان لاحتلال زاوية الناصية، فهي المركر الأهم كموقع للتسول، فـ"الممسوح" يدعي ان هذه الزاوية بالاساس هي له وموقعه الاساسي قبل وصول العم رضوان الى بيروت والتمركز في ساحة البرج للاستجداء.
اما لماذا اسمه "الممسوح" فلأن نصف وجه قد تشوه ربما لاندلاق زيت ساخن على سحنته منذ صغره فمُسحت علائمه اليمنى، وبالكاد يبرز منها ثقب تطل منه عين تبرق من فترة لاخرى كأنها عين القنفذ.
انتبه "العطيلي" وهو الاسم الذي يطلق على العم رضوان، وارتضاه لنفسه كوسيلاستجداء لاستدرار العطف من المارة، انتبه الى ركون ابنته خالدة المستغرقة بفوضى الناس، فقطع عليها شرودها:
خالدة، يا خالدة، أما زلتِ تغطين في نومة الصباح؟ لا تنسي يا ابنتي ما اتفقنا عليه، فالوقت لم يعد باكرا.
تتأفف خالدة وهي تطرد النعاس عن اجفانها لتقف متذكرة ما هي بصدده وما اتفقا عليه، ثم تهم لتغادر حين يعود العم رضوان مكررا اسئلته التقليدية:
هل أحضرتِ دفتر الاعاشة معكِ؟ ثم ماذا عن كيس الخيش لوضع الاغراض داخله؟
فتقاطعه خالدة:
نعم. نعم.أعرفها أسئلتك الشهرية، كل شهر تردد الكلام نفسه حين اريد الذهاب لاستلام الاعاشة.
لا تؤاخذينني يا ابنتي. لكن.
ثم يؤشر لها بيده ان تقترب منه، ليهمس في اذنها: لا أريد ان أذكّرك مرة ثانية، بأن تبيعي حليب البودرة والمارجرين وعلب السردين والطحين. كما تعلمين هنا في لبنان لا يعجنون في بيوتهم بل يشترون خبزهم من الفران وليس مثلنا نحن الفلسطينيين، لكن احتفظي بالسكر للشاي والعدس للمجدرة.
خالدة: ياه.أعرف. أعرف كل هذه التعليمات، كل شهر تعيد كرازتك لها.
عم رضوان: انتبهي لنفسك يا ابنتي.أولاد الحرام كثر، وأخاف عليك كثيرا، ليس لي سواك في هذه الدنيا.
تنظر خالدة بحزن عميق الى وجه والدها، ثم تشيح بحزن أكبر منه، لتغادر في الزحام كمن يريد التخلص من نفسه.
"ساعدوا العطيلي"!!
أعلن العم رضوان بدء العمل.
لكن "البزاقة" انسلّت من بين الناس لتركن جنبه مقرفصة وهي تحمل صحن الألمنيوم خاصتها، وبدأت توسوس في أذنه دسها الودود:
أتعرف يا عم رضوان؟ بالأمس بعدما غادرت أنت وأبنتك استغابك "الممسوح" وقال.
ثم قاطعت نفسها متوسلة.
أرجوك لا تخبره وإلا.
العم رضوان: لا تخافي يا ابنتي، عمك رضوان مطمورة اسراره.
فتابعت: قال عنك الممسوح، ما معناه انكم انتم الفلسطينيين أتيتم الى لبنان لتخربوه مثلما خربتم بلدكم.
يقاطعها بغضب: اللعين.
ثم تتابع البزاقة بنعومة خبيثة: لقد أخذتم أشغال اللبنانيين حتى ان الشحاذة سبقتموهم على الأبواب اليها.
غضب العم رضوان واحمر وجهه قائلاً:
هذا اللعين، لا يتقي الله. لا بد من أن نفسيته مشوهة مثل وجهه.
ثم يتابع:
ليسامحني الله على هذه الاساءة، حين يأتي سأسمعه كلمتين تهزان بدنه ليعرف حجمه الحقيقي.
ثم يقاطع نفسه حين يرى أحدهم يضع بعض الفكة في صحنه:
ليعوضك الله. "ساعدوا العطيلي".
لكن "البزاقة" تبادر قبل أن يتابع:
ارجو ألا تقل له شيئا، وإلا فسيؤذيني لانه سيعلم اني قد نقلت لك كلامه.
عم رضوان: لا تخافي، لن أدعه يعرف من أوصل الكلام اليّ سأكلمه بالعموميات كما انه لا يجرؤ على ان يمسك بأي أذى.
ثم يتأوه متابعا:
أتعرفين؟ اني أمقت هذا الرجل، لأنه لا يحب أحدا، وأغلب الظن انه لا يحب نفسه.
"البزاقة": أتعرف؟ من تكالبه على الدنيا، يبقى هنا ليتسول حتى ما بعد منتصف الليل، لظنه ان التسول في آخر الليل يجزي أكثر.
ثم تتابع: لا بد ممن انه يتعامل مع عاطلات الليل اللواتي يعملن في علب ساحة البرج أو...
ثم تستدرك، فيتابع العم رضوان: أو مومسات قفا البرج.
"البزاقة": تماما.
"ساعدوا العطيلي"، يصرخ العم رضوان من قلبه، ثم يتابع باثاً في أذن "البزاقة":
لماذا لا نطرده من هنا أنا وأنت و"العصابة" أيضا؟
البزاقة متهكمة: لماذا لا أضع له قشرة موز على الأرض ملاصقة للجانب الذي لا يرى منه ليتزحلق ويقع.
فيضحك الاثنان مقهقهين. لكن العم رضوان يراجع نفسه مستغفرا الله: ليسامحنا الله يا ابنتي، على هذه الاساءة، وأغلب الظن ان ذنبنا كبير حين تدنو الآخرة لكوننا نتعرض لعاهات الناس. كما يا ابنتي لا تنسي اني انا من اصحاب العاهات، وما ذنب اصحاب العاهات اذا الظروف ابتلتهم بما لا يحملون مسؤولية عنه؟ فتحاول البزاقة ان تخفف من غلطتها: لكنك يا عم رضوان ذو قلب كبير وتحب الناس برغم الظروف القاسية التي اصابتك.
جازاكِ الله خيرا يا ابنتي وجعل قلبك مملوءا بالحب والعاطفة، وخلّصك من هذه الظروف الصعبة التي تعيشين ونعيش فيها.
ثم يتابع: لكني سأسمع "الممسوح" كلمتين، ليس لانه أساء اليّ، أو اساء الى شعبي، ولكن ليخفف حقده، ويتقي الله، لعل السلام يملأ قلبه.
ثم يربت على كتف "البزاقة" بنعومة ويطلب منها ان تحضر له بعضا من الماء من مقهى "اللاروندا" ليشرب، فقد جف ريقه لحرارة الطقس،& تنسلّ البزاقة من قربه ملبية وهي تردد:
تكرم عينك يا عم رضوان، سأحضر لك أحلى كأس ماء يشتهيها قلبك.
وتغيب في زحام المقهى بينما جوقة الرصيف ترفع عقيرتها ليصرخ كل على بضاعته:
من مال يا فاعلي الخير.
"لوكي" "لوكي" جرب حظك، تربح "لوكي".
"هبت" جريدة "هبت" نتائج السبق.
حلّي ضرسك يا ولد، حلّي ضرسك بالعلكة.
في حين تحضر "البزاقة" الماء للعم رضوان فيساهم في جوقة التسول:
"حنّوا على العطيلي"
"ساعدوا العطيلي.من مال الله يا ناس".
وتأخذ أصوات الفكة تطرق الصحون فيتصاعد معها الدعاء مصحوبا بصرخات الباعة وضجيج ساحة البرج وزعيق السيارات تحت شمس المتوسط الحارة ليستحيل نهار ساحة البرج الى ضجيج وزعيق وتضارب أجساد مع لهاث وعرق.
مرّ النهار بغليانه، ومر كثير من الفكات وقطع النقد الى جيوب "العصابة" وصحونها، لكن "الممسوح" لم يظهر ولم يكن له أثر، حتى ان خالدة عادت تحمل بعضا من الاكياس القليلة الباقية من الاعاشة، وركنت قرب والدها متهالكة، لكن "الممسوح" لم يطلّ؟ فاستغرب الجميع الامر، وبدأ القلق يساورهم، حتى ان العم رضوان الذي ثارت حفيظته عليه في الصباح ساوره القلق وأحس بشيء من الحنين له، حتى أطل عدنان اللقيس بائع صحف المساء ليخبرهم بأن "الممسوح" طُعن بمدية بعد منتصف ليل أمس مرتين، قبل أن ينقل في حالة الخطرالى مستشفى "الكرنتينا".
صُعق الجميع وفغروا أفواههم استهجانا وخوفا، حتى ان "العطيلي" غمر وجهه بين كفيه وأجهش في بكاء مرير كأنه يستعيذ من الشيطان ويستغفر الله على مشاعر الكره التي كان يكنها له، لا سيما انه سمع "السعدان" يتبجح بقوله:
من يدخل "الكرنتينا" لا يخرج منها حياً. فهي كالمسلخ، الداخل اليها مفقود، والخارج مولود.
فرجاه "العطيلي" ان يكف عن كلام الشؤم هذا ويدعو له بالرحمة والنجاة. فيما تساند "الفري" و"البزاقة" ببعضهما كأنهما يخشيان السقوط لهول ما سمعا، فحشرجت "البزاقة" بصوت يغص قائلة:
في الغد سأذهب اليه وأرجو ان يأتي أحدكم معي. فلربما يحتاج الى& من يقف بجانبه وينبه لضرورة معالجته بدون اهمال. فوافق الجميع، لا سيما انهم لا يعرفون أهلا لـ"الممسوح" فهم بمثابة أهله ورفاقه.
استحلفهم "العطيلي" من خلال تهدجه ان يبلغوه سلامه وتمنياته له بالشفاء، وأن يسألوا ان كان هناك نجال في ان يقوم بزيارة له مستقبلا وهو على عربته. فيما خالدة كانت في وضع مأساوي كبير كأن ما مر معها خلال النهار من معاناة لم يكن ينقصه الا خبر بهذا الأسى ليزيد من محنة هذه الايام وهذا الدهر القاسي.
&&&&&&&&&&&&&&&&&& أبو آرتين
&
كان جارنا الأرمني طريف المعشر، يدخن التتن التركي برغم كونه أرمنيا. ومما يزيد في طرافته وقربه للنفس لكنته الأرمنية التي تجعل المذكر مؤنثا والمؤنث مذكرا حين يتكلم العربية.
بعد أن جلس بقرب خالدة، ابتدأ الحديث بما معناه:
بابا رضوان، كيف الشحاذة؟ تمام؟
ومن دون أن يأبه أرد عليه تابع:
الأرمن بابا كثير منهم اضطروا الى الشحاذة. لكن بعد فترة أحسوا بأن عليهم أن يعملوا. الأرمن اذا أردت الحقيقة يحبون العمل. لكن ليس كل العرب يحبون العمل. كثير من العرب مثل الاتراك يحبون أن يعملوا أفندية، كي لا أقول لك التنبلة، أي أكل ومرعى وقلة صنعة.
ثم استغرق أبو آرتين في ضحكة طويلة تخللتها سعلة التتن العتيق مما دفعني الى أن أشاركه في الضحك.
لكن أبو آرتين استدرك الأمر ليقول:
لكن أنت بابا رضوان معذور. لا يمكنك العمل حتى ولو أحببت هذا.
ثم ضحك مرة اخرى ليقول:
يعني عامل تركي بالاكراه.
ضحكت مع أبي آرتين مرة أخرى، وأردت ان أبتدئ الحكي لكنه سبقني كعادته مفضلا الاستمرار في الكلام:
بابا رضوان، لازم ترجع لبلدك، والا فستصبح مثل الأرمن سنة بعد سنة. والعمر يمضي والوطن يظل بعيدا.ولكني حين تساءلت عن السبب من أبي آرتين أجاب: بابا رضوان، أرمينيا لم تعد مثل قبل، قسم كبير أخذته تركيا وقسمآخر اخذه الروس، صار بلشفيك، والعيشة هناك ليست مريحة. ومثلما قلت لك سابقا الأرمن تعوّدوا العيش هنا وهناك، أي بقوا في الاماكن التي ارتزقوا فيها، والمثل يقول: ألزق مكان ما ترزق.
ثم استدرك أبو آرتين ليتابع: كثيرون رجعوا، لكنهم لم يسروا في العيش هناك.
وتابع ابو ارتين والضحكة كالعادة ملازمة له: ألا تعرف النكتة التي حصلت مع بعض الأرمن الذين رجعوا الى يرفان؟
رددنا أنا وخالدة ونحن نشاركه الضحك. لا.ألا أخبرنا اياها؟ فتهالك أبوآرتين مع سعلته وهو يضحك راويا: مجموعة من الأرمن أحبوا أن يرجعوا الى يرفان فقالوا لأقاربهم حين نصل الى يرفان ونكتشف اننا قادرون على العيش ومسرورون، أي نستطيع أن نقف على أرجلنا، سنرسل لكم صورة لنا ونحن وقوفا، لكن ان وجدنا ان الأمور صعبة والحياة تعسة ولا مجال للعمل، فسنرسل لكم الصورة ونحن قعودا. ثم ذهبوا الى يرفان. بعد سنة وصلت رسالة من هؤلاء الذين رجعوا وداخلها صورة لهم: احزر بابا رضوان كيف كان وضعهم في الصورة؟
العم رضوان وخالدة: أكيد كانوا قعودا.
أبو آرتين يلوي برأسه ويضحك ساعلاً:
كانوا منبطحين أرضا بابا، منبطحين أرضا. فغرقنا مع ضحكته المديدة، لكني سألته:
لكن يا أبا آرتين، لماذا تدخن الدخان التركي ما دمت أرمنياً؟
أبو آرتين: اسمع بابا رضوان أتعرف ما هي المسألة الشرقية؟
العم رضوان: ما هي؟
أبو آرتين: المسألة الشرقية، هي ناس تريد أن تعيش مع بعضها مهما كانت جنسيتها ودينها، وناس لا تريد أن تعيش مع بعضها لاختلاف جنسياتها وأديانها.وأنا أحب أن أعيش مع كل الناس مهما كانت جنسيتهم.
العم رضوان: سلمت كلماتك، يا أبا آرتين، لقد سررت بمبادئك ونفسيتك المنفتحة على الاخرين، لكن قل لي يا أبا آرتين، لا أخفيك اننا نريد العودة الى حيفا، الى بلدنا، ونريدك أن تساعدنا؟
ينفث أبوآرتين من سيجارته ويستغرق مفكراً، ثم ينظر الى العم رضوان وخالدة سائلاً:
هل أنتما جادان، أم هي مزحة هذا المساء؟
ثم ينظر الى ساقي العم رضوان المبتورتين.
العم رضوان مصراً: نعم الأمر جدّي. وجدى جدا، أنا وخالدة وساقاي المبتورتان نريد العودة الى بلدنا.
يستغرق أبو آرتين أكثر& ثم يهز رأسه قائلاً:
كل شيء ممكن. لكن بابا رضوان كل شيء يحتاج الى فلوس.
العم رضوان: نحن مستعدان.
أبو آرتين: اذا، الآن ممكن أن أحكي.
ثم يتابع: اسمع بابا رضوان، أنا كالعادة أتقاضى مئة ليرة لبنانية عن كل انسان أهربه الى اسرائيل، وان أحببت الى فلسطين، لكن بما انكما جاران لي في برج البراجنة وشحاذان، ثم يضحك: سآخذ منكما أنتما الاثنين مئة ليرة فقط. لكن...
ثم تابع كأنه يشترط: ومئتي ليرة اضافية لاعطائها لرجلين يتعاطيان التهريب. سيذهبان معي بعد غد الى اسرائيل.
العم رضوان، وما لنا بهما؟ هل هما سيتوليان تهريبنا أم أنت؟
أبو آرتين: لا بابا، لا، هما سيتوليان حملك في البرية لريثما تعبر الحدود، وبعدها ستركبان أنت وخالدة معي في الكميون حين أقابلكما في قرية البياضية داخل اسرائيل.
العم رضوان: لقد فهمت. لكن هل تخبرنا كيف ستكون تفاصيل الرحلة؟
أبوآرتين: سآخذكما معي بالكميون الى قرية عين ابل، واعرفكما الى الرجلين اللذين سحملانك وأترككم كلكم هناك وستمضون بقية النهار حتى حلول الظلام. في حين سأذهب أنا الى نقطة مراقبة الهدنة على نقطة الحدود لاتمام أعمالي وما يريدون مني احضاره من اسرائيل، فيما الرجلان سيأخذانكما بسيارة جيب الى رميش طبعا بعد حلول الظلام كما أسلفت، وسيحاولان الايغال في الوعر قدر المستطاع وبدون اضواء، ثم تتركون السيارة فيقوم الرجلان بحملك بالتناوب في البرية وطبعا بمرافقة خالدة حتى تصلوا الى سعسع، فتستريحوا هناك في خارج البلدة. ومع انبلاج الصباح سأصل أنا بكميوني سالكاً الطريق العام. ووفق نقطة معينة او مكان معين يعرفه الرجلان سأقابلكم وأضعكما أنت وخالدة معي في الكميون، بينما الرجلان يكملان في حال سبيلهما الذي قدما منه.
العم رضوان: وما هو حال سبيلهما؟
أبو آرتين: ما لك وهذين الرجلين. لهما أمورهما بالتهريب. المهم سأتدخل معهما ليقوما بعملية حملك. سيرضيان ما دمت ستدفع لهما.
العم رضوان: لربما في سعسع ارتاب أحدهم فينا لكوننا غرباء، أو ارتاب في أمر الرجلين.
أبو آرتين: لا تخف بابا، لا تخف. سأصلكم مع انبلاج خيوط الضوء. ومتى صرتما معي اعتبر ان الامور صارت محلولة.
العم رضوان: وماذا عن اليهود؟ أقصد الجيش او الدوريات اليهودية!!
أبو آرتين: سأخبرهم بأنك رجل "عطيلي" وكنت مع خالدة عند أقاربكما في سعسع والان تريدان العودة الى بيتكما في حيفا. ولا تقلق فالكل يعرفني. ولا أريد أن أخبرك بأني أسايرهم.
العم رضوان: كيف؟
أبوأرتين: ليس بالرشوة تماما، ولكن ببعض الحوائج مثل القهوة الطازجة وبعض الرز والسكر التي احضرها لهم من فترة لأخرى، فمثل هذه الامور غالية في اسرائيل. الى جانب هذا يثقون بكلامي وبصداقتي، ووضعك الشخصي بالذات سيساعد.
خالدة تتدخل على حين فجأة كأنها تريد انهاء الموضوع: يعني يا أبا آرتين تريد الان منا ثلاثمائة ليرة لبنانية؟!
أبو آرتين: تماما.
ثم أتبعها بالتركي: تمام أفندم.
العم رضوان: والله يا أبا آرتين أثقلتها علينا، ألا يمكنك تخفيض المبلغ،.
أبو آرتين يفرك بأصابع يديه: بابا رضوان. اخرج من الذي تكدسه تحت الفراش. أخرج من الأموال.
ثم يضحك طويلا: لو اني لا اعرفك لا أرضى بأقل من خمسمئة ليرة.
العم رضوان وهو يتهدج: طيب، كما تشاء، لكن الدفع حين نصل بيتنا في حيفا، أو بيت خالدة في طيرة حيفا، والا فلن أعطيك فرنكا قبل هذا.
أبو آرتين: بابا لا تنس انه يجب ان تدفع للرجلين اللذين سيحملانك مئتي ليرة، أما أنا فموافق على أخذ المئة ليرة حين نصل الى المكان الذي تريدانه.
ثم أردف: لكن الآن، صارت الامور تقتضي فنجانا من القهوة.
خالدة: تكرم عينك قهوة فلسطينية ومهيّلة.
أبو آرتين: آه، يا ست خالدة كلك ذوق، المهم الآن بابا رضوان بعد شرب القهوة، سأودعكما. ولكن اطلب منكما ان تحضّرا نفسيكما في الغد وتجهزا ما تريدان عمله ولا تحملا الشيء الكثير من المتاع. وأنصحكما بأن تحملا فقط المصاري.
ثم ضحك وتابع: المصاري التي جمعتها بالفرنك والفرنكين، أي لا عفش ولا تعفيش.
العم رضوان: لا. لا. كل هذه الاغراض التي في الغرفة أولا ليست لنا، وثانيا لا تستأهل الحمل.
ثم تابع: لكن هناك بعض الرز والسكر والمارجرين أي الأغراض خاصة الاعاشة ربما تأخذها معك لأهل بيتك.
أبو آرتين: أشياء مثل هذه، يمكن أن أضعها في الكميون فهي أشياء كأنها تابعة لهيئة الأمم، وربما نعطيها لبعض العسكر الاسرائيليين.
خالدة وهي تعطيهما القهوة: لكن ان أحببت يمكنك أن تأخذ لعائلتك بابور الكاز البريموس وبعض الطناجر والصحون والمقالي.
أبو آرتين: يخلف عليك. لا أريد شيئا.
يستمر أبو آرتين بكلامه متسامرا مع العم رضوان الى حين انتهائهما من شرب القهوة، ثم يضرب لهما موعدا أن يحضر لاخذهما بعد غد ظهرا وذلك حتى يهيىء لقاء الرجلين ويناسب توقيت مهمته ودخوله الى فلسطين المحتلة وفق عمله الرسمي، ثم يقول أبو آرتين لهما: على فكرة، الأهم ان تحملا معكما جنيهات استرلينية او دولارات فهي تقبض أينما كان في العالم، لا تُكتشفا انكما كنتما في لبنان.
ثم يقول لهما: استعدا لملاقاتي بعد غد.
العم رضوان: ان شاء الله.
ثم تقوم خالدة وتودعه الى الباب وهي تهش فرحة: الى بعد غدا اذاً.
&
"العطيلي" رواية للكاتب اللبناني نبيل أبوحمد، 117 صفحة من الحجم المتوسط، دار الساقي، بيروت - لندن. 2002.
Dar al SAQI
26 Westbourne Grove - London W2& 5 RH
tel: 00 44 20 7221 9347&&& Fax 00 44 20 72297492