ابراهيم محمود
عدا عن تعددية دلالات اللحم، فإن غموضا يكتنفه داخلا وخارجا، ومن كل جهة. فهو علامة ارتباطنا بالزمن، ودالة حضورنا، ورمز نقائنا وشقائنا، ومسرح شهواتنا ورهاناتنا. ولكنه ابعد من كل ذلك. فهو موغل في الميتافيزيقا، إذ لا يكتفي بالتجاي ظاهريا، حيث نلمحه ونعيش عبره، ونكتشف حقائق جمة من خلاله، إنما يتجاوز خارجه، ليغدو محايثا بأكثر من معنى.. صحيح اننا نرتكز على عظامنا، ونتحرك بدمائنا (بدمائنا الجديدة ام القديمة، بالطاهرة ام الملوثة، بالنقية ام الهجينة... الخ)، لكن تبقى هذه الدماء رهينة اللحمي، فلحمنا هو الذي يطالعنا باستمرار بما نحن فيه من صحة وعافية، ومرض وذبول، انه ساعتنا التي تدق في كل آن وحين. فالساقطون في لحومهم هم الذين ارتضوا ان يكونوا دنيويين. فحيث نعيش عبر لحمنا وبه. ذلك يعني اننا لسنا محاصرين ومأخوذين ومسكونين بشهوات اللحم وتحولاته ومغزاه فقط، وإنما قدرنا ومآلنا ومحط طموحاتنا في هذا النسيج الذي يلفنا داخلا وخارجا.
على اكثر من صعيد يتوارى اللحم خلف مفردة الجسد بالمعنى الفلسفي والديني والميثولوجي، يغيب اللحم في الدلالات الحافة بالدم عند معاينته كقيمة وظيفية واعتبارية ورهان رمزي، يُعاف اللحم، يُحارب، يُنبذ، يُنحّى به جانبا في النصوص الكبرى التي تركز على الجسد وتأويل أبعاده.. لكنه يظل يقهقه سخرية (إن جاز التعبير). فالعظم لا يرام حضوره، لا يرغب في رؤيته (من منا يشتهي ولو ما في لمح البصر رؤية عظمة من عظامه، لما في ذلك من خطورة، من يسكن بيتا على العظم كما يقال، من يتحرك في هيكله العظمي؟ هنا يكون الموت ولا يكون هو!)، والدم لا يُطمع في رؤيته خارجا اذ صحيح اننا على تماس معه، ويمكن رؤيته نزفا او عندما نتبرع به احيانا، وعند التأكد من حالة مرضية ما، ولكن يبقى اللحم كاسيا للعظم، ممررا للدم. ان فضائله لا تحصى هنا، ولهذا فهو يسكن حدي الأبدية والزوال، انه يهددنا ويتوعدنا، يطالعنا بكل تحول، كما نلاحظ ذلك في سلوك الداندي او الغندور او النرجسي، فهؤلاء مهووسون بلحمهم.
ينفتح اللحم على كل دلالة مفترضة، وعلى كل ذي معنى يمكن ذكره.. وتلك هي مآثره.
هويتنا اللحمية:
لحضورنا الخارجي دور كبير في تمايزنا. ان لحمنا هو الذي يقدمنا للعالم، يعرف بنا من منظور الهوية. صحيح ان مفردة الهوية قد توغل في الغياب لا الحضور، فهي تحيل الى اللاحسي، والى التماهي مع مُتصوَّر وحسّي بالمقابل، ولكن ما اسهل من ان يطاح بالهوية تلك، إذ ثمة قلق باستمرار في حمل اعباء الهوية.. فتغيير طفيف في ملامحنا (في لحم الوجه) كافٍ للانسلاخ عما عرف به صاحبه.. الهوية ثابتة، وهي تقوم على ثنائية تضادية، على الغياب/ الحضور، وعلى الثابت/ المتحرك.. إن اللحم لا يرتهن الى الهوية بحركته الدائبة.. فحيث نرتاح الى هويتنا في جلاء ابعادها بخداع لوني (سيمولاكر تماما)، ظانين ان ثمة انغراسا في زمن منزوع الزمن (ان جاز التعبير)، حيث الحركة مفتوحة على اللانهائي، وان لذة الأبدية تتملكنا كلما تمرأينا في صورتنا التي تميز ما يسمّى ب(الهوية)، يكون اللحم متكفلا بإحداث التغييرات اللازمة. لحمنا هو ذو خاصية باروميترية. انه جرس انذار الزمن المفروز فينا، رهاب الفاني المتجذر في كينونتنا، حيث كل نظرة كفيلة بتقديم تقرير مغاير عن تغير ما يشملنا او نتعرض له.. كل خفقة لقلب، هي صفقة لانقلاب يهددنا بوصفنا مطبوعين بالتحول نحو الاندثار. لهذا كان وجهنا واجهتنا، ووجهتنا، انه المنطقة اللحمية الأكثر امتلاءً بالرهانات والعلامات... وجهنا هو توبيانا واتوبيانا (موقعنا ولا موقعنا) حسب علاقتنا معه.. حيث نراهن كثيرا على لحمه، على واجهته، بالأجهزة التي تتوزع فيه، بالهيئة.. انه يرغّب الآخرين فينا، او ينفرهم منا، يخلق فينا طمأنينة وسكينة، مثلما يبث فينا نزوعا نحو اللامعنى والانقلاف... لحم الوجه تضاريسي، متعدد ومتنوع المواقع والمواضع، عدا عن كونه يتقدم كل ما يساعدنا على التفكير. ان منافذه وإطلالاته تقعره وتقوسه، انبساطه وانطواؤه، نعومته وخشونته، انسيابيته وتغضنه، طلاقته وغموض اساريره، وضوحه وغموضه، خفته وهيبته... الخ تلكم هي رموزه، وأكثر من ذلك.. الآخرون لحميون بدورهم.. إن وجوههم وبنيتها اللحمية لا تخفى دلالاتها. ولعل حرصنا على لحمنا الوجهي (إن جاز التعبير) اكثر من اي مكان آخر هو الذي يفصح عن ذلك... فنحن نقارب وجوهنا ونتمعن فيها، نراقبها، ونتابع ادنى تغير فيها، في الوقت الذي قد نهمل فيه جوانب مختلفة من اجسامنا حتى لو كانت مهمة ومؤثرة احيانا.. وهذا يتعلق بالناحية الوظيفية للحم الذي يكسونا. فوجهنا يتطلب العري، الانكشاف، لنتواصل مع الآخرين، وإن كان لذلك صلة بالبعد الثقافي لما يعنيه الكشف والخفاء. لكن يبقى لحم الوجه رهاننا في تأكيد ما نشتهي بأكثر من معنى. ان حرصنا على سلامتنا الجسدية، وتوازننا النفسي، وقيمنا، يلامس اللحم ونبضه وتغيراته.. فحرارة اللحم وبرودته، رقته وسماكته، سورته ومنابطيته تشير الى حقيقتي.. لهذا فإنني حين امارس رقابة على لحمي إنما اعني به جسدي في عمومه، اعني به وجودي، مدى حقيقتي فيه. ولعل سياسة التعامل معه، وتحديدا استراتيجية اقامة معينة فيه لا تتجذر في نفي وجوده، وتجاوزه في ماديته، بقدر ما تحاول استرضاءه واحتواء اي فورة دم من خلاله.
فالذين يعتمدون سياسة غذائية، ويضعون قواعد محددة لتناول الطعام، وفي ما يخص (النيء والمطبوخ مثلا) انما يدركون مقدار الخلائط وما تكونه العناصر المولدة ونسابتها بالتالي في منح اللحم خاصية طافية معينة وأذكر هنا النباتيين، فهم غير بعيدين عن لحمهم الذي يكسوهم ويتقدمهم ويُبقي عليهم، إنما يعيشون في اعماقه، حرصهم اكثر من آكلي اللحوم على جسدهم. ثمة رهاب لحمي يتملكهم، لهذا لا يتوانون عن استعمال اي طريقة لمداراة لحمهم وتهدئته. وهنا تتجذر الهوية في تجليها القيمي والظاهري والباطني والميتافيزيقي. لتغدو متعددة الاوجه!
مقامات لحمية
عن الذين يمارسون صخب الحياة، عن الكازانوفيين وسواهم، والابيقوريين وسواهم، على الكلبيين وسواهم... الخ مقامات لحمية.. ان اللحم يرى ذبذباته ويسمعنا صوته.. موسيقى اللحم تقرأ من خلال التوصيفات اللحمية، وفي الاستعراضيات اللحمية.. لحم للاستهلاك بكامل مقوماته، للنظر الذي يستثير الحواس كلها، يلهب الجسد (اللحم)، وهنا يحضر ديوتيسيوس وسوسيقاه الإيروسية، لتشع الموسيقا من داخل الجسد وعبر مسامّه كلها! وهنا لا تتوقف الموسيقا عن تحويل كل بقعة، او كامل اللحم الى كتلة نعظية، او موظفة موجهة لخدمة فعل تسامٍ روحي، او لاستقبال لذة مطلوبة. ولعل تجاوبنا مع موسيقا ما، هو بمثابة غوص في طقوس لحمية. إذ اننا في الحالة هذه لا ننبسط، لا نقيم خارج لحمنا، وإنما نُسكن الوجود، الكينونة في صميمه، نعيش ملائكيتنا وملائكتنا، انضباطنا وفوضانا عبره.
ونذكر هنا اولئك الذين يربطون بين السقوط في الخطيئة (الانجراف في تيار اللحم الهادر والصاخب، كما في حال الروك اند رول مثلا) والاستسلام لشهوات اللحم، وكيفية مناورة الحقيقة، في محاولة منهم للتصعيد بلحمهم وتطهيره (هنا يحضر الايقاع من نوع مختلف، ولكنه مقام موسيقي في كل حال) انهم لا يغادرون لحمهم، بقدر ما يغضون النظر عنه، وهو يتلبسهم.
لست على خصام مع لحمي. انني احاول باستمرار مهادنته ومصالحته بعفوية او لضرورة ما. فأنا بحاجته وهو نفسه يجسدني، ويتلاءم معي، وفي هذه الحالة يكون اللحم مشغولا بالذاكرة. ذاكرة اللحم بكل تنويعاتها الحسية والمعرفية وما بينهما. وبالإدراك وارتباطه بالموجودات، حيث أنشغل بحضورها وأمورها، وحركتها المتواصلة في داخلي.
الاستعراضيون (الرياضيون) والاستعراضيات (في الرياضة وملكات الجمال بكل مسمياتها وعروض الازياء... الخ)، وأشباه العراة لضرورة ظرفية (المصطافون والمصطافات على البحر).. الخ يعيشون كامل حياتهم اللحمية من منظور اخلاقية القوة، ونشوة التعري اللحمية.. لهذا فأنا ابصر لحمي وما يكونه في تعرفه لتغير لا يهدأ من خلال ما اراه قبل كل شيء وأعيشه، ما اقرأه في نصوص تصف الجسد (نصوص الايروتيك خصوصا)!
والفنان الذي يعيش عري اللحم هو الاقدر على سرد الحكاية الكبرى للحم ومراهناته ومضامينه وفضاءاته الرمزية، ولكن بتجسيده: لونا حجما، حيث يثبت اللحم المنَمْذَج في الزمن، ونحن نتداخل معه، مسكونين بشهوة لحم لا يغيّر فيه الزمن!
على اكثر من صعيد يتوارى اللحم خلف مفردة الجسد بالمعنى الفلسفي والديني والميثولوجي، يغيب اللحم في الدلالات الحافة بالدم عند معاينته كقيمة وظيفية واعتبارية ورهان رمزي، يُعاف اللحم، يُحارب، يُنبذ، يُنحّى به جانبا في النصوص الكبرى التي تركز على الجسد وتأويل أبعاده.. لكنه يظل يقهقه سخرية (إن جاز التعبير). فالعظم لا يرام حضوره، لا يرغب في رؤيته (من منا يشتهي ولو ما في لمح البصر رؤية عظمة من عظامه، لما في ذلك من خطورة، من يسكن بيتا على العظم كما يقال، من يتحرك في هيكله العظمي؟ هنا يكون الموت ولا يكون هو!)، والدم لا يُطمع في رؤيته خارجا اذ صحيح اننا على تماس معه، ويمكن رؤيته نزفا او عندما نتبرع به احيانا، وعند التأكد من حالة مرضية ما، ولكن يبقى اللحم كاسيا للعظم، ممررا للدم. ان فضائله لا تحصى هنا، ولهذا فهو يسكن حدي الأبدية والزوال، انه يهددنا ويتوعدنا، يطالعنا بكل تحول، كما نلاحظ ذلك في سلوك الداندي او الغندور او النرجسي، فهؤلاء مهووسون بلحمهم.
ينفتح اللحم على كل دلالة مفترضة، وعلى كل ذي معنى يمكن ذكره.. وتلك هي مآثره.
هويتنا اللحمية:
لحضورنا الخارجي دور كبير في تمايزنا. ان لحمنا هو الذي يقدمنا للعالم، يعرف بنا من منظور الهوية. صحيح ان مفردة الهوية قد توغل في الغياب لا الحضور، فهي تحيل الى اللاحسي، والى التماهي مع مُتصوَّر وحسّي بالمقابل، ولكن ما اسهل من ان يطاح بالهوية تلك، إذ ثمة قلق باستمرار في حمل اعباء الهوية.. فتغيير طفيف في ملامحنا (في لحم الوجه) كافٍ للانسلاخ عما عرف به صاحبه.. الهوية ثابتة، وهي تقوم على ثنائية تضادية، على الغياب/ الحضور، وعلى الثابت/ المتحرك.. إن اللحم لا يرتهن الى الهوية بحركته الدائبة.. فحيث نرتاح الى هويتنا في جلاء ابعادها بخداع لوني (سيمولاكر تماما)، ظانين ان ثمة انغراسا في زمن منزوع الزمن (ان جاز التعبير)، حيث الحركة مفتوحة على اللانهائي، وان لذة الأبدية تتملكنا كلما تمرأينا في صورتنا التي تميز ما يسمّى ب(الهوية)، يكون اللحم متكفلا بإحداث التغييرات اللازمة. لحمنا هو ذو خاصية باروميترية. انه جرس انذار الزمن المفروز فينا، رهاب الفاني المتجذر في كينونتنا، حيث كل نظرة كفيلة بتقديم تقرير مغاير عن تغير ما يشملنا او نتعرض له.. كل خفقة لقلب، هي صفقة لانقلاب يهددنا بوصفنا مطبوعين بالتحول نحو الاندثار. لهذا كان وجهنا واجهتنا، ووجهتنا، انه المنطقة اللحمية الأكثر امتلاءً بالرهانات والعلامات... وجهنا هو توبيانا واتوبيانا (موقعنا ولا موقعنا) حسب علاقتنا معه.. حيث نراهن كثيرا على لحمه، على واجهته، بالأجهزة التي تتوزع فيه، بالهيئة.. انه يرغّب الآخرين فينا، او ينفرهم منا، يخلق فينا طمأنينة وسكينة، مثلما يبث فينا نزوعا نحو اللامعنى والانقلاف... لحم الوجه تضاريسي، متعدد ومتنوع المواقع والمواضع، عدا عن كونه يتقدم كل ما يساعدنا على التفكير. ان منافذه وإطلالاته تقعره وتقوسه، انبساطه وانطواؤه، نعومته وخشونته، انسيابيته وتغضنه، طلاقته وغموض اساريره، وضوحه وغموضه، خفته وهيبته... الخ تلكم هي رموزه، وأكثر من ذلك.. الآخرون لحميون بدورهم.. إن وجوههم وبنيتها اللحمية لا تخفى دلالاتها. ولعل حرصنا على لحمنا الوجهي (إن جاز التعبير) اكثر من اي مكان آخر هو الذي يفصح عن ذلك... فنحن نقارب وجوهنا ونتمعن فيها، نراقبها، ونتابع ادنى تغير فيها، في الوقت الذي قد نهمل فيه جوانب مختلفة من اجسامنا حتى لو كانت مهمة ومؤثرة احيانا.. وهذا يتعلق بالناحية الوظيفية للحم الذي يكسونا. فوجهنا يتطلب العري، الانكشاف، لنتواصل مع الآخرين، وإن كان لذلك صلة بالبعد الثقافي لما يعنيه الكشف والخفاء. لكن يبقى لحم الوجه رهاننا في تأكيد ما نشتهي بأكثر من معنى. ان حرصنا على سلامتنا الجسدية، وتوازننا النفسي، وقيمنا، يلامس اللحم ونبضه وتغيراته.. فحرارة اللحم وبرودته، رقته وسماكته، سورته ومنابطيته تشير الى حقيقتي.. لهذا فإنني حين امارس رقابة على لحمي إنما اعني به جسدي في عمومه، اعني به وجودي، مدى حقيقتي فيه. ولعل سياسة التعامل معه، وتحديدا استراتيجية اقامة معينة فيه لا تتجذر في نفي وجوده، وتجاوزه في ماديته، بقدر ما تحاول استرضاءه واحتواء اي فورة دم من خلاله.
فالذين يعتمدون سياسة غذائية، ويضعون قواعد محددة لتناول الطعام، وفي ما يخص (النيء والمطبوخ مثلا) انما يدركون مقدار الخلائط وما تكونه العناصر المولدة ونسابتها بالتالي في منح اللحم خاصية طافية معينة وأذكر هنا النباتيين، فهم غير بعيدين عن لحمهم الذي يكسوهم ويتقدمهم ويُبقي عليهم، إنما يعيشون في اعماقه، حرصهم اكثر من آكلي اللحوم على جسدهم. ثمة رهاب لحمي يتملكهم، لهذا لا يتوانون عن استعمال اي طريقة لمداراة لحمهم وتهدئته. وهنا تتجذر الهوية في تجليها القيمي والظاهري والباطني والميتافيزيقي. لتغدو متعددة الاوجه!
مقامات لحمية
عن الذين يمارسون صخب الحياة، عن الكازانوفيين وسواهم، والابيقوريين وسواهم، على الكلبيين وسواهم... الخ مقامات لحمية.. ان اللحم يرى ذبذباته ويسمعنا صوته.. موسيقى اللحم تقرأ من خلال التوصيفات اللحمية، وفي الاستعراضيات اللحمية.. لحم للاستهلاك بكامل مقوماته، للنظر الذي يستثير الحواس كلها، يلهب الجسد (اللحم)، وهنا يحضر ديوتيسيوس وسوسيقاه الإيروسية، لتشع الموسيقا من داخل الجسد وعبر مسامّه كلها! وهنا لا تتوقف الموسيقا عن تحويل كل بقعة، او كامل اللحم الى كتلة نعظية، او موظفة موجهة لخدمة فعل تسامٍ روحي، او لاستقبال لذة مطلوبة. ولعل تجاوبنا مع موسيقا ما، هو بمثابة غوص في طقوس لحمية. إذ اننا في الحالة هذه لا ننبسط، لا نقيم خارج لحمنا، وإنما نُسكن الوجود، الكينونة في صميمه، نعيش ملائكيتنا وملائكتنا، انضباطنا وفوضانا عبره.
ونذكر هنا اولئك الذين يربطون بين السقوط في الخطيئة (الانجراف في تيار اللحم الهادر والصاخب، كما في حال الروك اند رول مثلا) والاستسلام لشهوات اللحم، وكيفية مناورة الحقيقة، في محاولة منهم للتصعيد بلحمهم وتطهيره (هنا يحضر الايقاع من نوع مختلف، ولكنه مقام موسيقي في كل حال) انهم لا يغادرون لحمهم، بقدر ما يغضون النظر عنه، وهو يتلبسهم.
لست على خصام مع لحمي. انني احاول باستمرار مهادنته ومصالحته بعفوية او لضرورة ما. فأنا بحاجته وهو نفسه يجسدني، ويتلاءم معي، وفي هذه الحالة يكون اللحم مشغولا بالذاكرة. ذاكرة اللحم بكل تنويعاتها الحسية والمعرفية وما بينهما. وبالإدراك وارتباطه بالموجودات، حيث أنشغل بحضورها وأمورها، وحركتها المتواصلة في داخلي.
الاستعراضيون (الرياضيون) والاستعراضيات (في الرياضة وملكات الجمال بكل مسمياتها وعروض الازياء... الخ)، وأشباه العراة لضرورة ظرفية (المصطافون والمصطافات على البحر).. الخ يعيشون كامل حياتهم اللحمية من منظور اخلاقية القوة، ونشوة التعري اللحمية.. لهذا فأنا ابصر لحمي وما يكونه في تعرفه لتغير لا يهدأ من خلال ما اراه قبل كل شيء وأعيشه، ما اقرأه في نصوص تصف الجسد (نصوص الايروتيك خصوصا)!
والفنان الذي يعيش عري اللحم هو الاقدر على سرد الحكاية الكبرى للحم ومراهناته ومضامينه وفضاءاته الرمزية، ولكن بتجسيده: لونا حجما، حيث يثبت اللحم المنَمْذَج في الزمن، ونحن نتداخل معه، مسكونين بشهوة لحم لا يغيّر فيه الزمن!
(نقلا عن "السفير")
