&د. محيي الدين عميمور :
عندما كانت اجساد شهداء جنين تتناثر، كان جثمان الملكة اليزابيث الأم، يتهادى على أكتاف حرس الشرف يحملونه إلى عربة المدفع.
وبينما كانت الدبابات تواصل جريمتها، كان الرئيس بوش مرتاحاً لأنه خدع العرب بخطابه عن انسحاب إسرائيل، فلم ير معظمنا كلمة "بدء"، التي سبقت تعبير الانسحاب، وراح يجتهد في تفسير تعبير "بدون تأخير"، مما جعل العدو في حل من مواصلة المجزرة بسحبه دبابة هنا أو مجنزرة هناك.
وعندما كان صوت أسقف كانتربيري يجلجل في كنيسة وستمنستر، مردداً كلمات المسيح عليه السلام، كان المكان الذي شهد ميلاد تلك الكلمات أتونا من حمم المدافع والقنابل.
وعندما كان الأرغن يتناغم مع أصوات المنشدين في الكنيسة البريطانية العريقة، كانت الأصوات التي تتزاوج في كنيسة المهد هي أصداء الانفجارات وأنين الجرحى وزفرات محاصرين أحسّوا بأن الأمة تخلّت عنهم.
وعندما كان الضباط بأزيائهم الزاهية يحيطون بنعش الملكة كان زملاؤهم في أفغانستان يواصلون تمشيط المغارات وترويج الأكذوبة الكبرى عن الإرهاب.
وتحولت بريطانيا إلى دائرة كبرى مركزها نعش مغطى بالعلم الملكي، فوقه التاج الذي يحمل ماسة "كوهينور"، أكبر ماسة مسروقة في العالم!
ولم يكن يهم البريطانيين ما إذا كانت المتوفاة قديسة أو عجوزاً عادية، بل كان المهم أن يحسّ المواطن بانتمائه إلى مجتمع متماسك عريق التاريخ راسخ التقاليد، وإلى بلاد حققت مشروع مجتمعها في ظل الثوابت الوطنية التي يلتف حولها الجميع.
تلك الثوابت، التي تتكاتف على رعايتها وحمايتها والدعوة للتمسك بها كل مؤسسات الدولة، هي أهم عناصر الاستقرار النفسي للأمة وأهم ضمانات تجاوبها التلقائي والفوري، عندما تأتي مرحلة التجنيد الضروري لخدمة الوطن والذود عنه.
ولهذا، على وجه التحديد، لم تسقط بريطانيا أمام الاجتياح الهتلري، الذي التهم نصف أوروبا في أسابيع معدودة.
وهنا تبدو لنا مأساتنا الحقيقية.
فقد حمل الكثيرون منا في العقود الأخيرة المعاول لهدم ثوابتنا، وسمعنا في الجزائر من يندّد بالثوابت التي اغتالت الجزائر، وهي، للتذكير، الروح الوطنية واللغة العربية والدين الإسلامي، وكان هذا بداية مأساة دموية تميزت بها النكسة التي حوّلت الجزائر إلى طائرة مختطفة.
وعرفنا، عبر جلّ بلدان الوطن العربي، كيف راحت كل أمة تلعن من سبقتها، وكل زعيم يندّد بمن جلس قبله على كرسي الحكم، وشاهدنا كيف تغيّرت أعلام وطنية أكثر من مرة وتغير النشيد الوطني أكثر من مرة خلال جيل واحد، ولا حديث عن الدساتير التي أصبحت متعددة الطبعات، كروايات الجيب.
وكان ذلك كله، في واقع الأمر، هو سبب النكسة الشعبية التي عشناها في العقود الأخيرة، وجاءت أحداث فلسطين الأخيرة لتنقذنا منها، لو أحسنا الاستفادة من العبر والدروس والتجارب، لنخرج من وضعية التبلّد التي عشناها، وجعلت شريحة كبيرة من الأمة تتابع المأساة وهي مشتتة الوجدان مبعثرة المشاعر مفتتة الجهود.
هذا يعني أن علينا أن نجعل من قضية فلسطين بذرة البعث الجديد للأمة.
والمهم اليوم هو أن نستعد لمرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، وهو آت لا ريب فيه، لكن دماء الشهداء ستذهب هدراً إذا لم نحرص على ألا نعيد نفس الأخطاء.
وهنا أتصور إقامة خلايا عمل دراسية تفكر، ابتداء من اليوم، وبكل هدوء وبرودة أعصاب، في بناء الغد، مؤسسات وتنظيمات وخطط عمل مستقبلية.
وإذا كان العمل بالأمس منوطاً بالسياسيين وحدهم، فإن عمل اليوم الذي يعد للغد هو مهمة مشتركة بينهم وبين رجال الفكر ورجال الأعمال.
وهذا يتطلب إقامة مؤسسات تسهر على حماية ثوابت الأمة من الضياع، خصوصاً وقد تأكد في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد احداث سبتمبر، بأن صفوفنا مخترقة بعدد من المثقفين "الحانطور" (وليس التاكسي) الذين يبثون، عن وعي أو عن جهل، أفكاراً تساهم في تفتيت الوجدان الوطني للأمة، لمصلحة كل القوى التي تتكالب علينا.
وهكذا فإن الحديث عن تطهير التربية الإسلامية في مدارسنا من نزعات الإرهاب يجب أن يفهم على أنه عودة لمحاولة حصر الدين في نواقض الوضوء وموجبات الغسل.
وأمة بدون دين هي جسم بدون عمود فقري، واقصد بالدين، الإسلام والمسيحية على حد سواء، ولعلي أذكر هنا بأن الشمال يرفض المذاهب المسيحية التي لا ترتبط به، لأنه أدرك أن المسيحية عندنا مرتبطة بالوطن وبالأمة.
والدعوة إلى اعتبار اللغة مجرد وسيلة ناقلة يجب أن يفهم على أنه تناقض مع الحقيقة التي تقول بأن اللغة هي وطنية Nationalisme، كما يقول رئيس تحرير صحيفة "لوموند" الفرنسية، في حديثه عن لغته، في حين يطالبنا الفرنسيون بترسيم لهجات شعبية.
وأنا أقول بأن أمة بدون لغة وطنية واحدة وموحدة، تكون أساس الفكر وإطار التفكير، تفقد صفتها كأمة.
والادعاء بأن الأفكار القومية والوحدوية قد تجاوزتها الأحداث، هو مواصلة عملية تخريب وجدان الأمة، لتظل، سياسياً وفكرياً، فريسة للشمال المتغطرس الذي يرفض التعامل معنا كندّ له كل الحقوق.
وهذا كله يفرض أن يقوم المفكرون العرب بتصور جماعي لمتطلبات عودة الوعي، إن صح التعبير، ويدرك الحكام أن خلاصهم مرهون بتكاملهم مع رجال الفكر.
ولقد تحدثت عن التصور الجماعي عامداً، ولمجرد أنني أرى أن المرحلة لا تحتمل العبقريات الفردية التي تعيش في أبراج عاجية، ولا تستطيع التعامل مع أهداف الأمة وطموحات الجماهير.
وهنا يأتي التكامل بين رجال الفكر ورجال الأعمال، خصوصا في ما يتعلق بعودة الحياة الطبيعية إلى الأراضي الفلسطينية، وهو ما أسميته يوماً تكاتف الفكر والمال لخدمة مشروع المجتمع الوطني.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، يجب أن نصر على وجود قوات أممية تعطي الفرصة لأبناء فلسطين لإعادة بناء ما هدم وهي عملية بالغة الصعوبة، لأن إعادة البناء لا تقتصر على الجوانب المادية وحدها.
وإذا كان بوش قد التزم علناً بدولة فلسطينية، فإن هذه يجب أن تكون كما نريدها نحن لا كما يريدها شارون! وبداية البدايات هي التمسك بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، والخروج من المتاهات التي صورها القرآن الكريم في سورة البقرة!
ويجب أن ندرك بأن غزواً ثانياً يظل أمراً متوقعاً، وهو ما قد يتطلب استلهام الأسلوب الجزائري في بناء المؤسسات السياسية للدولة الفلسطينية.
فبعد أن تعرضت الحركة الوطنية في الأربعينيات إلى عمليات متواصلة من الحل وملاحقة المناضلين، جرى تكوين حزب من ثلاثة أدوار، الدور الأول فوق السطح وهو حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ويكتسب الشرعية طبقاً للقوانين الفرنسية السائدة.
الدور الثاني هو حزب الشعب الجزائري وهو حزب تحت الأرض، لا يعرفه إلا القياديون، ويقوم بدور المخبر الفكري وتوجيه العمل السياسي.
الدور الثالث هو المنظمة السرية، التي رأسها في البداية محمد بلوزداد، ثم تسلم الراية بعد وفاته حسين آيت احمد، ليسلمها، في الظروف المعروفة، إلى أحمد بن بله.
رجال هذه المنظمة لا يعرفهم أحد ولا يدلون بتصريحات علنية، ولا تعرف كاميرات التلفزة وجوههم، وهم يمارسون استعداداتهم تحت الأرض، ويعدون للحظة التي يصبح فيها من الضروري مواجهة العدو بالأساليب العنيفة التي تردع عنفه وجرائمه.
وآمل أن يكون هذا الحديث دعوة للتفكير بصوت مقروء.(الشرق الأوسط اللندنية)