مي منسى :عام 1970 نال الكاتب الفرنسي ميشال تورنييه جائزة غونكور لكتابه "ملك شجر الماء" LE ROI DES AULNES. وهو منذ روايته الاولى "جمعة أو يمبس الباسيفيك" يبتكر اساطير جذابة ذات خلفية فلسفية واخلاقية يدعي انها للمراهقين ملوحا بمغازيها للراشدين.
دانيال دوفو الروائي والشاعر البريطاني كان وحيه الاول اثر الصدمة التي تلقاها مراهقا من كتابه "روبنسون كروزويه". وجد فيه ميشال تورنييه معلما في البناء السردي ومبدعا في جمعه بين الاساطير والحقيقة. وانتظر صدمة أخرى تشتعل من ذاته ليصبح دوره كاتب اسطورة مطعمة بالادراك الفلسفي، ولم تأته الا في السن المتأخرة وكان بلغ الثانية والاربعين، جامعاً الثقافتين الفرنسية والالمانية، مصغيا الى من سبقوه كتّاباً وشعراء على هذه الدرب التي بدأ يستقي منها الهامه ويستعير الشخصيات ليعيد بناءها من وجهة نظره التحليلية الفلسفية والانتروبولوجية في اسلوب الحكواتي الذي يستميل اليه الصغار عله يكسب الكبار.
زيارته الى بيروت حيث منحه رئيس الجمهورية وسام الارز، ارادتها "منشورات حاتم" والمركز الثقافي الفرنسي اجازة لطلاب المدارس في مركب ميشال تورنييه وقصصه المثيره، وكان اول لقاء لهم معه في المركز الثقافي الفرنسي حيث طرحوا عليه اسئلتهم الجاهزة، متلقفا كل سؤال ومجيبا عنه. وتكرر اللقاء مع مدارس اخرى في قاعة كنيسة مار الياس في انطلياس وطرابلس وصيدا.
في لقائي الاول معه، جلست بين جيل من المراهقين استمع اليه واصغي الى الاسئلة، ولفتني سؤال اجاب عنه تورنييه بنادرة لا ادري إن وصل معناها الى الجميع.
سألته فتاة: "كيف نفرق بين الحقيقة والايمان والخرافة؟".
اجاب: بعدما هبط غاغارين من القمر اثر رحلته الفضائية الطويلة كان خروتشيف اول من استقبله فسأله ان كان رأى الله في رحلته السماوية هذه، فأجابه غاغارين: "بلى رأيته". فانتفض خروتشيف وذكّره ان الشيوعية لا تؤمن بوجود الله وعليه بالتالي الا يكرر ذلك ثانية. واستقبله البابا ايضا في الفاتيكان فطرح عليه السؤال ذاته: هل رأيت الله؟ فأجاب غاغارين: كلا! كلا!
&
* ميشال تورنييه، نلاحظ في جزء كبير من مؤلفاتك انك استعرت شخصياتك من روائيين سابقين سبقوك الى هذا الاسلوب الرمزي. لم هذا الاتكاء على الاسلاف لإبراز ابعادك الذاتية؟
- الاسطورة تتناقلها الازمنة وتتبدل ملامحها تحت قلم كل كاتب او شاعر او موسيقي، وكل يجدد فيها او يمدها بأبعاد تتلاءم مع الانسان الجديد كي لا تبقى مكتسية بلباس الماضي العتيق.
* هل ما كتبته من موضوعات تحض الخيال وتدعو الى السفر آت في ناحية ما من طفولتك؟
- لم اتوخ يوما كتابة سيرة ذاتية، بل لعلها طبيعتي الخيالية المرتبطة بالارض، بالحجر، بالكون، شدتني الى ادب جمالي، ويعود ذلك الى طفولتي السعيدة التي عشتها مع والدين مثقفين التقيا في السوربون وتآلفا مع اللغات الاجنبية، ومن هنا كان حرصهما على ان اتلقى اللغة الالمانية والادب الجرماني من منابعهما، وكنت ربما الطالب الوحيد الذي تجرأ ودرس في بلد شاءته الحرب العالمية الثانية عدوا لبلدي الام.
* حدثنا عن تلك الوصفة السحرية التي تحيط الطفولة بالسعادة.
- لا اغالي ان قلت لك اني نشأت في قرية صغيرة في منطقة البورغون الساحرة. كانت الطبيعة صيدلية جدي، وكنت اتنزه بين الاعشاب الكثيرة التي كان يركّب منها ادويته الحرفية. طبخاته الصحية كانت تثير فضولي. حفظت اسماء الاعشاب في فرح وخوف من اسماء بعضها. تصوري كلمة "ألكولا كولوكنت" وكيف تقرع في اذن فتى لم يعلم الا لاحقا انها الدواء الناجع لعسر الهضم. كنت اراقب جدي يزن في دقة قصوى الملليغرامات وانا اترنح بعطور تلك الكيميائيات الطبيعية.
* من اي باب سحري دخل الادب في حياتك؟
- من باب كتابة الروائية الأسوجية لاغرلوف "رحلة نيلز هولغرسون" وهو كتاب جغرافيا وضعته للأولاد ونالت عليه عام 1909 جائزة نوبل والشهرة العالمية. كنت في الرابعة عشرة حين قرأته. بهرني مناخه السحري. فلطالما احببت السحر وقصصه انما ليس اي قصص، بل السحر الذكي الذي يضيء درب القارئ. لذا لم تستهوني ابداً قصة "سندريللا" واليقطينة التي تحولها الجنية الطيبة الى عربة ملكية، بل احببت رحلة نيلز الرائعة.
* اي دروب اضاءت لك؟
- نيلز كان فتى سيئا وكسولا. استيقظ ذات يوم ليرى قزما في حجم الاصبع على وسادته التقطه وراح يعذبه. لكن هذا الساحر المقزم حول الفتى الى قزم مثله. حجمه الصغير قرّبه من عالم الحشرات والاشياء. منحه السحر مفتاح المعرفة محولا اياه الى طير يجوب البقاع الاسكندينافية للاطلاع على معالمها. نيلز اضحى نموذجي. اوصلني في ما بعد الى اقتناع بأن القصص المرصودة للصغار هي في القمة الارقى من الادب، مثل قصة "الامير الصغير" لسانت اكزوبري، و"امثال" لافونتين. كما ان قصص الجان والجنيات في ادب شارل بيرّو لا تستطيع بقسوتها وتجاربها ان تكون مسلكاً للاطفال، بل اجدها في منزلة تراجيديا راسين. فصرخة فيدر ترثي شقيقتها اريان "اريان اختي من اي حب جريح (...)" تشبه صرخة اريان زوجة اللحية الزرقاء مستنجدة بشقيقتها آن: "آن، يا اختي، هل ترين في البعيد شيئا آتيا الينا (...)" والامثال عديدة في ادب الصغار التراجيدي من"بودان" الـ"بوتيه بوسيه" وكلها تحليل للشذوذ الأبوي والفقر والفراق المماثلة لـ"مدام بوفاري" المنتظرة امام نافذتها، او "في انتظار غودو". وعلى هذا النحو احدد ادب الصغار.
* ذكرت في محاضرتك حلما راودك ولم تستطع العلوم الفلسفية تحقيقه.
- في السابعة عشرة اكتشفت الفلسفة وكانت صرخة فكرية بالنسبة اليّ. قررت الانصراف اليها في منحاها الكلاسيكي ولا ازال استقي من تعاليمها لا كما تدرس اليوم بالإبهام والضلال عن دربها الصحيحة. نهلت الفلسفة من ينبوعها الالماني، وتابعت طوال اربع سنين التوغل فيها في فرنسا لتأتي نتائج الامتحان فتعلمني برسوبي فيها! ذاك ما جعلني أعدل عن حلمي وأدخل مجال البث السمعي وكنت مكلفاً أن أحمل مسجلتي وأطوف بين اصحاب العلوم والفلسفة والكتّاب والشعراء أسألهم واستوضح آراءهم. ظننت نفسي قادراً على تعويض فشل ماضٍ بأسئلة ذكية تضاهي أجوبة اولئك المفكرين. بعد سنين، أذكر أني أدرت زر جهازي في ساعة متأخرة من الليل وسمعت بالمصادفة صوت معلمي غاستون باشلار، هذا الفيلسوف الذي راح يشرح ويحلل شروط المعرفة العلمية ويحاول محاوره عبثاً ان يزج في الحديث ثورته الفكرية. في منتصف الحديث تذكرت أن هذا "الأهبل" المحاور كان أنا.
* وهل أغنى الاعلام السمعي طموحاتك؟
- عام 1954 أدخلت اذاعة وتلفزيون "أوروب 1" مادة الاعلان وكان على رأسها لويس ميرلان وكان عليّ ان أعرّف بسلع تجارية كالجوارب والعطور والألبسة الداخلية. وكان ميرلان يبدي لي دوماً عدم رضاه من عملي ويكبلني بتوبيخاته، اذ لم اكن قادراً على تحقيق أحلامه. لكنه لم يعلم أنه يهيّئني للنجاح. فالتجارب القاسية مدتني بالخيال ولاسيما عندما تحولت من مروّج للبضاعة الاعلانية الى مجيب عن رسائل القراء في سعي الى حل قضاياهم. تعرّفت يومها عن كثب على مآسي البشر وصرختهم الليلية طلباً للنجدة. أدركت أن لا حدود لأمنيات البشر وخيباتهم، ولا أزال الى اليوم اتلقى رسائل عاطفية جميلة من بعضهم.
* اي أن برامجك على "أوروب 1" هي التي وجهتك نحو الكتابة؟
- صحيح، اذ غدوت ملماً بأحلام الانسان، بضلاله ويأسه. وبقيت أروي حديقتي السرية بالفلسفة وأتنقل بين فكر نيتشه وسبينوزا وأترك للوقت حريته حتى أفاق قلمي في الثانية والاربعين على شخصية "جمعة" ولم أندم على السنين الضائعة. فقراءتي المبكرّة لـ"روبنسون كروزويه" اعطتني درساً في النضال والمثابرة والشجاعة من اجل البقاء. كتاب دوفو يرمز الى السلام الذي يحصده الانسان بالعمل، كما يرمز ضد الوحدة.
* لكنك القيت الضوء على "جمعة" Vendredi في مؤلفين "جمعة او يمبس الباسيفيك" الذي نلت له جائزة "الاكاديمية الكبرى" و"جمعة او الحياة البربرية".
- حوّلت من خلال "جمعة" رمز السيد والعبد الى مساواة. فمن يفهم جيداً كتاب دوفو يعلم أن اللقاء المقدر بين جمعة رجل الادغال وروبنسون رجل المدنية ليس سوى طرح للاعدالة في العلاقات البشرية. أجد من وجهة نظري في روبنسون نفسه ازدواجية بين العبد والسيد.
* سرقت من دوفو رمزه وسعيت الى تصحيحه اذن، وهو ما كان عنوان محاضرتك "الفلسفة المهربة" في صالة مونتان.
- كل ما كتبته عن الصيد والبحر والارض كان غطاء لنظرياتي الفلسفية. نجا بطل دوفو من الكتاب ليصبح رمزاً كالرموز الخالدة التي نتعاطى مع نماذجها، مثل دون جوان الذي جسّد جانباً من الوضع الانساني: الإروسية وفاوست: المعرفة. وتريستان: الحب الابدي.
* وماذا اصطدت من بحيرة روبنسون؟
- التقطت في شبكتي رمزين: العنصرية والمنبوذون. على ضوئهما رأيت ناساً بلا هوية ومجتمعات تعاني العزلة. وليس أقسى من الوحدة سوى الوحدة التي نعيشها بين الناس.
* هل تعتقد ان دانيال دوفو سيكون لك شاكراً لو عرف كيف تصرفت ببطله؟
- بل سيصاب بالذهول. استوليت على رمز دوفو لأعيد تأهيل جمعة وأعيد كتابته بفلسفة التهريب. أضحى "جمعة والحياة البربرية" تميمتي وأجمل ما صنعت في حياتي. تصوري أنه صدر للمكفوفين بالحرف النافر. هذا الاعتراف الرائع به يساوي عشر جوائز نوبل لو قدمت اليّ. فلسفة التهريب هي في رأيي الجمالية بعينها.
* "أماندين او الحديقتان" كتاب مصور للاطفال صدر عن "دار حاتم" لمناسبة مجيئك الى لبنان مع جزء آخر من مؤلفاتك. الى اي فلسفة تومئ في هذه القصة الساذجة برسومها السهلة وكتابتها؟
- ندخل في هذه القصة عالماً ميتافيزيكياً نصفه من الواقع ونصفه الآخر من فلسفة الوجود. أماندين الطفلة الهانئة العيش مع والديها في منزل جميل ونظيف وحديقة تكشف جمال الازهار وتغامر خلف سور حديقتها لترى الجانب الآخر، فتنقلب البراءة الى معرفة والسكينة الى حقيقة حزينة.
ألم يقل رامبو "الحياة الحقيقية هي في مكان آخر؟". (النهار اللبنانية)
