&
من الغريب ـ والمحزن أيضا ـ ألا تلتفت الصحافة الأدبية في مصر إلي رحيل إبراهيم العريض في التاسع والعشرين من شهر مايو الماضي‏.‏ وكأننا بهذا الموقف نمارس لونا من القطيعة المعرفية مع الشخصية الأدبية والفكرية والشعرية التي كان لها تأثيرها الكبير في منطقة البحرين والخليج العربي من خلال إبداعها المستمر وكتاباتها المتنوعة ـ نقدا ودراسة وترجمة ـ منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتي مفتتح هذا القرن‏.‏
عاش العريض حياة طويلة حافلة‏,‏ منذ مولده في مدينة بومباي بالهند عام‏1908‏ وحتي رحيله في عام‏2002‏ وكان لهذه النشأة المبكرة في الهند ـ التي ظل فيها حتي عام‏1927‏ ـ أثرها في إجادته للأرديه والإنجليزية وإكماله لدراسته الثانوية فيها‏,‏ قبل عودته إلي البحرين واستقراره فيها منذ ذلك التاريخ‏,‏ ليبدأ وهو في التاسعة عشرة من العمر تعلم العربية ـ لغة أبائه وأجداده ـ قراءة وكتابة‏,‏ وهي اللغة التي لم يكن يعرف منها غير كلمات قليلة متناثرة‏.‏ لكنه وهو يري أباه المنشغل بتجارة اللؤلؤ شأنه شأن كثيرين من التجار في ذلك الوقت ـ يؤثر أن يستجيب لهواتف قومية في نفسه‏,‏ مؤثرا الاهتمام بتعلم هذه اللغة‏,‏ بعد أن أصبح الشعر مدخله إليها‏,‏ والتوقف مع النماذج العالية فيه ـ دراسة وتذوقا وتحليلا ـ بابه إلي معرفة التراث‏,‏ وقراءة الفكر العربي‏,‏ قبل أن يفصح عن قصائده الأولي التي ضمنها ديوانه الأول الذكري الذي أصدره عام‏1931‏ وهو في الثالثة والعشرين من العمر‏,‏ بادئا رحلته مع الإبداع الشعري‏,‏ ورحلته الحياتية معلما للغة الإنجليزية بدائرة المعارف فمديرا لإحدي المدارس‏,‏ فرئيسا لقسم الترجمة بشركة امتيازات النفط المحدودة‏,‏ فمدرسا ـ مرة أخري ـ
في ثانوية البحرين‏,‏ فإذاعيا في إذاعة البحرين ـ التي أنشئت عام‏1940‏ ـ فمعارا من قبل شركة النفط إلي دلهي بين عامي‏1944‏ و‏1945,‏ فرئيسا منتخبا للمجلس التأسيسي لدولة البحرين عام‏1973,‏ فسفيرا متجولا في ديوان الخارجية البحرينية منذ عام‏1975‏ وحتي اعتزاله‏.‏
وعلي مدي هذه الحياة الحافلة‏:‏ عمليا وأدبيا‏,‏ تتابعت كتابات إبراهيم العريض عبر الصحف والمجلات المحلية والعربية‏,‏ واخترقت كتاباته وكتبه المنشورة حدود البحرين والخليج‏,‏ متجاوزة هذا المدي الضيق إلي رحابة الوطن العربي كله‏,‏ وإلي المهجر الأمريكي ـ في شماله وجنوبه ـ وكان طريفا أن يدرك العريض حجم معرفة الناس به خارج البحرين بأكثر من معرفتهم له وتقديرهم لحقيقة دوره الرائد والتنويري بين أهله وعشيرته في البحرين تنقل الباحثة البحرينية مني غزال في رسالتها للماجستير عنه قوله في مجلة كتابات البحرينية‏:‏
إنني خارج دائرة الشعور بالمحلية‏,‏ فلقد عرفني العالم قبل أن يعرفني أحد في البحرين‏,‏ ولن يستطيع أحد أن يتصور مدي المشقة التي عانيناها لفتح منافذ للنشر علي العالم العربي‏.‏
ولقد عرفنا العريض ـ في مصر ـ من خلال كتاباته في العديد من مجلاتها الأدبية والثقافية والفكرية‏,‏ وبخاصة مجلة الرسالة التي أصدرها الأديب الكبير أحمد حسن الزيات في مستهل عام‏1933.‏ وأصبح العريض يمثل البحرين والخليج في الذاكرة الأدبية العربية‏,‏ كما مثل الزهاوي والرصافي والجواهري شاعرية العراق‏,‏ وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل شاعرية سوريا‏,‏ والأخطل الصغير بشارة الخوري وأمين نخلة وسعيد عقل شاعرية لبنان وأبو القاسم الشابي شاعرية تونس والتيجاني يوسف بشير شاعرية السودان والبهلاني والخليلي شاعرية عمان وهكذا واستمر إبراهيم العريض يمثل هذه الصورة الأدبية والفكرية من خلال دواوينه‏:‏ الذكري‏(1931),‏ وامعتصماه‏(1932),‏ عرائس‏(1946),‏ قبلتان‏(1948)‏ أرض الشهداء‏(1951),‏ شموع‏(1956),‏ ديوان العريض‏(‏ الأعمال الكاملة‏1979),‏ مذكرات شاعر‏(1983).‏ بالإضافة إلي كتاباته الأدبية والنقدية‏:‏ الأساليب الشعرية‏(1950),‏ الشعر والفنون الجميلة‏(1952),‏ الشعر وقضيته في الأدب الحديث‏(1955),‏ من الشعر الحديث‏:‏ مختارات‏(1958),‏ جولة في الشعر العربي المعاصر‏(1962),‏ فن المتنبي بعد ألف عام‏(1962)‏ رباعيات الخيام‏:‏ ترجمة‏(1966).‏
في كتابه مختارات من الشعر العربي المعاصر وكلام في الشعر يشير الباحث والمحقق الأدبي الكبير وديع فلسطين إلي الجهد الخارق الذي بذله إبراهيم العريض في تعلم اللغة العربية وقراءة كتب التراث ودواوين الشعر حتي ملك ناصية البيان العربي‏,‏ كما يشير إلي إتقانه فن الرسم بجانب اهتماماته الأدبية‏,‏ ولا يجد غير العريض ممثلا للإبداع الشعري في البحرين ـ بين خمسة وثلاثين شاعرا اختارهم وديع فلسطين ممثلين لكل أقطار الوطن العريض ـ متوقفا في هذه المختارات عند قصيدته متي التي يقول فيها‏:‏
تعالي إلي عهد وثيق من الهوي
نعيش عليه في الحياة كلانا
فلا يزدهي قلبي بشيء مؤثيل
إذا لم يصادف في فؤادك شانا
ونفرغ في كأس الأماني حبنا
فتسعي به ما بيننا شفتانا
ولا نلتقي إلا كما لفت الصبا
فروعا تفيأنا بهمة أمانا
ونختال في روض المحبة وحدنا
فلا يتغني طيرها لسوانا
وإن تعهدي يوما فؤادك خافقا
شعرت لقلبي مثله خفقانا
كأن الذي ينساب ملء كليهما
صبابة ما ساقي الغرام سقانا
وآنا نبكي كالطيور وجودنا
بلحن‏,‏ وكالأزهار نضحك آنا
فنسعد بعضا باشتراك سرورنا
ونسعد بعضا باشتراك أسانا
كذلك نحيا بالسواء‏,‏ وها فمي
ضمانا لعهد‏,‏ لو أردت لكانا
فعندئذ مالت إلي ببشرها
وملت‏,‏ وأنسينا الوجود كلانا
فأدنيت ثغري باشتياق لثغرها
فما افتر حتي قبلته حنانا
وقالت‏:‏ إذن هذا هو الحب‏,‏ قلت بل
هو الراح‏,‏ قالت‏:‏ فلنبل صدانا
ويعلق وديع فلسطين علي قصيدة متي للعريض بقوله‏:‏
هي أقصوصة حب جرت أحداثها بين الشاعر ومتي‏,‏ واين
تكن الأحداث مجرد محاضرة بليغة في أهمية تعاطي كؤوس الحب وفي سياق كهذا السياق‏,‏ لابد للغة الشاعر أن تكون شاعرية الإقناع‏,‏ عذبة الايقاع التماسا لبلوغ غايات الشاعر في تقبيل الثغر وتطويق الخصر وتلقين صاحبته فنون الحب‏,‏ وقد نجح الشاعر في خلق جو من جمال الطبيعة في هذه الأقصوصة الشعرية‏,‏ فتحدث عن الأزهار والخمائل والطيور والرياحين‏,‏ حتي لان له قلبها ومالت إليه انصياعا وراء عباراته الخلابة‏.‏
كما ينسج الناقد والباحث البحريني الدكتور إبراهيم غلوم في دراسته عن الشعر الحديث في البحرين‏:‏ التيار الذي لاينحني مكانا بارزا لإبراهيم العريض في إطار جيله من الرواد وهو يقول‏:‏ لقد دفع نضج الشعر في مرحلته الأولي ــ أواخر القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين ــ إلي طلوع شخصية مميزة للشعر الحديث في البحرين جعلته يتحول من مجرد حالة منعزلة في الطرف الشرقي من الوطن العربي إلي بريق صاعد يذخر مزيدا من التحولات التي ستثير دهشة المتتبع للخطاب الشعري في هذه المنطقة‏.‏ ولايثبت ذلك إلا أن يذكر اسم الشاعر إبراهيم العريض ثم يذكر عبدالرحمن المعاودة وأحمد محمد الخليفة وعبدالله الزائد ورضي الموسوي‏.‏ وهم الذين سيشكلون أول ما حدست به تجربة الشاعر الوائلي‏:‏ محمد بن عيسي الخليفة‏.‏ تجربة عميقة ومستمرة‏,‏ لم تتراجع هذه اللحظة‏,‏ وستتحول تلك الأصداء من مجرد خط من الماء إلي تيار يحتفل بالحياة ويعلن ارتهان الانسان بالطبيعة والجمال والخيال والرؤي وما وراء الواقع ستكون القصيدة ــ خاصة عند العريض وأحمد بن محمد الخليفة ــ حكاية متصلة لكيفية الوفاء للحلم وكيفية مقاومة الحياة بالحياة‏.‏
ثم يقول إبراهيم غلوم‏:‏ ويمكن الحديث طويلا عن تأثيرات عربية من مدرسة أبولو ومن شعراء كميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي في تجربة العريض وغيره‏,‏ لكن ذلك لاينبغي أن يعمي النظر عن ذلك الخيط الدقيق الذي كرسه الوائلي في روح التجربة الشعرية بعد أن ورثها العريض وأمثاله منذ الثلاثينيات وحتي فترة متأخرة من انتهاء المرحلة الرومانسية بزخمها الغنائي وتمردها الانساني وقلقها الوجودي‏.‏ ولعل النضج الحقيقي الذي كرسته التجربة الرومانسية هوأنها حملت أمشاج علاقتها بالعمق الخارجي ــ الرومانسية العربية وتأثير كولوريدج وغيره من شعراء الرومانسية الانجليزية ــ كما أنها اختزنت صلتها بالوهج الغنائي الأول الذي أوقدته تجربة الوائلي منذ بدايات القرن‏.‏ ولعل ذلك قد أودع في تجربة العريض شعورا خاصا بالاكتمال والمغايرة وجعله يسبغ علي كائناته المولهة بالحب والجمال فيضا تتمني أن ترتشف منه كل القلوب كما يقول‏:‏
كم آية لله في خلقه
مظهرها الحسن
يا من له قلب‏,‏ ألا فاسقه
من كأسنا نحن‏!‏
صورة إبراهيم العريض في كتابات النقاد والباحثين والدارسين أساسها أنه يمثل الأبوة الرومانسية المهيمنة‏,‏ وأن تجربته الشعرية مقلة بالانرياح نحو مخيلة نموذجية ترتقي بوظيفة الشعر وترتفع به عن مجرد الانشغال بالحياة الاجتماعية وتفاصيل الواقع وتستقر به في كون أشمل وأجمل وأكثر مثالية‏,‏ مهما يدفع الشاعر لذلك من ثمن البقاء في منظومة المجتمع والثقافة‏:‏ منفيا‏,‏ معارضا‏,‏ معتقلا‏,‏ مغتربا‏,‏ معذبا‏,‏ مقهورا‏,‏ مهمشا‏,‏ إلي آخره‏.‏
هذه الصورة واضحة في دراسة غلوم ــ كما تجسدها كلماته السابقة‏,‏ وفي كتابات نقاد كبار آخرين من أمثال رجاء النقاش والدكتور محمد جابر الأنصاري الذي يري في صمت العريض الطويل ــ خلال الزمن الأخير ــ إفصاحا عن المسكوت عنه وتعبيرا عن الرؤية والموقف ــ ومشاركة بهذا الصمت المعبر في الوخز والإدانة‏.‏
يقول في قصيدته بلبل في قفص‏:‏
بنيتي‏:‏ إن كنت لم تخرجي
إلي ضواحينا
فاتك في حاضرنا المبهج
أحوال ماضينا
أبصرتها خودا علي فقرها
كأنها الريحان في الآنية
ترفع ما تجني علي رأسها
حاسرة ــ رأد الضحي حافية
وسط نثار القمح تمشي به
في حقلها ضاحكة لاهية
فلو بدا للحسن في غيرها
ما اختارها إلا علي ماهية
قريرة العين بها تجتلي
من فرشه‏,‏ محتضنا واديه
والماء يجري تحتها سلسلا
ينفض برديه‏,‏ من الساقية
كم أنشد الطير علي بابها
بكل ما تشعره هانية
كأنما ينبع من قلبها
ما أنطق الله به شاديه
أغنية في الحب معسولة
لا الوزن يزريها ولا القافية
غانية‏,‏ قد زانها أنها
تنعم في الأسمال بالعافية
ولقد رحل إبراهيم العريض بعد موافقته بأيام قليلة علي تكريم مؤسسة البابطين له باعتباره الشاعر الكبير المتميز في دورتها التي ستقام ــ بالبحرين ــ في مستهل شهر أكتوبر القادم‏,‏ كما كرمت المؤسسة من قبل نازك الملائكة وفدوي طوقان وسليمان العيسي وسميح القاسم وغيرهم من كبار الشعراء‏,‏ وهي الدورة التي ستدور أبحاثها من حول الشاعرين ابن مقرب العيوني ــ شاعر البحرين والخليج في تراثنا العربي ــ وإبراهيم طوقان شاعر الثورة الفلسطينية في ثلاثينيات القرن الماضي‏,‏ وهو تكريم للعريض من شأنه أن يعيد لذاكرة الأجيال الجديدة الدور الرائد والتأسيسي لواحد من أعلام العروبة ومبدعيها الكبار‏,‏ تجاوز تأثيره دائرة البحرين والخليج‏,‏ كما أن رحيله عن أربعة وتسعين عاما من شأنه أنه يفتح الباب واسعا أمام قراءة جديدة لشعره ونقده وفكره‏,‏ تجدد وعينا بحجم الدور وعروبة المنطلق والرسالة‏.‏(عن "الاهرام" المصرية)