عبدالمنان خلباش
&

مازال الشاعر التركي نا ظم حكمت، يحيا في ذاكرة محبيه وعشاق أشعاره و مسرحياته و كتاباته. ويزداد هذا الاهتمام في هذه الأيام، كما جرى في العام الماضي، عندما تم الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لولادته وكذلك اعادة الاعتبار للشاعرالتركي الأكبر في القرن العشرين الذي حفر اسم الشعر التركي في سماء الأدب العالمي.
ان العمل على نزع وصمة "الخيانة العظمى"، وكذلك اعادة الجنسية التركية له بعد ان تم تجريده منها في عام 1959. واعتباره رسميا" من قبل ارفع المسؤلين الأتراك في الدولة والمجتمع من بينهم رئيس الوزراء بولند اجاويد بانه "قيمة ثقافية ووطنية" كان من شأنه أن أفتح المجال، أمام الأغلبية الساحقة من الشعب التركي، أن يتعرفو من جديد على جوانب هامة من حياة وأعمال شاعرهم الأكبر، الذي يقف الى جانب مصافي الشعراء العظام في العالم، طالما أن شاعرا" بحجم وقامة ناظم حكمت، قد شكل لعقود مديدة في الدولة والمجتمع، لغزا "خفيا" ومحيرا "رغم أنه عرف على الصعيد العالمي، وترجمت أشعاره و كتاباته الى أكثر من خمسين لغة في العالم، الا في تركيا وحدها حتى بعد سنين عديدة بعد رحيله في بلاد اللجو ء بعيدا" عن البلاد.
&
واستكمالا" للتعريف بناظم حكمت رسميا"و شعبيا" وبعد رفع كل القيود والحواجز قي هذا المجال، فقد تضمن الموسم الحالي الذي يقام حاليا" في تركيا في مجال احياء الشخصيات المشهورة والتي لها الأثر البارز على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والفنية... نشاطات مختلفة، منذ منتصف شباط (فبراير) الحالي حول ناظم حكمت ووضعه تحت الأضواء مجددا من خلال باليه "رأى الأزرق عملاقا"، من قبل باليه توركاي اردنير وهي التي تتمثل في كشف النقاب عن العالم الداخلي لناظم حكمت و استقراء محطات هامة من سيرته و وتجربته الادبية والانسانية سواء "عن معاناته داخل السجون والمعتقلات أو في بلاد اللجوء و الا غتراب، والتي تجلت في سمة أساسية وهي ظاهرة القلق في حياته و خاصة في علاقته مع المرأة والتي فسرها النقاد بحالة الهروب من الوحدة والعزلة لديه والتي كانت تؤرقه على الدوام. و"راى الأزرق عملاقا" "هو في الأساس قصيدة شعرية كجزء من سيرته الذاتية الشعرية الطويلة. والتي كتبها ل نوزيت هانم في برلين عام 1961. وعدا ذلك، يتم في هذا المضمارذ اته، في المدن و الأرياف التركية أيضا" تقديم الا شعار والدراسات والنقاشات والمسرحيات التي كتبها ناظم حكمت مثل "الجمجمة" و"فرهاد وشيرين" و"البقرة" و"بيت رجل ميت"، وسواها من اعمال تعتبر الأكثر اثارة وحساسية في منعطفا ت هامة من سيرته تشكل مثار اهتمام واسع. ولكن ما هي ابرز الأسرار التي تكتنف حياة هذا الشاعر الذي دفع اثمانا" باهظة نتيجة شهرته التي ضربت الآ فاق ومواقفه؟ وقضى على اثرها أغلب سنوات عمره بين جدران السجون و المعتقلات وبعيدا" عن بلاده حيث اللجوء والمنفى الى الحد أن "الأيدي الخفية" مازالت تتربص به وتحرمه من تحقيق انيته التي وردت في وصيته التي تركها وراءه وهو أن يحتضن عظامه في تراب الأناضول حيث قريته.
&ولد ناظم حكمت في "تسالونيكا" عا م 1902 في جو شاعري، والدته كانت فنانة ووالده كان في السلك الدبلوماسي وجده كان شاعرا". بدأ بكتابة الشعر. ونشر قصائده الأ ولى منذ عام 1919، وعمل في مهن مختلفة كمجلد كتب ومصحح وصحافي وكاتب اعمال سينمائية لاعالة أسرته المؤلفة من زوجته وطفله (محمد) ووالدته الأرملة وطفلة زوجته (رينان) من زوج غيره. أعتقل للمرة الأ ولى عام 1926 عندما كان يعمل في مجلة يسارية ولكن تمكن من الهرب قاصدا" موسكو وهناك كتب اشعارا" كثيرة يغلب الطابع الدعائي المباشر للأفكار السائدة آنذاك مع تأثير قوي لروح الأغنية الشعبية التركية، جعلت من تلك الأشعار تنتشر بين شرائح واسعة وأن يكون لها الصدى والانتشار. وهناك احتك مع شخصيات ادبية واجتماعية شهيرة مثل فلادمير مايكوفسكي وسواه. وبعد ان صدر العفو العام في تركيا رجع ثانية الى تركيا. وفي عام 1928 اعتقل ثانية بعد تلفيق تهمة ضده وهي لصق الملصقات اللاشرعية، ولعدم وجود أدلة كافية تم الافراج عنه واطلاق سراحه. ومن عام 1929 الى عام 1936 كتب نحو تسعة كتب منها خمس مجموعات شعرية واربعة ملاحم طويلة من بينها ملحمة "الشيخ بدر الدين" والتي تدور حول تمرد فلاحي، في القرن الخامس عشر الميلادي في مواجهة السلطنة العثمانية ذو محتوى اجتماعي. وسرعان ما انتشرت هذه الملحمة واحدثت اهتماما "واضحا" في الأوساط المختلفة، حيث تم اعتقاله على اثرها بتهمة تحريض القوات المسلحة نحو التمرد والثورة، وبموجب المحكمة التي تعرض لها، حوكم عليه بالسجن 28 عاما". بينما بقيت زوجته خديجة بيراية، تزوره من حين الى آخر حتى اطلاق سراحه. ويقول النقاد الاتراك، أن ما كتبه من رسائل الى زوجته خديجة بيراية والتي بلغت نحو 581 رسالة، تعتبر من أحسن رسائل العشق كرسائل الشاعر الفرنسي لويس آراغون الى اليسا. وكان قد جمعت رسائله في مجلدين بعد احتفظت بهما خديجة بيراية في صندوق خاص من خشب الجوز وتم نشرها بمساعدة الناقد محمد فؤاد. وفي فترة اعتقاله كان قد مر في ظروف صعبة للغاية، ومن ضمنها كان يتداول امر اعدامه والتخلص من تأثيره حتى بين جدران السجن. الا انه ظل يداوم الكتابة ولمرات عديدة تعرض لاعمال قاسية وكان يقوم باضراب عن الطعام لاسابيع عديدة وفي مرة، كان تجاوز اضرابه لمدة 18 يوما". واصيب بنوبات قلبية ولكن في نهاية المدة التي قضاها في السجن نال جائزة "السلام" الدولية وتشكلت في فرنسا لجنة للدفاع عنه والقيام بحملة لاطلاق سراحه التي ضمت اسماء من قبيل الرسام الا سباني بابلو بيكاسو والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر و غيرهم. ولكن بعد أن وصلت الى الحكم في "أنقرة" اول حكومة منتخبة في عام 1951، أطلق سراحه و كان ابتهج كثيرا" خاصة عندما رزق بأبنه محمد بعد ان بلغ نحو الخمسين من عمره. ولكنه ما إن أطلق سراحه بعد خمسة عشر عاما"، تعرض لتهديدات ومحاولات عديدة في اسطنبول لاغتياله و تصفيته. وهذا ما حمله لترك تركيا متجها" نحو بلغاريا بسفينة رومانية ومنها الى بولونيا وموسكو حيث حصل على حق اللجوء السياسي وبقي هناك الى آخر حياته. حيت حاولت زوجته الثانية جليلة منور اندايش اللحاق به فور وصوله الى موسكو ولكن السلطات في تركيا كانت قد سحبت منها أوراقها الخاصة وبذلك حرمت من اللحاق به مع طفله، الى ان استطاعت وبمساعدة مترجمة أشعار ناظم الى الايطالية جويس لوسي الوصول الى بولونيا، وكان ناظم حكمت أمن لها منزلا" ووظيفة. وعمل على اتمام الاجراءات بغية ايصالها الى موسكو. ولكنها كانت رفضت أن تلتحق به، مجرد أن سمعت، أنه تزوج من فتاة روسية تدعى فيرا. وبقيت في بولونيا الى رحيل ناظم حكمت في موسكو، بتاريخ 3حزيران/ يونيو/ 1963. بعدها تزوجت من كونت بولوني و ذهبت الى باريس، وبدأت بترجمة مؤلفات وأشعار ناظم حكمت الى الفرنسية وسواه مثل يشار كمال الروائي الشهير واورهان باموك كتعبير عن حبها له، الى ان توفيت في 16 أيار (مايو) 1997 ودفنت في مدينة بروفانس الفرنسية. بينما بقيت زوجة ناظم حكمت الأخرى خديجة بيراية على عهدها له، رغم انه أرسل خبر انفصالهما قبل خروجه من السجن، بعد أن انتظرته خمسة عشر عاما "عبر صديق مشترك، على وفائها له واحتفاظها بحبها لناظم حكمت، حيث أبت ان تتزوج من غيره طيلة حياتها والتي طالما كانت تقرا كثيرا" ما كان يكتب لها ناظم من السجن رسائل يقول فيها: "يا خديجتي، اذكريني فالحياة جميلة".
&
&
ثقافة إيلاف