أبو ظبي-إيلاف من عبد الناصر فيصل نهار: رغب الشيخ زايد بعد تولّيه الحكم في أبوظبي، رغبة قوية في استقرار البدو، فقد كان مقتنعاً بأنه مادام "اللاندروفر" يلبي حاجات الإنسان للنقل فإنه ليس للجِمال أي قيمة أخرى عدا الاستفادة من ألبانها.

كانت البدايات صعبة وشاقة، والتغيير لم يكن سهلاً، والتحول من النظام البدوي إلى الاستقرار لم يكن سهلاً كذلك، بل صادف مشاكل ومصاعب عدة، لقد تغلب الشيخ زايد على هذه المصاعب ووضع لها برنامجاً زمنياً وخطة عاجلة للقضاء عليها.
هذا ما تورده الدكتورة جايانتي مايترا في دراسة حديثة مهمة لها عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الوثائق البريطانية، ترجمتها عايدة خوري لصالح إدارة البحوث والترجمة والنشر بمركز الوثائق والبحوث بديوان رئيس الدولة.
وتناولت الدراسة التي صدرت بدعم من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان رئيس مكتب رئيس الدولة رئيس مركز الوثائق والبحوث، بمناسبة عيد الجلوس السابع والثلاثين لتولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، المفاصل الرئيسية والمحطات المهمة في مسيرة الشيخ زايد.
وتضمنت ثلاثة أجزاء، الجزء الأول منها تناول بدايات المسيرة وملحمة البناء من القبيلة إلى الدولة.
وتناول الثاني شؤون الخليج وجسور التعاون التي مدها رئيس الدولة مع الجيران، وتعزيز مكانة أبوظبي عربياً ودولياً وإقليمياً وفلسفة الشهامة في شخصية الشيخ زايد وجولاته في الإمارات المتصالحة الشمالية في منتصف الستينات لتعزيز روح التعاون والصداقة المتبادلة بينها، كما تناولت الدراسة زيارات رئيس الدولة إلى الدول العربية ومن أهمها زيارته التاريخية إلى العراق في العام 1969 والتي استمرت خمسة أيام.
أما الجزء الثالث من الدراسة فقد تناول دور الشيخ زايد السياسي في بدايات الستينات من القرن العشرين والاتفاقيات المبرمة بين أبو ظبي والحكومة البريطانية ورؤية زايد السياسية في بناء اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة .
وتوضح الدراسة التي نشرت بعض تفاصيلها صحيفة الاتحاد الخميس، أن مشكلات عدة واجهت الشيخ زايد لدى توليه زمام الحكم في أبو ظبي في السادس من أغسطس عام 1966م. وقد كانت تلبية توقعات شعبه التي دفعها ثراء النفط القادم، من تلك المشكلات التي ظلّت معلّقة فترة طويلة، ولكن هذه الصعاب لم تثن الحاكم الجديد عن وضع برنامج مكثّف وسريع لعملية التطوير والنمو التي أرادها لبلده، والتي قلّما عرف العالم بأسره مثيلاً لها. كانت الفكرة السائدة أنّ توليه السلطة سيعود على شعبه بفوائد كبيرة نابعة من مزاياه القيادية، ونجاحه في النواحي الإدارية عندما كان ممثّلاً للحاكم في العين مدة عشرين سنة.
ورغم أن الشيخ زايد كان عازماً على تحديث أبوظبي التي كانت حتى ذلك الوقت قبلية على نطاق واسع، إلا أنه أدرك تماماً أن تحديث الدولة سوف يثير مشكلات لا يمكن تجنّبها، فأراد منذ البداية الحفاظ على التراث والعادات القبلية التي كانت عزيزة جداً على قلبه مع إقامة مجتمع مدني متحضر في مدينة أبوظبي.
من ناحية أخرى كان يعلم حق العلم أنّ العمل على التقدّم سوف تكون نتيجته تدفّق العمالة الأجنبية مع مجموعة هائلة من المهاجرين غير الشرعيين، وهي مشكلة أراد منذ البداية أن يسيطر عليها ويحلّها.
ارتبطت مسألة التحديث السريع مباشرة بالخوف من تأثيره في محو أساليب الحياة البدوية التقليدية، وخلال رحلته التي قام بها مارتن س بكماستر في فبراير عام 1967م إلى المناطق الصحراوية في المنطقة الغربية من أبوظبي، والتي استغرقت أسبوعين ونصف، فرأى أنّ هذا الوضع لا ينطبق لحسن الحظ على بدو أبوظبي، إذ انطلق بكماستر من البريمي، وعبر مناطق الختم، والرملة الحمرا، وطف، وبينونة، وميجان، وصولاً إلى خور العديد، ومن هناك عاد إلى أبوظبي. وقد اهتمّ في رحلته أساساً بملاحظة أي تغيير ربما حصل في أسلوب حياة السكان في تلك الفترة، إلاّ أنّه شاهد في الحقيقة عكس الفكرة الشائعة حول تغير الحياة والظروف المختلفة تغيّراً كبيراً بتأثير الظروف المتحوّلة آنذاك.
وتبيّن مقارنة حقيقة الوضع العام ببعض الاعتقادات الخاطئة والشائعة آنذاك، منظوراً مهماً تجاه الأحوال المحلية وأساليب الحياة المتبعة، فالانطباع العام هو أنّ البدو عرق بائد، وأن القبليين كانوا يتدفقون من الصحراء نحو المدن، وأن طريقة حياتهم التقليدية كانت تنهار بسرعة تحت تأثير القرن العشرين، وأن الجمل سوف ينقرض قريباً كما حدث لطائر الدودو الكبير، وزادت دهشة بكماستر عندما شاهد عدد البيوت قرب الآبار التي زارها يوازي ما كانت عليه تقريباً في زياراته السابقة إلى المنطقة، وربما كانت في بعض الحالات أكثر من ذلك. ويعود الفضل في إمكانية تقدير دقيق تقريباً لمجموع عدد البدو في الصحراء وقتئذٍ إلى سخاء الشيخ زايد الذي وزّع الحصص الغذائية من الأرز، والدقيق، والبنّ على مضارب خيام البدو جميعاً في عيد الفطر، وفي الوقت نفسه لديه سجل أسماء رؤساء العائلات مع فروعها ومواقعها، ويمكن اعتبار ذلك أحد أقدم الإحصاءات التي قام بها الشيخ زايد لوضع صورة دقيقة ومتكاملة..
علّق بكماستر قائلاً: لم يبق عدد البدو على ما هو عليه أو ربما ازداد فحسب، بل إنّ الحياة البدوية ظلّت قوية كما كانت دائماً. ولم تُظهِر الرموز الأخلاقية والمعنوية للرمال أيَّ علامة من علامات الانقراض، فالعادات المتبقية في الضيافة أكثر سخاء وعطاءً من قبل، بسبب الأجور التي كان يتلقاها عدد كبير من البدو العاملين بشكل دوري في شركات النفط أو في مجالات أخرى. والأهم من ذلك كله استمرار رعاية وتربية الجمال بشكل مدهش وبأعداد كبيرة رغم انتشار وتكاثر سيارات اللاندروفر والطرق الصالحة لعبور السيارات. كان معظم الرجال تتراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين سنة كما هو متوقع في مواقع عملهم، ولكن فلسفة الصحراء جعلت معظم هؤلاء يظهرون غاية في الحماس والشوق للعودة إليها كلما تمكّنوا من ذلك. كذلك لمس بكماستر لدى كبار السن الذين وفّر أقرباؤهم لهم ما يكفي من المال لسداد حاجاتهم المعيشية تمسّكاً قوياً بأساليب المعيشة القديمة. وقلّما وجد بكماستر أي شخص بينهم خاصة على استعداد لاستبدال البيت، والبذور والمضخّة وثلاثين ديناراً كل شهر لثلاث سنوات بديلاً لقسوة الصحراء، وإن كان ذلك من الشيخ زايد نفسه.
رغب الشيخ زايد - بعد تولّيه الحكم بقليل في أبوظبي عام 1966م - رغبة قوية في استقرار البدو، فقد كان مقتنعاً بأنه مادام اللاندروفر يلبي حاجات الإنسان للنقل فإنه ليس للجِمال أي قيمة أخرى عدا الاستفادة من ألبانها، وكان مهتماً بما يتعرّض له البدو من قسوة المعيشة خاصة في سنوات قلة المطر، كما في العام 1967م، إذ رأى الحاكم أنّ ذلك لا يتناسب أبداً مع سكان إمارة غنية كأبوظبي، فكان أمله بإقامة تجمعات سكانية كبيرة غرب بينونة تقريباً. ورأى ضمن خطته التي باشرها، أن يحفر ثمانين بئراً غرب المرخية، كما تمّ التخطيط لإنشاء منطقة سكنية أخرى قرب بدع مغنّي شرق أبوظبي، ولكن الشيخ زايد أوضح تماماً أن رغبته لا تنحصر في إجبار البدو على القبول بهذا العرض، ومهما يكن فقد توقّع أن تتقدّم قبائل المزاريع، والهوامل، والقبيسات من بني ياس وغيرهم من الفروع المقيمة في ليوا للحصول على ذلك العرض، وأنّ المناصير الذين كانوا أقلّ ميلاً للتحرّك والانتقال، سوف يتبعونهم بعد ذلك بقليل.
لقد أدرك الحاكم أن عليه أن يسمح للبدو - حتى بعد الإقامة والاستقرار - بالإبقاء على جمالهم التي يمكن أن ترعى في الصحراء المجاورة. تلك ميزة من أقوى الميزات في شخصية الشيخ زايد؛ وهي المحافظة على القيم الواقعية والأساسية للعادات البدوية وسط مظاهر التحديث المغرية والزاهية.
كانت الصورة - منذ أكثر من ثلاثة عقود بقليل - مختلفة كلياً، فالتحوّل من النظام البدوي إلى نظام الاستقرار آنذاك، لم يمرّ دون مواجهة مشكلات تتعلق به، كان أهمها تأثير تدفّق المياه، ومدى ملاءمة نوعية التربة للزراعة، وقدرة القبليين على التحوّل خلال ثلاث سنوات إلى أصحاب أملاك يعتمدون على أنفسهم في إدارتها. وقد علم بكماستر أنّ الشيخ زايد استشار خبراء حول نوعية المياه التي أبدت للعيان رؤية واسعة ومدهشة في هذه المرحلة المبكرة، ورغم الحوافز المشجعة المعروضة كافة، ومهما كان حماس المقيمين فيها، فإنّ الضعف الرئيس في هذه الخطة يكمن كما أدركه بكماستر مسبقاً في عملية الانتقال المكثّف إلى ليوا أو البريمي في الصيف، عندما تصبح البيوت الحجرية الخالية من مراوح الهواء غير محتملة. برز موضوع مدة بقاء المضخات بالإضافة إلى ذلك إذ كان قد تعطلّ العديد من المضخات التي أرسلها الحاكم إلى الآبار الموجودة في الصحراء مسبقاً لعدم توافر الصيانة الصحيحة والمناسبة. وكدليل على ذلك، أشار بكماستر إلى ما شاهده في جولته عندما مرّ بإحدى هذه المضخات التي لم تعمل بشكل جيّد في أم الأشطان في بينونة، وقد وصف كيف كان البدوي القائم على تشغيلها، والذي ما عرف شيئاً عن الآلات، يحاول تشغيلها دون جدوى، بينما كان نحو أربعمائة جمل يعانون العطش، يدورون حوله بغضب! ولحسن الحظ أن السائق الخاص ببكماستر قد قدم لإنقاذ البدوي، وتمكّن في النهاية من إصلاح المضخة.
وبعد قراءته لتقرير مارتن بكماستر باهتمام شديد، وافق الوكيل السياسي في أبوظبي، أ ت لامب على وجهات نظره تماماً رغم اعتقاده أن من الأفضل أن يتخلّى الشيخ زايد عن مشروعه في توطين بينونة، كما لفت انتباهه إلى أهمية ليوا بعد أن تبيّن من فحص الآبار وجود كمية كبيرة من المياه العذبة وحيث يروق العيش للشعب فيها لقد انتهت أيام الحروب والغزوات في أبوظبي، ولهذا فإنّ الشعب يرغب في الظروف الحديثة بالتعايش السلمي. فكل ما يحتاجون إليه أساساً هو المضخات لآبارهم، وميكانيكي متنقل لفحص المضخات وصيانتها، وطبيب متجوّل، وبعض الترتيبات لتعليم أبنائهم، كذلك فالاعتناء الصحيح بمزارع النخيل الموجودة هناك، إضافة إلى تطوير مزارعهم الصغيرة، يعني أنه يفسح المجال أمام الشعب لتوفير حياة كريمة وراقية لهم في المنطقة التي كانت - كما وصفها الشيخ خالد بن سلطان شقيق الحاكم- قلب آل بو فلاح.
أدى التسابق إلى الثراء والعمل الذي كان متوقعاً من قبل كافة المعنيين، إلى جذب حشود هائلة من المهاجرين الذين بدأوا يتدفقون على أبوظبي الغنية بالنفط، وأدرك الشيخ زايد منذ البداية مدى أخطار مثل هذا الوضع، فعزم على تعزيز القوات المسلّحة، والشرطة لتوفير الحماية في تلك التغييرات التي باتت تهدّد الثبات والاستقرار، وكانت مشكلة الهجرة غير الشرعية موضوع مناقشة جادة في العين بين الشيخ زايد والمقيم السياسي عام 1969م.
وعندما رفع المقيم السياسي هذه القضية، أبلغه الشيخ زايد أنه قد نصح الشيخ راشد باحتجاز كافة المهاجرين غير الشرعيين، ومعاقبتهم وعدم التغاضي عن الدخول غير الشرعي من بعضهم. وقد اعتبر المقيم السياسي أن من المهم التحذير مسبقاً لكل من تسوّل له نفسه بالهجرة غير الشرعية ولن يحققوا أية فائدة من دخول أبوظبي، وتساءل ما إذا كان من الضروري إصدار بيان علني بهذا الشأن، وأنه يمكن استخدام محطة صوت الساحل لعدم التشجيع على الهجرة إلى أبوظبي للبحث عن وظائف.
أما الشيخ زايد فقد اعتقد أن العمل المشترك من هذا النوع بين سائر حكام إمارات الساحل المتصالح سوف يحقق فائدة كبرى على هذا الصعيد. وقد وافق المقيم السياسي على السعي إلى تحقيق وجهات نظر الشيخ راشد كخطوة أولى، وأضاف قائلاً: من الممكن أن يكون مجلس الإمارات المتصالحة المكان المناسب لأخذ هذا العمل المشترك بعين الاعتبار.. وقد أشار السيد بارهام في الشهر نفسه إلى أن دائرة العمل في أبوظبي قد بدأت بعمليات تفتيش فورية على الموظفين المحليين لمعرفة ما إذا كانوا يحملون تصاريح عمل أم لا.
ونتيجة لهذه العمليات تبيّن إبعاد ستين شخصاً من جنسيات مختلفة لا يحملون تصاريح عمل إلى دبي. كذلك وردت تقارير أخرى غير مؤكدة تفيد بأنّه قد طُرد نصف الموظفين العاملين في مشروع الميناء، وبعد شهرين من ذلك، أفاد السيد ريف أن بياناً صدر مؤخراً يطلب فيه من أصحاب العمل الذين ينوون الاستغناء عن خدمات الوافدين لديهم إعادتهم إلى بلدهم الأصلي، وكان هذا الإجراء الجديد يعني أنه لم يعد بإمكان أي وافد بعد ذلك الانتقال من وظيفة إلى أخرى في أبوظبي.
أشار السيد بارهام ثانية إلى وصول داوة تحمل على الأرجح مهاجرين غير شرعيين إلى شواطئ أبوظبي في 27 من يونيو عام 1969م، بعد قضاء بضعة أشهر على هذه الإجراءات التحذيرية. وقد نقل الشرطي الذي حاول حجز السفينة إلى نقطة قرب الحدود بين أبوظبي ودبي حيث أنزل هناك، ولدى دخول السفينة مياه دبي الإقليمية، توقفت طائرة تابعة لسلاح الجو في أبوظبي ومراكب خفر السواحل عن ملاحقة السفينة. ولكن رغم رغبة الحاكم الملحة في تعزيز خدمات الأمن هناك، فإنّ الحالة العامة في نهاية عام 1968م لم تكن واعدة، وفي تعليقاتهم على تقرير البريمي بتاريخ يونيو- ديسمبر 1968 ركّز مقرّ قيادة كشافة ساحل عمان معسكر المرقّب على ضرورة تحسين مستوى عمل شرطة أبوظبي إذا كان من الضروري السيطرة على موضوع الهجرة غير الشرعية. من ناحية أخرى ولحسن الحظ، ظهرت علامات التفاؤل إزاء الخبرة والمهارة التي جلبها الضباط الأردنيون معهم إلى شرطة أبوظبي بأنّه لا بدّ وأن يكون لها في النهاية تأثير في مدى الكفاءة العملية
وقد بقيت مشكلة العمالة الوافدة غير الشرعية دون حلّ حتى هذا التاريخ رغم التغييرات الجذرية التي حدثت على صعيد التقدم والتطور في الإمارات منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي، فهي تشكّل مشكلة رئيسة لدى حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد تفاقمت هذه المشكلة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وازدادت أبعادها مع ارتفاع معدّل دخل الفرد في البلاد، والذي وصل عام 2002 إلى نحو 20,000 دولار، وهو أحد أعلى معدلات الدخل في العالم.