&محمد السيد
&
&
اثبت السواد الأعظم من أبناء الشعب العراقي أهليتهم غير القابلة للتشكيك في أن يكونوا دعاة سلام وديمقراطية وتحضر رفيع بالمظاهرات التي انطلقت في الخامس عشر من شهر يناير الجاري تأييدا لدعوة أية الله السيستاني إجراء انتخابات مباشرة لنقل السلطة إلى العراقيين ورفض أي شكل من أشكال الفيدرالية القومية أو الجغرافية التي تهدد وحدة العراق.
وكان اللافت في هذه المظاهرات - التي لم تسلط عليها القنوات الفضائية العربية أضوائها لاختلافها مع ما هو مطلوب في تصور القائمين على تلك القنوات أنها كانت غاية في السلمية والهدوء الذي ذكر بالمظاهرات المليونية التي انطلقت بمناسبة اربعينة الإمام الحسين العام الماضي ومباشرة بعد سقوط صدام.
إن تجذّر مثل هذه المظاهر في العراق الجديد سيفوت الفرصة بلا شك على أعداء العراق وهم كثر الساعون إلى تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات والأخذ بالثارات على أمور تقوم على تصورات ومنطلقات طائفية وسياسية وتاريخية مريضة كانت ولازالت تعشش في أدمغة حكام دول الجوار العراقي.
كذلك فان تحلي مئات الآلاف من العراقيين المشاركين في مثل هذه التظاهرات بالهدوء والتعبير عن أرائهم بشكل حضاري يؤكد للمراقب المحايد حقائق عدة بينها:
1- إن العراقيين بدأوا يستعيدون عافيتهم السياسية بعد ما أصابهم من يأس وقنوط نتيجة السنوات العجاف من الحكم البائد الذي اهلك الحرث والنسل.
2- إن الشعب العراقي ورغم كل محاولات التدجين والتخريب التي تعرض لها خلال العقود الماضية ما زال يتحلى بصفاته النفسية التقليدية التي عرف بها بين أقرانه من شعوب المنطقة والعالم من الغيرة الأصيلة والتحضر الكافي لإقامة دولة تتجلى فيها كل أمثلة الحق والعدل والديمقراطية والتعددية وحسن الجوار لكل الجيران رغم كل ما أسلفوا.
3- إن هذا النوع من الممارسات السلمية تعزز الآمال بمستقبل زاهر لهذا الشعب الذي تمكن في وقت الغبش والتضليل الإعلامي المريع من التمييز بين القيادات الحقيقية وبين من يحاولون التسلق عبر قطار الأحداث المتسارعة للتسلط من جديد على مقدارت هذه الأمة.
4- أثبتت تلك المظاهرات بين ما أثبتت بان ضمير هذا الشعب لم يزل إسلاميا وان كل المحاولات الرامية إلى تمزيق هذا الوطن وإضعافه والفصل بينه وبين تاريخه وأصوله الدينية هي محاولات عبثية لا يمكنها إن تحقق أغراضها المشكوك في سلامتها ونزاهتها.
5- أثبتت تلك المظاهرات بان هذا الشعب لا يحتاج إلى وصاية من احد سواء أجنبي أو متشدق بقدرة سياسية لا يملكها أبناء هذا الشعب، بل انه اثبت بأنه متقدم في وعيه وتقديره للأمور المتسارعة بمسافة كبيرة ستؤدي بلا شك إلى تساقط العديد ممن يحاولون تحقيق مطامع شخصية من خلال التصدي للريادة ودون التدبر في خطورة الخطوات التي يراد تمريرها على مستقبل هذا البلد كالفيدرالية الجغرافية والقومية لقسم من أبناء العراق.
5- أفشلت المظاهرات التي شاركت فيها مختلف التيارات الشيعية مخطط تمزيق المؤسسة الدينية في العراق وإضعافها من خلال التأكيد على فروقات غير جوهرية في تحركات أقطاب التيارات الشيعية، فقد تجلى إن هناك أهدافا سامية يمكن لأتباع هذا التيار أو ذاك التعاون مع التيار الأخر من اجل تحقيقها.
6- أثبتت تلك المظاهرات أيضا بان الشعب العراقي لا يزال يمسك بزمام المبادرة وان لديه العديد من الأوراق التي يمكنه اللعب بها لتعديل الموقف الأمريكي باتجاه ما يتناسب وطموحاته ومصالحه القومية، مسقطا بذلك كل التقولات حول عدم إمكانية تغيير المخطط الأمريكي غير المعروف الأهداف والنوايا.
7- وأخيرا فان تلك المظاهرات وسعتها أثبتت بان الشعب العراقي لا زال يتحلى بصفات الريادة بالنسبة للشرق الأوسط وان احتمال تغيير مواقفه إزاء مشكلة الشرق الأوسط الأولى عملية صعبة للغاية فهناك ثوابت لا يمكن لهذا الشعب التخلي عنها وان لأسباب تكتيكية.
إن ما حدث في الخامس عشر من يناير يعد بلا شك منعطفا تاريخيا في التاريخ العراقي المعاصر وهو سيجبر المتصدين أجانب وعراقيين على الرضوخ لواقع الحال والقبول بهذا الشعب وبهذا الوطن بشكله الحالي وتغيير الكثير من القناعات التي بنيت على أسس غير صحيحة.
&وفيما كان اليأس يتسرب تدريجيا إلى بعض النفوس نتيجة التسارع المذهل للأحداث السياسية والاجتماعية في الآونة الأخيرة وزيادة التحديات التي يمكن أن تواجه العراقيين سيما فيما يتعلق بالملف الأمني جاءت هذه المظاهرات والموقف الصلب فيما يتعلق بعملية نقل السلطة لتعيد التوازن إلى الكثير من النفوس المخلصة.
وكان الشعور بان أية محاولة للمساهمة في الجهود المبذولة لتحسين الأوضاع في العراق ستكون محاولة فاشلة في زحمة ما يطرح وما يتم تبنيه من قبل مجلس الحكم دون الرجوع إلى الشعب ومعرفة تطلعاته ورأيه في مستقبله ومصيره.
إن المطلوب هو ما عكسته تلك المظاهرات والذي ينبغي أن يتحول إلى ثوابت خلال المرحلة الحالية حتى لا يتمكن احد من تنفيذ مخططاته التي قد تتعارض ومصالح هذا الشعب.
الوحدة الوطنية / مواصلة الضغط السلمي لتحقيق الأهداف/ والتأكيد على وحدة العراق أرضا وشعبا/ التمسك بالثوابت الثقافية والدينية كأساس لأي حكم مقبل في العراق / التأكيد على ضرورة الرجوع إلى صناديق الاقتراع لحسم أي خلاف / هي الثوابت التي ينبغي علينا التمسك بها في هذه المرحلة.
والمطلوب من مجلس الحكم الانتقالي التفكير بالصيغ العملية لتنفيذ هذه المطالب وتوفير الأرضية المناسبة لتحقيق هذه الأهداف وألا فانه سيرتكب حتما اخطاءا تاريخية لن يغفرها له الشعب.
لقد قلنا في موضوع سابق بان العراقيين - وبعد سقوط نظام صدام يحتاجون إلى زمن لاستعادة عافيتهم السياسية بعد تلك العقود الطويلة من الظلم والتسلط، كما اشرنا إلى أن استعادة العافية لمجتمع كالمجتمع العراقي تستدعي أولا دراسة تجربة الحكم التي خاضها حزب البعث بقيادة صدام للوقوف على الأسباب التي أدت إلى تمكن هذا النظام الدموي من البقاء كل هذه السنين.
واشرنا أيضا إلى إن جزءا هاما من عملية التعافي تكمن في إنزال العقوبات الملائمة بكافة من ساهموا بشكل أو بآخر في ترسيخ دعائم ذلك الحكم الدموي والأمر بحاجة إلى فتح مواقع على الانترنت ومعارض دولية للجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العراقي على مدى تلك السنين.
كذلك قلنا بان صدام تمكن ومن خلال برامج مدروسة وضعها له خبراء الشرق والغرب من خلق نماذج بشرية تعجز عن خلقها الهندسة الوراثية واللعب بالجينات.
إلى ذلك وما لم يتم إعادة تأهيل الفرد العراقي بإعادة مقومات الشخصية السوية لديه فان أي جهد في إعادة أعمار العراق سيكون جهدا ضائعا بلا شك والتاريخ القديم والحديث مليء بالشواهد على ما نقول.
عليه فان مسؤولية العراقيين المقيمين في المهجر دعم التحرك الداخلي واعتبار أبناء الشعب في الداخل هم القائد الذي ينبغي متابعة خطاه باعتباره المعني الأول والمتأثر المباشر بنتائج الممارسات التي قام بها النظام البائد وباعتبار انه اثبت خلال الأشهر القليلة الماضية تحليه بالوعي الكافي لممارسة دوره في إرساء دعائم النظام الجديد في العراق.
إن منطق الوصاية الذي يباشر به البعض تحركا ته في الداخل والخارج تثبت بما لا يقبل الشك بان البعض يعتقد بقدراته الخاصة في فهم اللعبة السياسية وعجز أبناء الشعب العراقي بمؤسساته الداخلية عن ذلك والحال إن الأشهر القليلة الماضية أثبتت عكس ذلك وكشفت عن عجز واضح لدى أولئك وامتلاء نفوسهم بالمئات من المقاصد والإغراض الشخصية التي تتعارض ومصالح الشعب العراقي.
المطلوب اليوم إقامة العديد من المنظمات غير الحكومية لحماية التجربة الديمقراطية في العراق ولدعم التحرك الداخلي ومحاصرة ذوي الإغراض والمقاصد للاستفادة من فرصة ذهبية إتاحتها التقاطعات الدولية بمجيء الأمريكان لإسقاط نظام صدام وإطلاق سراح الشعب العراقي الذي كان أسيرا لديه.
الدور المطلوب يتركز حول الكشف عن المخالفات ومراقبة تطبيق الديمقراطية الاستعداد للمرحلة المقبلة من خلال إعداد المناهج الدراسية ورفد الجامعات العراقية بالمصادر الدراسية الضرورية لها لمواصلة مسيرتها العلمية ودعم مشاريع إعادة الأعمار والبناء وغير ذلك كثير كي يتم التكامل المطلوب بين أبناء الداخل والخارج والله الموفق.
وإذا كنا نؤمن بالديمقراطية ونسعى إليها فليكن إيماننا بذلك أمرا عمليا بترك الشعب العراقي أو أغلبيته يختار تقرير مصيره بالطريقة التي يرتأيها وألا فان من المستحيل علينا إن نتمكن كشعب من بناء عراق حر جديد تكون الديمقراطية والتعددية والفهم الحضاري للحياة قيم سائدة فيه.
وسيصعب آنذاك علينا أن نفهم الخطورة التي يحملها مشروع الفيدرالية الجغرافية والقومية للأكراد الذين بدوا وكأنهم يقتصون من شعبهم الذي تعاطف معهم وحمل همهم وسيصعب علينا أن نفهم كيف أن هذه الفيدرالية هي المقدمة الحقيقية لتجزئة العراق.
سيصعب علينا أن نفهم لماذا ثار العداء فيما بيننا سنة وشيعة وأكراد وتركمان ومسيحيون بعد أن تمكنا من الحياة معا على هذه الأرض دهورا من الزمن.
سيصعب علينا أن نفهم الفرق بين مصلحة الفرد والمصالح العامة والفرق بين المال الخاص والمال العام وبين الوقت المخصص للشأن الشخصي والمخصص للعمل من اجل بناء هذا الوطن.
سيصعب علينا أن نفهم أن القيم العشائرية لم تكن أبدا لتغذية العداوة والبغضاء بين العشائر العراقية وإنما لتغذية الوحدة والتآلف بينها وجمعها في نسيج اجتماعي منسجم لتحقيق الأهداف الكبرى لهذا الوطن.
سيصعب علينا أن نفهم معنى الوطنية والديمقراطية والتعددية وتحمل رأي الأخر والفرق بين العدو والصديق والفرق بين الأمل واليأس وبين الغد الأفضل لا بناءنا.
سيصعب علينا أن نتصور كيفية إشعال شمعة بدلا من صب اللعنات على الظلام وسيصعب علينا بالنتيجة أن نطالب الأجانب بالرحيل عن أرضنا لأنهم إذا فعلوا فهي النهاية المأساوية لنا جميعا وهي الحرب الأهلية التي يتوقعها لنا غير المحبين من جيراننا والذين يحاولون منذ اليوم الأول لسقوط صدام صب الزيت على النار لإبقائها متأججة داخله وإبعادها عن بيوتهم وتيجانهم.
المطلوب من الجميع شيبا وشبانا عربا وكردا وتركمانا شماليين وجنوبيين أن يقفوا وقفة للتأمل في أحوالنا ومحاولة العودة إلى الذات والتفكير بما يمكن أن يقع أسوأ مما وقع حتى ألان علينا العودة إلى ذاتنا ومحاولة التفكير بعيدا عن الضغوط التي تفرضها الحاجة ولقمة العيش المطلوب توفيرها بكل السبل والوسائل.
مطلوب من كافة القيادات الدينية أن تفكر في أن الوقت قد حان للنزول إلى الساحة ومساعدة هذا الفرد المضطهد على مر السنين فقد منع العراقيون درهمهم وقفيزهم وضاقت بهم السبل وإذا لم تكن الأموال لتصرف في هذا الوقت فان عليهم أن يحرقوها ويتخلصوا من شرها.
على الأحزاب أن تفكر ولو لمرة واحدة بالأهداف الكبرى بدلا من تقديس الأفراد ومحاولة خلق أساطير جديدة، على الشخصيات السياسية أن تفكر بان موافقتها اليوم على مشروع بذاته أو رفضها له هو مسؤولية تاريخية لن تسقط عنهم فالأقلام تكتب والتاريخ محيط ويوم المسائلة قريب، قريب أكثر مما يتصورون.
علي المخلصين أن يشمروا عن سواعدهم للمساهمة في بناء الإنسان العراقي من جديد وإعادة تأهيله وتضميد جروحه وألا فان الطاولة ستنقلب على رؤوس الجميع والله اعلم.

صحفي مقيم في لندن
&
[email protected]