7/7 و الأخيرة

خطر واحتمالات التقسيم أو الإنفصال:

يخشى الكثيرون من خطر تقسيم العراق، وبرأيي هذا الخطر غير وارد إذ أن هناك عوامل عدة، داخلية و خارجية ستمنع مثل هذا التقسيم، إذ أن الخوف هذا يعتري السنة قبل غيرهم من أن ينفصل الإقليم الجنوبي للعراق في دولة شيعية تضم عددا من المحافظات التسع، وأن ينفصل إقليم كوردستان الشمالي ليضم محافظاته الثلاث.
هذه إحتمالات فقط، رغم أن الكثيرين من العراقيين ينادون بها سواء بسبب تعاطف و اندفاع فئوي طائفي و حماسي أو بسبب سوء فهم أو جهل أو حتى انسياق وراء شعارات يطلقها بعض المسيرين من الخارج، أقول أن مثل هذا الإنفصال لن يكون ممكناً للأسباب التالية و التي نأمل أن تمنع خطر التقسيم و لتحافظ على وحدة و سيادة أراضي العراق.

إقليم كوردستان: بالرغم من تشدد الزعيم مسعود بارزاني، و الذي أصبح الآن رئيساً لإقليم كوردستان، و تعصبه "أحياناً" للإنفصال، لكنه و الرئيس جلال طالباني من العقلاء و السياسيين المخضرمين في العراق و الذين يعون مخاطر مثل هذا الإنفصال، لكن يواجههم الآن الجيل الشاب الجديد الذي لم يعش تاريخ العراق و الذي برز فقط في ظل الحكم الذاتي الكوردستاني منذ عام 1991 وحتى الآن. هذا الجيل يطالب و بشدة بالإنفصال إذ لا يربطه شيء بالعراق سوى الذكريات المؤلمة مما يسمعه عن ظلم النظام العراقي السابق و اضطهاده للأكراد على مدى السنين، و معاناة الكبار و الآباء الذين تضرروا من تلك الفترة. ناهيك عن أن المستشارين الإسرائيليين في إقليم كوردستان هم من يغذوا فكرة الإنفصال وذلك فقط من أجل إثارة النعرة و التفرقة و التقسيم.

وصمام الآمان في هذا الموضوع كما ذكرنا هم الجيل الناضج أمثال مسعود بارزاني و جلال طالباني الذين يقدرون الموقف ويعون تبعات الإنفصال لو حدث.

من ناحية أخرى، فقد تم تشكيل مجلس الحكم (أو الحكومة) في العراق في الوضع الحالي بانتخاب جلال طالباني رئيساً للعراق (ورئيس الوزراء شيعي و رئيس الجمعية الوطنية سني)، وهذا برأيي سيمنع طرح فكرة أي انفصال، فهل من المنطق أن ينادي رئيس دولة بانفصال إقليم عن بلاده؟ كما أن موضوع انفصال إقليم كوردستان سيتطلب ضم منطقة كركوك من أجل تأمين مصادر النفط لهذا الإقليم المستقل. وهذا أيضاً ما سترفضه الدول المجاورة بالإضافة إلى الولايات المتحدة. أما إسرائيل فقد تلعب مثل هذه اللعبة و تشجع هذا الإنفصال بشرط واحد، ألا وهو إعادة إحياء خط أنابيب النفط بين كركوك و حيفا، لكن مثل هذا الخط سيمر في مناطق لا يمكن لإسرائيل حمايتها بسهولة.

من ناحية أخرى، مثل هذا الموضوع لن توافق عليه أي من الدول المعنية سواء كانت الولايات المتحدة أو تركيا أو إيران أو سوريا. فلا يمكن لأي من هذه الدول أن تفتح أبواب الإنفصال و تأسيس دولة قوية بجانبها وهي التي تضم أكراداً بين مواطنيها ينادون بحقوقهم المفقودة. ناهيك عن أن هذا الإقليم سيكون محصوراً بين أربع جدران عالية من القوى المعادية له و من السهل خنقه.
أما تركيا، فقد أعلنتها صراحة أنه إذا ما تشكلت دولة مستقلة في منطقة كوردستان فإنها ستتدخل عسكرياً، لذا يبدو من الأفضل أن يتعايش هذا الإقليم مع الجميع ليضمن حرية الحركة بسلام.

جنوب العراق: قد يخطر على بال أي شخص أن يفكر بأن الإقليم الأسهل انفصالاً و استقلالاًً هو جنوب العراق، فهو يتمتع بكافة عناصر نجاح مثل هذا المشروع: المساحات الواسعة، منافذ على البحر و البر، منابع للنفط و الموارد الطبيعية الأخرى، و من ثم جواره لإيران، وهي الدولة الشيعية الأكبر والتي ستقدم كل أشكال الدعم و العون من أجل النفاذ إلى غرب و جنوب ما بين النهرين لتتغلغل إلى ابعد من ذلك.

السؤال الذي يطرح الآن: هل من السهل للولايات المتحدة أن تتخلى عن حلم مشروعها في العراق لتسلمه بكل هذه السهولة إلى عدوها الأول:إيران؟ ثم باقي الدول المجاورة، هل ستسمح بإقامة مثل هذا المشروع بجانبها؟
ثم علينا أن لا ننسى إسرائيل وهي عنصر أساسي في كل اللعبة في العراق، فحتى لو قبلت ورضخت كل الدول لهذا المشروع، لن تسمح إسرائيل و لو بالقوة، بإقامة مثل هذه الدولة على مقربة منها، وهي التي ساعدت العراق و إيران خلال حربهما معاً من أجل إضعاف الدولتين و التخلص من قوتهما العسكرية و الأيديولوجية.
إسرائيل، التي وضعت خبرائها و مستشاريها في العراق و من خلال إقليم الشمال، هدفها الأساسي من ذلك مراقبة تحركات إيران عن كثب وخاصة داخل العراق، ولا ننسى أن أول محرك للطائفية و الفتنة في العراق هي إسرائيل، لكنها تعمل بالتخطيط للعمليات لتجد من السذج الأغبياء من ينفذ عملياتها تحت شعارات ينادي بها التكفيريون "الكفرة" و تحت تسميات قد تصل إلى "الجهاد" وهذا هو من أكبر الأخطار التي يبدو أن "بعض" العراقيين و العرب سقطوا فيه و للأسف.
من ناحية أخرى، يبدو من الأسلم للقيادة الإيرانية الجديدة في طهران أن تلعب سياساتها بهدوء و حذر أكثر فهي لديها من المشاكل مع الولايات المتحدة و المجتمع الأوروبي ما يكفي لإثارة فوهات النار عليها في أي لحظة و لن يكون في صالحها إثارة إسرائيل في هذه المرحلة.

إقليم الوسط: نعود مرة أخرى إلى موضوع العرب السنة الذين سقطوا و كما يبدو، مرة أخرى في شباك المغرضين ليبقوا منقسمين ممزقين دون قيادة. و بعد تمرير مشروع الدستور، على السنة أن يكونوا حذرين من عدم الوقوع في هوة عميقة و هم منساقون وراء بعض الشخصيات التي فرضت نفسها قيادة لهم و هي تقودهم إلى الهلاك. نتفق أن الحل الأمثل للسنة أن يصوتوا في الإنتخابات لخلق قيادة جديدة و تحالفات جديدة مع بعض القادة حتى ولو كانوا من العلمانيين أو الشيعة المعتدلين أو الأكراد، فهؤلاء هم ضمانتهم من سيطرة المتشددين دينياً وهذا هو وسيلة نفاذهم للمشاركة في السلطة من جديد.

إن أي تشارك في السلطة و تحالف بين العرب السنة و الأكراد و العلمانيين و المعتدلين من القوائم الأخرى لهو أفضل وسيلة من أجل خلق توازن جديد للحكم في العراق، و بحسبة بسيطة يمكن لهذا التحالف أن يحصل على نصف مقاعد الجمعية الوطنية القادمة مقابل نصف للتحالف المقابل. هذا التوازن سيفرض تشكيل حكومة لا يسيطر عليها طرف واحد بل جميع الأطراف معاً وسيمنع أي قيادة طائفية أو حككم من هذا القبيل.

الخلاصة:

من المؤسف القول، ولكن هذه حقيقة و أمر واقع الآن، أن ما يحصل في العراق الآن ينذر بحرب طائفية و اقتتال بين الأشقاء. فالأعمال الإرهابية أياً كان مصدرها و مخططوها و منفذوها تقود البلاد إلى هذه الحرب و الإقتتال. و البعض يسمح لنفسه بالقول أن الحرب الطائفية قد بدأت فعلاً وهي جمر يشتعل تحت الرماد و كل ما تحتاجه هو ريح خفيفة تذر الرماد و تشعل النار.

رغم أن العقلاء ينادون بالوعي من هذه المؤامرة و تفاديها وعدم السقوط في فخ الأعداء.

فقد طالب أية الله علي السيستاني الجميع وخاصة أبناء الشيعة بعدم الإنزلاق وراء العمليات الإرهابية التي تستهدف الشيعة و دعاهم إلى عدم الإنتقام. كما أن هيئة علماء المسلمين (السنة) أيضاً نددت و شجبت هذه الأعمال التي تستهدف الشيعة و السنة و المسيحيين وخاصة "إرهاب" رأس الشر و الكفر أبو مصعب الزرقاوي ومن يقودوه و يمولوه و يدعموه في زرع بذرة الفتنة و الطائفية و الإقتتال داخل البيت العراقي.

ويبقى الحل بالعمل العقلاني المتوازن و من خلال صناديق الإقتراع وليس من خلال المقاطعة و المعارضة و الإنكفاء على الذات وانتظار الفرج القادم من لا مكان. إذ في المرة القادمة و إذا عارضت فئة هذه الإنتخابات سيتحكم الإرهاب و العنف فيهم و سيستأصل بين ضعيفي الأنفس و فاقدي العقل و الحكمة، عندها سيكون من الصعب إعادة إغلاق عش الدبابير الذي سيفرخ و يفرخ ليبني أعشاشاً أخرى تمتد نارها إلى الدول المجاورة.


أما فيما يتعلق بمستقبل العراق و إعادة الإعمار، أو إعادة انتشار القوات الأمريكية و توزيع ثروات العراق و الحلقة القادمة من سلسلة الحروب المتوقعة "و للأسف" في المنطقة العربية، حيث الخيارات الآن مطروحة في اتجاهات ثلاث حول العراق. وهذا موضوع شائك آخر سأفرد له مقالات منفصلة قريباً.

وحمى الله العراق من كل شر، وندعو الله عز وجل أن تسود الحكمة و العقلانية و الإيمان لينصرف أبناء العراق إلى ما هو أهم من كل هذا ألا وهو إعادة الإعمار و بناء مستقبل أبناءهم و ازدهارهم.

الحلقة السادسة


أكثم التل
كاتب و صحفي أردني - مستقل
[email protected]