لم أختر مثل هذا العنوان الغريب على الأسماع لهذا المقال كي أثير عنصر المفاجأة والفضول في القراء تقليداً لبعض الكتاب البورجوازيين، إنما لأنبّه إلى أن الحركة الشيوعية وبعد أن تراجعت كل هذا التراجع خلال النصف الثاني من القرن العشرين أصبح لديها بعثيوها ؛ وهم ليسوا فقط أولئك الذين يناضلون اليوم " لبعث " الحركة الشيوعية كما كانت في الخمسينيات تتحكم بحركة التاريخ والمجتمعات البشرية بكل إتجاهاتها، بل هم قبل ذلك الذين ينتهجون نهج البعثيين في مقاربة مختلف المسائل على طريق التطور الإجتماعي. يطوفون كالنحل في الروض فيختاروا أزهى الأفكار وأكثرها جاذبية وينطلقوا منها لتشكيل الواقع على مثالها. يفشلون دائماً لكنهم لا يراجعون نهجهم المثالي ليجدوا أن كان عليهم أن يبدأوا من الواقع الذي بدوره يعكس الأفكار المناسبة لمقاربته، ليجدوا أن ما كان ينقصهم قليل من الواقعية.
قبل أيام طلب إلي أحد المنتديات الثقافية أن أتحدث بالمناسبة عن ثورة أكتوبر الإشتراكية 1917. وكان أن وجدت أحد الشيوعيين " البعثيين " يسبقني في الحديث عن المناسبة. سرّني حديثه عن أن ثورة أكتوبر لم تمت وأن آثارها ما زالت بادية للعيان في الحياة الدولية. لو توقف عند هذا الحد لأفلح، لكنه استرسل يتحدث عن " بعث " الحركة الشيوعية عن طريق إعتماد الديموقراطية التامة في عمل الأحزاب الشيوعية واستخلاص العبرة من التجربة التي انتهت بانهيار المشروع اللينيني بسبب دكتاتورية ستالين " الشيوعي حتى النخاع " كما وصفه ـ ولا أدري كيف لشيوعي " حتى النخاع " أن يكون دكتاتوراً !! ـ والأخ الشيوعي " البعثي " لم يقل لنا كيف ! لكنه شدد على وجوب نزع القدسية عن الماركسية كي يتم تطويرها وتحديثها !!

كنت بالمناسبة سأتحدث عن بعض الخصائص والوقائع المجهولة في إنتفاضة البلاشفة في 6/7 نوفمبر 1917 ـ وكنت قد نشرت بعضها في إيلاف 7 نوفمبر الحالي تحت عنوان " المجهول من ثورة أكتوبر ". غير أن حديث الرفيق الشيوعي سابقاً عن أسباب إنهيار المشروع اللينيني وعن فكرة الشيوعي اللاديموقراطي أثارني جـداً ودفع بي إلى التشـهير بشـعار " الديموقراطية " السيئ والكريه الذي إختبأ وراءه كل أعداء الإشتراكية ؛ وهؤلاء هم أنفسهم الذين جرّوا مشروع لينين إلى الإنهيار التام بعد أن كانوا بقيادة خروتشوف قد ورثوه عن ستالين في قمة النجاح. لم تبلغ الثورة الإشتراكية العالمية التي بدأها لينين في موسكو 1917 المستويات العليا التي بلغتها لدى رحيل ستالين 1953. في العام 1956 وقف زعيم هؤلاء القوالين بالديموقراطية يقول أن الثورة الإشتراكية ستتجاوز كل الصعاب الموروثة عن دكتاتورية ستالين عن طريق إشاعة الديموقراطية في أعمال الحزب والدولة. وما رأيناه من تطوير للثورة في تلك الفترة هو أن الإتحاد السوفياتي كان عام 1956 قادراً على إنذار بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ليرغمها على وقف عدوانها على مصر الذي كانت تحميه الولايات المتحدة من الخلف، أما في العام 1962 لم يكن قادراً على حماية سفنه التجارية المتجهة إلى كوبا وقد خضعت إلى التفتيش من قبل الجنود الأميركيين في المياه الدولية. الديموقراطية التي بشّر بها خروتشوف وصفق له يومئذٍ كل الشيوعيين الذين إرتدوا اليوم عن الشيوعية وأولئك الذين لم يعلنوا إرتدادهم بعد، تلك الديموقراطية الكاذبة إنقلبت بسحر ساحر إلى أسلحة ملأت العالم حتى باتت كل القبائل في كل القارات تتقاتل بأسلحة سوفياتية. أية إشتراكية هي تلك التي لا يعرفها العالم إلا من خلال السلاح ؟!! السلاح والإشتراكية لا يجتمعان في مكان واحد.

هؤلاء الذين يتحدثون اليوم بصوت عال عن دكتاتورية ستالين هم الذين كانوا قد صفقوا طويلاً وعالياً جداً لخروتشوف عام 1956، ويصعب عليهم اليوم أن يعترفوا بذلك الخطأ القاتل كيلا يفقدوا ما تبقى لهم من رصيد ثوري وقد فقدوه دون أن يعلموا. تحدث زعيمهم خروتشوف عام 56 عن وجوب نزع القدسية عن الماركسية ووجوب تطويرها لملاءمة العصر فكان مما جدده هذا الدّعي الجاهل إلغاء " دكتاتورية البروليتاريا " التي رآها ماركس في نقده لبرنامج (غوتا) ضرورة جوهرية لا غنى عنها لاستكمال الإشتراكية. كما ألغى الوحدة العضوية بين الثورة الإشتراكية والثورة الوطنية، تلك الوحدة التي رآها لينين بأهمية النصر الحاسم الذي حققته الثورة على أعدائها في الحرب الأهلية وحروب التدخل. ولتكريس تلك الوحدة أطلق لينين شعار " يا عمال العالم ويا شعوبه المضطهدة إتحدوا ". إستحقاقات الثورة الإشتراكية في خمسينيات القرن الماضي تركزت في استحقاقين رئيسيين أولهما تسعير الصراع الطبقي في المجتمع السوفياتي وقد صاغه ستالين عام 1952 بشعار " مع تقدم الإشتراكية يتعالى الصراع الطبقي " ؛ والإستحقاق الآخر يتمثل بتصليب الوحدة العضوية بين الثورة الإشتراكية والثورة الوطنية اللتين تستهدفان تفكيك النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي مرة واحدة وإلى الأبد. هذان الإستحقاقان عطلهما خروتشوف كما أسلفنا بادعاء نزع القدسية عن الماركسية من أجل تطويرها ؛ ولا يعني نزع القدسية إلا الذريعة للتحريف فكان أن أطلق ماوتسي تونغ على خروتشوف وجماعته صفة " التحريفيين ". خطاب خروتشوف هو ذات الخطاب الذي سمعه الحضور في تلك الندوة من رفيقنا المجدد للماركسية.

عجيب كم يبلغ الصلف في مثل هؤلاء القوم.. إنهار المعسكر الإشتراكي وأُلقيَ بشعوب العالم إلى مصير مظلم بقيادة هؤلاء " الديموقراطيين التحديثيين " دون أن يخزهم ضمير إن كان ما زال لديهم ضمير ! لنا أن نفترض أنهم قد تعلموا الدرس واتعظوا من سوء صنيعهم، وهو الأسوأ في التاريخ، وقد جروّا الثورة الإشتراكية والمعسكر الإشتراكي الجبار إلى الهاوية، لكن لا حياة فيمن تنادي وكأنهم الإنسان الآلي المبرمج !! نقول " كأنهم " ودخول الكاف منقصة كما رأى شاعر العرب الأكبر أبو الطيب المتنبي. فقد كان هؤلاء قبل خطاب خروتشوف في 25 فبراير 1956 بسويعات قليلة ماركسيين لينينيين ستالينيين لا يذكرون إسم ستالين إلا مع التعظيم مثلما يذكر المسلمون إسم النبي محمد مع الصلعمة، وعندما كنا ننتقدهم في ذلك كونه يشي بعبادة الشخصية الغريبة على ثقافة الشيوعية كانوا يردون بفعل غاضب ؛ ثم بعد الخطاب بسويعات قليلة أصبحوا هم أنفسهم يدينون ستالين بممارسة طقوس عبادة الشخصية التي كانوا يمارسونها هم ذاتهم، وليس ستالين، رغم انتقادنا المتكرر، وكبرت الإدانة لتصل إلى البيروقراطية فالدكتاتورية ولا تتوقف قبل أن تصل إلى التجريم بالقتل وحتى قتل الملايين. ما يشيطني غضباً هو أن أواجه مثل هؤلاء الروبوتات الذين يكررون تحريفات خروتشوف دون أدنى وعي منهم وبعد كل ما سببته تلك التحريفات من هزائم ماحقة على الجبهة الإشتراكية.

في مراجعتي اليوم لسقوط خروتشوف في مستنقع التحريفية الآسن 1954 ـ 1964 فإنني لا ألومه بمقدار ما ألوم هؤلاء القوم الأغبياء، هؤلاء الروبوتات. كان جنرالات الجيش الأحمر قد شكلوا بعد الإنتصار في الحرب العالمية الثانية مركز قوى تمكن من الإمساك بزمام السلطة بعد رحيل ستالين مباشرة. راهن هؤلاء الجنرالات على حصانهم القوي، خروتشوف، وأزاحوا مالينكوف عام 1954 لأنه طالب بتخفيض النفقات العسكرية ليضعوا خروتشوف في مركز القيادة بدلاً منه. ولجأ خروتشوف وهو العالم بلعبة الجنرالات إلى سحب البساط من تحت أقدام العسكر فاستخدم أسوأ الطرق وأخطرها ألا وهي تحريف الماركسية اللينينية بقصد تبريد مواقع التصادم مع الإمبريالية، التبريد الذي سيمكنه بالطبع من تخفيض الإنفاق العسكري. فنادى بالديموقراطية (الزائفة) وألغى دكتاتورية البروليتاريا كما ألغى الوحدة العضوية للثورة الإشتراكية والوطنية، ونادى بالتعايش السلمي وإطفاء بؤر التوتر وبسياسة الوفاق الدولي. إقترف كل هذه التحريفات التي عبثت بأسس الماركسية اللينينية وعندما سحب المكتب السياسي للحزب الثقة منه ولزم تنحيه عن القيادة في يونيوه 1957 قام بالتآمر مع الماريشال جوكوف بما يشبه الإنقلاب العسكري وأقصى من المكتب السياسي للحزب جميع البلاشفة، فورشيلوف، مولوتوف، مالينكوف، كاغانوفتش، بولغانين وشبيلوف. مقابل ذلك الإنقلاب الرجعي طالب العسكر بتقديم تنازلات موازية. فكان أن أعفى الماريشال جوكوف في اكتوبر 57 وجرده من كل وظائفه الحزبية والعسكرية ولم يكتفِ بذلك بل أخذ يطالب بقوة بتخفيض النفقات العسكرية إلى أن تمكن العسكر بمساعدة من صديقه بريجينيف (تاجر السلاح الكبير) من إزاحته دون سبب يذكر ـ التقدم بالعمر وكان عمره آنذاك 68 عاماً فقط.

روبوتات الخمسينيات صفقوا لتحريفات خروتشوف عالياً وطويلاً ولذلك يصعب عليهم اليوم الإعتراف بخطئهم القاتل خاصة وأن ذلك الخطأ قد انتهى إلى خطيئة كبرى لا تدانيها أي خطيئة أخرى عرفتها البشرية. وما يساعد هؤلاء على التمسك بأخطائهم وخطاياهم هو أن أحداً من خلفاء خروتشوف لم يكن ماركسياً لينينياً كما يقتضي الأمر بل كانوا من طينة جنرالات الجيش الذين جاءوا بهم جميعاً والذين ما زالوا يمسكون برقبة السلطة حتى اليوم وبعد إنهيار الدولة السوفياتية.

لن أجرؤ على القول بأن إصرار كل هؤلاء المنحرفين على رفض الإعتراف بأخطائهم رغم فداحتها مرده الأخلاق البورجوازية الوضيعة المتأصلة في نفوسهم لكنني لا أخشى الإدعاء بأنهم جميعاً يجهلون الكثير من الأسس الجوهرية في العلوم الماركسية. نعم الأخلاق البورجوازية تلعب دوراً رئيساً في الإنحراف عن مسار الثورة الإشتراكية لكن هذا الدور لا يتم بمعزل عن معامل هام مرافق وهو الجهل بأسس الماركسية اللينينية. ولما كانت الماركسية نظرية الحياة بامتياز فلا بد أن تكون هذه النظرية الشاملة معقدة كتعقيد الحياة ومن شأن هذا أن يزيد من وعورة طريقها في الحياة والإهتداء بمنارتها. السواد الأعظم من الشيوعيين بمن فيهم قادة أكثر الأحزاب الشيوعية عراقة يجهلون مفاصل هامة وأساسية في البنيان الماركسي وأهم تلك المفاصل : الدولة، الديموقراطية، الطبقة، الصراع الطبقي، دكتاتورية البروليتاريا وحتى الإشتراكية نفسها التي يظنها سواد الشيوعيين نظاماً كاملاً ومستقراً للإنتاج.. كيف يمكن لقائد شيوعي أن يقود طبقة البروليتاريا في صراع ضد الطبقات الأخرى وهو يجهل تماماً حدود الطبقة ؟!

بعد أن أشرت إلى الخلل الفاضح فيما قدمه زميلي المتكلم من أسباب لانهيار الإتحاد السوفياتي ونبهت بشكل خاص إلى أن الزميل الشيوعي سابقاً قد تجاهل كلياً السبب الرئيس، والوحيد في النهاية، للإنهيار ألا وهو الصراع الطبقي، قام الزميل يستهجن كل اعتبار لأي صراع طبقي في المجتمع السوفياتي !! لا يكفي هنا أن نستهجن مثل هذا الإستهجان بل لنا أن نستهجن كل استغراب لانهيار الإتحاد السوفياتي ؛ فقادته كانوا من هذه الطينة ولم يلغِ خروتشوف دولة دكتاتورية البروليتاريا وأحلّ محلها ما سماه " دولة الشعب كله " إلا بعد أن أنكر كل صراع طبقي في المجتمع السوفياتي. كيف يجروء هؤلاء الأغبياء على إنكار الصراع الطبقي متجاهلين إحدى القواعد الذهبية في الماركسية والتي تقول أن محرك التاريخ هو الصراع الطبقي. ألم يتحرك التاريخ ودفع بأقوى الدول في الأرض، الإتحاد السوفياتي، إلى الإنهيار ؟ ألم يقرأوا لينين الذي ظل يكرر على الدوام أن الإشتراكية إنما هي محو الطبقات ؟ وهل للطبقات أن تمحى دون صراع حتى النفس الأخير ؟ تكون المجتمع السوفياتي من ثلاث طبقات هي طبقة العمال وطبقة الفلاحين الكولخوزيين وطبقة الموظفين الإداريين الإنتلجنسيا. ناقشت قيادة الحزب عام 1950 إلغاء طبقة الفلاحين الكولخوزيين ولم تتوصل إلى قرار قاطع. ولا يمكن لهؤلاء الأغبياء أن ينكروا أنه كان يترتب على الحزب أن يضع برنامجاً يؤدي إلى إلغاء طبقتي الفلاحين والموظفين خلال النصف الثاني من القرن المنصرم. ما كان ليتم إلغاء طبقتين واسعتين من المجتمع السوفياتي دون أن تخوض البروليتاريا السوفياتية معركة صراع مرير ضدهما. الصراع الطبقي الذي نشب في المجتمع السوفياتي بين طبقاته الثلاث فيما بعد رحيل ستالين إنتهى بانتصار الطبقة الوسطى، طبقة الإنتلجنسيا، وهزيمة البروليتاريا وانهيار الإشتراكية.
جميع الشيوعيين الذين لم ينتقدوا موقفهم من تحريفات خروتشوف في الخمسينيات ما زالوا يصرون على أن إنهيار النظام الإشتراكي إنما كان بسبب البيروقراطية التي أسس لها ستالين في النظام الإشتراكي. أناس يتقولون بمثل هذه الأقوال ليسوا أكثر من أطفال في مقاربتهم للمسألة الديموقراطية. لم يكن ستالين بيروقراطياً أكثر مما كان ستالين بجانب الحقيقة. مفهوم الديموقراطية المبتذل المتفشي في أوساط المثقفين ليس له علاقة بالديموقراطية من قريب أو بعيد فنادراً ما تفرز صناديق الإقتراع نواب الشعب. أولئك الجالسون على مقاعد نواب الشعب في دول الغرب الديموقراطية لا يمثلون أكثر من 10 ـ 15% من الشعب طبقاً لأدق الحسابات. الديموقراطية ليست حكم نواب الشعب الذين لا ينيبهم الشعب في الغالب بل هي توفير الفضاء الرحب الذي يسمح للصراع الطبقي أن ينطلق بكل طاقاته المخزونة. القليل من السياسيين الذين يوافقون على فكرة الصراع الطبقي يعتقدون أن الصراع الطبقي هو حرب باردة غالباً وساخنة نادراً بين من يملكون من جهة ومن لا يملكون من جهة أخرى. مثل هذا الصراع ليس إلا ما يظهر منه على السطح والباقي أعظم ! ينقسم المجتمع إلى طبقات وشرائح مختلفة وفقاً لتقسيم العمل الإجتماعي بين هذه الطبقات والشرائح بحيث يكون لكل منها أسلوبه الخاص في الإنتاج. وتنال كل فئة من هذه الفئات من مردود الإنتاج بحسب ما أنتجت محسوباً بقيمته التبادلية. من هنا تتزاحم وتتصارع هذه الطبقات على حصتها من مردود العمل. هذا هو الجذر الذي ينبت منه الصراع الطبقي وهو ما يشير إلى أن كل صباح يتوجه فيه الناس إلى أعمالهم إنما يتوجهون للإشتراك في حرب خفية ضد الطبقات المغايرة.

إنني أدعو هؤلاء المنحرفين وأمثالهم إلى قراءة كتابي (أزمة الإشتراكية وانهيار الرأسمالية ) على الموقع..
www.geocities.com/fuadnimri01

فـؤاد النمري