کثيرا ما رددت مختلف قنوات الاعلام العربي البيت الشعري الشهير:
قتل امرء في غابة جريمة لاتغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
وقد کان الهدف دوما من إيراد هذا البيت الشعري هو الطعن بالموقف الغربي من قضية الشعب الفلسطيني، ولطلما قرأت المقالات التراجيدية و الحماسية التي کان الکتاب ينتقون بعناية الالفاظ الاقوى وقعا في النفوس والاکثر تأثيرا و إذکاءا للمشاعر کي يبينوا مظلومية ذلک الشعب و إجحاف الامبرياليين الغربيين! وبين سطور العديد من الکتابات السياسية و حتى الفکرية، کان الکتاب العرب يلمحون الى"واقع الجهل و الفقر و التخلف" الذي يساعد الغرب الامبريالي و ربيبته إسرائيل على إبقائه مسلطا على الوطن العربي. طوال ما يزيد على أربعة عقود من عمري، کنت أطالع الکثير من التحليلات التي تتهم الغرب و إسرائيل بالوقف ضد الوحدة العربية و العمل على عدم قيامه. وطوال کل السنوات المنصرمة السابقة، کان المنطق السائد في هذا الاعلام، هو منطق الفروسية الحماسية المغرقة في خيال رومانسي جارف يستمد قوته من قصائد المتنبي و أبو فراس الحمداني و أبو تمام، ويرى مثله الاعلى في المعتصم العباسي وهو يلبي نداء تلک المرأة العربية التي إستاثت به في مدينة العمورية من جند الروم. هذا المنطق الذي کان يصور الجندي العربي وکأنه صنديد مغوار مثال للقيم والاخلاق، لايعرف الهزيمة و لايتقبل الذل و الاستکانة، قد صور في ذات الوقت الطرف الاخر، وکأنهم شرذمة من شذاذي الآفاق و الجبناء الذين يجسدون کل المعاني السلبية في المفهوم الاخلاقي! هذا المنطق الذي کان يطغي على الاعلام العربي في العقود الخمس الاخيرة من الالفية السابقة، مازال مهيمنا عليه على الرغم من ظهور العديد من الاقلام الجسورة و الجريئة التي مزقت کفن هذا المنطق العائم في الافکار و المستجدي لمشاعر الناس وبدأت تتصدى بروح واقعية للکثير من المشاکل التي يعاني منها الواقع العربي. والحق أن هذا المنطق لم يستطع أبدا أن يجسد مفاهيمه على أرض الواقع بصورة عملية، غير إنه تمکن و بنجاح في إبقاء الشارع العربي يعيش في سراب هذا المنطق! هذا الجهل الذي يستشهدون به و يؤکدون على أنه من الاسلحة التي يستخدمها أعداء العروبة"بالطبع أمريکا و إسرائيل على رأس القائمة"، لماذا لايزال باقيا و طاغيا على الرغم من "إنجازات و إبداعات" کل تلک القيادات"الثورية" و "التقدمية" التي تتصدى ببسالة للمشروع الاستعماري ـ الصهيوني. أولئک الذين يستشيطون غضبا من التصدي للإرث العروبي الذي جسده البعض من القادة العرب، لماذا لايتکرمون بتوجيه سؤال بسيط الى أنفسهم، وهو لماذا لم يستطع أولئک القادة من القضاء على الجهل وماالذي کان يحول دون ذلک؟ لماذا لايتساءلون عن السبب في أن هناک أکثر35%أميا في طول و عرض البلاد الناطقة بالضاد وهل أن واشنطن و تل أبيب تمنعان بناء مدارس أو مراکز لمحو الامية؟ في إسرائيل يباع سنويا53 مليون کتابا، أما في البلدان العربية "مجتمعة"، فهذا الرقم بعيد و بعيدا جدا من رقمها المتواضع جدا جدا والذي لايتجاوز مئات الالاف في أحسن الاحوال! إن الغرب و حتى إسرائيل، تتلهف لظهور مجتمع عربي متعلم تقل فيه نسبة الجهل و الامية الى أبعد حد، وکذلک هم يتطلعون بشوق الى اليوم الذي يجدون في مجتمع عربي واقعي يستند في مفاهيمه على أرض الواقع و يکون الامر مسيرا من قبل النخبة المثقفة و الجديرة بالامر"کما هو الحال في الامم المتمدنة". لقد کذب أولئک القادة الذين زعموا طوال أکثر من نصف قرن أن هناک أعداءا من الامريکان و الصهاينة يحولون دون تقدم و وعي المجتمع العربي، وقد کان أکثر کذبا من هؤلاء القادة تلک الاقلام الصفراء الخاوية التي کانت تردد کالببغاوات مفاهيم ذلک المنطق الکسيح. ولعل من المفارقات التي تلفت نظر الانسان في منطق هذا الاعلام الموبوء بوهم "جنون العظمة"، هو تعاملها المثير للقرف مع الملفين الفلسطيني و العراقي، إذ حين يبث نبأ من الاراضي الفلسطينية عن قصف إسرائيلي تسبب في وقوع ضحايا مدنيين أبرياء، فيوصف الضحايا الفلسطينيون بالشهداء، أما في الحالة العراقية في مواجهة الارهاب السلفي ـ البعثي، وخصوصا حين يکون جل الضحايا من الاطفال، فإن الاعلام العربي يصف الضحايا بالقتلى! وكأنني أمام المنطق الالماني النازي في عهد أدولف هتلر، إذ کانوا يميزون حتى بين الالمان أنفسهم بمقاييس و حجج و ذرائع عرقية غريبة على المنطق الانساني، ولکن هنا في المنطقة، مقياس غريب جدا، هو مقياس منطق البداوة العربية الذي لايزال يهيمن على کل مفاصل الاعلام العربي والذي تقاس المسائل من خلاله بمکاييل لا علاقة لها إطلاقا لا بالعقل ولا بالضمير و لا بشئ إسمه الانسان!
[email protected]