لا خلاف على أن التعليم حق للجميع، و إنه ذخيرة الحاضر و المستقبل لأي إنسان، و إنه الثروة المولدة للثروات، و إنه لا ينضب أو يقل بالمشاركة، و لكن للأسف فإن حق الحصول عليه طبقا لشروط العدالة، و ذلك طبقا للوضع الحالي في مصر، أصبح مختلا إختلالا بين. حتى أصبح- من غير غبن للواقع الحالي - أن نقول بأن العدالة التعليمية في مصر غائبة بلا أدنى ريب.
فأول شروط العدالة التعليمية، أن يكون التعليم متاح لجميع أطفال الوطن، فيما يعرف بمجانية التعليم، حتى لا تكون القدرات المالية حاجزا بين الطفل و التعليم، و بخاصة في مرحلة الطفولة. و ذلك الحق يبدو للكثير في مصر على إنه مطبق، و يستطيع أن يتمتع به الجميع. و لكن هذا ظاهر الأمر أما باطنه أو واقعه، فيقول: إنه و إذا كان التعليم المجاني متوافر حقا، فإن الواقع يقول بأن الكثير من أبناء مصر لا يستطيعوا التمتع بهذا الحق، و إنه في نظرهم ترف لا يقدرون عليه. فهناك الكثير من الأسر المصرية التي لا ترسل أبنائها للمدارس أو لا تكمل تعليمهم لما بعد المراحل الأولى، و ذلك ليس إنكارا منها لأهمية التعليم، و لكن لعدم القدرة على وجود أفراد غير منتجين في الأسرة يتفرغون للدراسة، و ذلك لضيق ذات اليد.
ثاني شروط العدالة التعليمية هي النوعية، و في هذا الميدان أيضا نجد إختلال للعدالة التعليمية المصرية، فهناك التباين الفاضح في مستوى التعليم بين الريف و الحضر، و داخل الحضر بسبب الإختلافات الإجتماعية- الإقتصادية بين المدن المختلفة، و بين الأحياء المختلفة داخل المدن. و يزيد في إختلال العدالة الإجتماعية من حيث النوعية، تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية، وليدة حاجة المعلمين المادية و التي هي أيضا وليدة تردي الأوضاع الإقتصادية بمصر عموما. فأصبحت الأسر القادرة على الدفع هي الأسر الأوفر حظا في أن ينال أبنائها تعليم أفضل، و بالتالي فرص أفضل في الحياة. و أنا هنا لا أهدف إلى القضاء على التعليم الخاص، فهذا أيضا مجافي للعدالة، و لكن ما أرمي له هو العدالة في مستوى التعليم على نطاق جميع المدارس العامة في ريف مصر و حضرها، فيتلقى نفس المستوى من التعليم الطفل المقيم بالقرية و المدينة و بالحي الراقي و البسيط، و أيضا أن يحظى الطفل القادم من أسرة بسيطة مكافحة بنفس الفرص التعليمية التي يحظى بها الطفل القادم من أسرة أعلى قدرة إقتصادية، مادام الإثنين في نفس المرحلة التعليمية و يدرسان بمدرسة عامة مملوكة للدولة. أي يجب توفير حد أدنى من مستوى التعليم يكون مقبول و عادل و يناسب حاجات العصر و متوافر لجميع الأطفال بنفس المستوى دون شروط أو قيود.
ثالث أوجه العدالة التعليمية، هي إحترام الخصوصية و التنوع، فمن غير المقبول في بلد كمصر، متعدد الديانات و المذاهب، و متعدد الأعراق، أن يفرض على جميع أبنائه وجهة نظر واحدة دينية و ثقافية و تفرض فرضا، و لا فكاك منها لأن الطفل يجب أن يدرسها سواء في مدرسة خاصة أو عامة، مثل دروس اللغة العربية و التاريخ و الدين. فمن غير المقبول عدم إحترام وجود نسبة لا يستهان بها من الشعب المصري لا تدين بالإسلام، و يفرض على إبنائها و بناتها أن يدرسوا نصوص دينية إسلامية خالصة، مع العلم أن هذا القطاع من الشعب المصري، هو قطاع أصيل في نسيجه، و هو الأصل الذي إنبثق عنه جميع المصريين، أي ليس بوافد أو طارئ. فكما قد لا يقبل المسلم أن يدرس إبنه نصوص إنجيلية، فمن حق الأسرة المسيحية المصرية ألا يجبر أطفالها على إستظهار نصوص قرآنية على سبيل المثال و ليس الحصر. و بالمثل فمن غير المقبول تجاهل تاريخ حقبة تاريخية هامة إمتدت عدة قرون، هي الحقبة القبطية المسيحية، و يتم القفز فجأة من التاريخ الفرعوني إلى التاريخ الإسلامي، مع الإشارة لتلك الحقبة ببضعة أسطر قليلة، رغم إن تلك الحقبة ليست ملكا فقط للمسيحيين بل و لكل المصريين، و فيها الكثير من الأمثلة التاريخية على النضال الوطني المصري، في سبيل تأكيد الهوية المصرية و الوقوف أمام التسلط الروماني فالبيزنطي. والأمر لا يقف في هذا المجال على القطاع المسيحي، بل يتعداه إلى داخل القطاع المسلم الذي يشكل الأغلبية، فمن غير المقبول أن تقوم مناهج التاريخ و التربية الدينية الإسلامية بتعميم مذاهب معينة على كل الشعب المصري و النيل من مذاهب أخرى أو تجاهلها، فمن غير المقبول أن تقول مناهج التاريخ أن مذاهب أهل مصر هي المذاهب السنية الأربعة فقط، و كأننا في عصر الظاهر بيبرس الذي فرض على المصريين الخيار بين واحد من تلك الأربعة تحت تهديد القتل و المصادرة و النفي و السجن، فهناك من قابلتهم وجها لوجه من أهل صعيد مصر ممن هم من الشيعة، سواء زيدية أو جعفرية، فضلا عن معرفتي من مصادر لا أشك في صحتها بوجود شيعة إسماعيلية أغاخانية في صعيد مصر الأعلى، و أبناء تلك المذاهب أيضا هم مصريين أصلاء تشيعوا في العصر الفاطمي، مع قلة غير مصرية وفدت إلى مصر منذ اكثر من ألف عام، و أصبحوا بطول الإختلاط أيضا مصريين و تشهد على ذلك ملامحهم، ذلك القطاع الشيعي المصري الأصيل من حقه ألا يفرض على أطفاله مبادئ أهل السنة، و أن يدرس مناقب يزيد قاتل الحسين السبط، عليه السلام، أو أن يلقن صغاره أن مصر سنية، و أن صلاح الدين الأيوبي و الظاهر بيبرس قد إستأصلا البدعة، و لاحظ كلمة البدعة، الشيعية. و بالمثل مع المتصوفة فليس من العدالة أن يدرس أطفال الصوفية المصريين الذين كانوا يشكلون أغلبية المصريين منذ نصف قرن أو يزيد قليلا، أن معتقداتهم ما هي إلا خرافات و أباطيل.
فإذا إنتقلنا للخصوصيات العرقية، فإن من العدالة أن يدرس أبناء واحة سيوة من الأمازيغ اللغة الأمازيغية بجانب دروسهم الأخرى، و خاصة و أن اللغة الأمازيغية قد قفزت أساليب تدريسها قفزات هائلة على يد أمازيغ المغرب و الجزائر و ليبيا، و أصبحت أمازيغية نقية بعد أن أصبحت الغلبة لأنصار إستخدام الحرف الأمازيغي في مقابل أنصار الحرف اللاتيني. و أيضا من حق أبناء النوبة سواء في مهجرهم القسري بكوم أمبو أو بأماكن شتاتهم بالقاهرة و الأسكندرية و غيرها أن يدرس أبنائهم اللغة النوبية بجوار المناهج المعتادة، فهذا حقهم أن يدرسوا لغتهم الأم مثلما هو حق لأمازيغ سيوة، و أيضا حق للبجا في جنوب محافظة البحر الأحمر. بل هو أيضا واجب ثقافي مصري أن تحافظ الدولة على لغات عريقة تشكل كنز ثقافي مصر و أرث عالمي حي، لم يندثر بعد، و من الخطأ أن يندثر تحت سنابك التعميم و التوحيد القسري لمصر في قالب ثقافي و ديني معين مفروض.
العدالة تفرض على السلطات التعليمية المصرية إحترام الخصوصيات الثقافية و الدينية و غير ذلك من خصوصيات، في العملية التعليمية في مصر، فهذه أحد أوجه العدالة، فالعدالة التعليمية لا تنحصر في توفير مقعد دارسي لكل طفل، و لا في ضمان حد أدنى من مستوى الأداء التعليمي، و هما أمران نحن أبعد ما نكون عن تحقيقهم اليوم، بل و أيضا بإحترام الخصوصيات الدينية و المذهبية و اللغوية و العرقية و الثقافية لكل أبناء مصر، و هذا الإحترام سيدعم الترابط الوطني لا أن يمزقه كما يصور البعض، لأن عندما يشعر كل قطاع في مصر، سواء كان قطاع ديني أو مذهبي أو عرقي أو ثقافي، أن حقوقه مصانه و كرامته محفوظة و تراثة محترم و شخصيته لا تمس، فإن ذلك أدعى للسكينة، فلا سكينة و هناك و لو قطاع واحد، يشعر بالغبن و التهميش.
أحمد حسنين الحسنية
حزب كل مصر
فأول شروط العدالة التعليمية، أن يكون التعليم متاح لجميع أطفال الوطن، فيما يعرف بمجانية التعليم، حتى لا تكون القدرات المالية حاجزا بين الطفل و التعليم، و بخاصة في مرحلة الطفولة. و ذلك الحق يبدو للكثير في مصر على إنه مطبق، و يستطيع أن يتمتع به الجميع. و لكن هذا ظاهر الأمر أما باطنه أو واقعه، فيقول: إنه و إذا كان التعليم المجاني متوافر حقا، فإن الواقع يقول بأن الكثير من أبناء مصر لا يستطيعوا التمتع بهذا الحق، و إنه في نظرهم ترف لا يقدرون عليه. فهناك الكثير من الأسر المصرية التي لا ترسل أبنائها للمدارس أو لا تكمل تعليمهم لما بعد المراحل الأولى، و ذلك ليس إنكارا منها لأهمية التعليم، و لكن لعدم القدرة على وجود أفراد غير منتجين في الأسرة يتفرغون للدراسة، و ذلك لضيق ذات اليد.
ثاني شروط العدالة التعليمية هي النوعية، و في هذا الميدان أيضا نجد إختلال للعدالة التعليمية المصرية، فهناك التباين الفاضح في مستوى التعليم بين الريف و الحضر، و داخل الحضر بسبب الإختلافات الإجتماعية- الإقتصادية بين المدن المختلفة، و بين الأحياء المختلفة داخل المدن. و يزيد في إختلال العدالة الإجتماعية من حيث النوعية، تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية، وليدة حاجة المعلمين المادية و التي هي أيضا وليدة تردي الأوضاع الإقتصادية بمصر عموما. فأصبحت الأسر القادرة على الدفع هي الأسر الأوفر حظا في أن ينال أبنائها تعليم أفضل، و بالتالي فرص أفضل في الحياة. و أنا هنا لا أهدف إلى القضاء على التعليم الخاص، فهذا أيضا مجافي للعدالة، و لكن ما أرمي له هو العدالة في مستوى التعليم على نطاق جميع المدارس العامة في ريف مصر و حضرها، فيتلقى نفس المستوى من التعليم الطفل المقيم بالقرية و المدينة و بالحي الراقي و البسيط، و أيضا أن يحظى الطفل القادم من أسرة بسيطة مكافحة بنفس الفرص التعليمية التي يحظى بها الطفل القادم من أسرة أعلى قدرة إقتصادية، مادام الإثنين في نفس المرحلة التعليمية و يدرسان بمدرسة عامة مملوكة للدولة. أي يجب توفير حد أدنى من مستوى التعليم يكون مقبول و عادل و يناسب حاجات العصر و متوافر لجميع الأطفال بنفس المستوى دون شروط أو قيود.
ثالث أوجه العدالة التعليمية، هي إحترام الخصوصية و التنوع، فمن غير المقبول في بلد كمصر، متعدد الديانات و المذاهب، و متعدد الأعراق، أن يفرض على جميع أبنائه وجهة نظر واحدة دينية و ثقافية و تفرض فرضا، و لا فكاك منها لأن الطفل يجب أن يدرسها سواء في مدرسة خاصة أو عامة، مثل دروس اللغة العربية و التاريخ و الدين. فمن غير المقبول عدم إحترام وجود نسبة لا يستهان بها من الشعب المصري لا تدين بالإسلام، و يفرض على إبنائها و بناتها أن يدرسوا نصوص دينية إسلامية خالصة، مع العلم أن هذا القطاع من الشعب المصري، هو قطاع أصيل في نسيجه، و هو الأصل الذي إنبثق عنه جميع المصريين، أي ليس بوافد أو طارئ. فكما قد لا يقبل المسلم أن يدرس إبنه نصوص إنجيلية، فمن حق الأسرة المسيحية المصرية ألا يجبر أطفالها على إستظهار نصوص قرآنية على سبيل المثال و ليس الحصر. و بالمثل فمن غير المقبول تجاهل تاريخ حقبة تاريخية هامة إمتدت عدة قرون، هي الحقبة القبطية المسيحية، و يتم القفز فجأة من التاريخ الفرعوني إلى التاريخ الإسلامي، مع الإشارة لتلك الحقبة ببضعة أسطر قليلة، رغم إن تلك الحقبة ليست ملكا فقط للمسيحيين بل و لكل المصريين، و فيها الكثير من الأمثلة التاريخية على النضال الوطني المصري، في سبيل تأكيد الهوية المصرية و الوقوف أمام التسلط الروماني فالبيزنطي. والأمر لا يقف في هذا المجال على القطاع المسيحي، بل يتعداه إلى داخل القطاع المسلم الذي يشكل الأغلبية، فمن غير المقبول أن تقوم مناهج التاريخ و التربية الدينية الإسلامية بتعميم مذاهب معينة على كل الشعب المصري و النيل من مذاهب أخرى أو تجاهلها، فمن غير المقبول أن تقول مناهج التاريخ أن مذاهب أهل مصر هي المذاهب السنية الأربعة فقط، و كأننا في عصر الظاهر بيبرس الذي فرض على المصريين الخيار بين واحد من تلك الأربعة تحت تهديد القتل و المصادرة و النفي و السجن، فهناك من قابلتهم وجها لوجه من أهل صعيد مصر ممن هم من الشيعة، سواء زيدية أو جعفرية، فضلا عن معرفتي من مصادر لا أشك في صحتها بوجود شيعة إسماعيلية أغاخانية في صعيد مصر الأعلى، و أبناء تلك المذاهب أيضا هم مصريين أصلاء تشيعوا في العصر الفاطمي، مع قلة غير مصرية وفدت إلى مصر منذ اكثر من ألف عام، و أصبحوا بطول الإختلاط أيضا مصريين و تشهد على ذلك ملامحهم، ذلك القطاع الشيعي المصري الأصيل من حقه ألا يفرض على أطفاله مبادئ أهل السنة، و أن يدرس مناقب يزيد قاتل الحسين السبط، عليه السلام، أو أن يلقن صغاره أن مصر سنية، و أن صلاح الدين الأيوبي و الظاهر بيبرس قد إستأصلا البدعة، و لاحظ كلمة البدعة، الشيعية. و بالمثل مع المتصوفة فليس من العدالة أن يدرس أطفال الصوفية المصريين الذين كانوا يشكلون أغلبية المصريين منذ نصف قرن أو يزيد قليلا، أن معتقداتهم ما هي إلا خرافات و أباطيل.
فإذا إنتقلنا للخصوصيات العرقية، فإن من العدالة أن يدرس أبناء واحة سيوة من الأمازيغ اللغة الأمازيغية بجانب دروسهم الأخرى، و خاصة و أن اللغة الأمازيغية قد قفزت أساليب تدريسها قفزات هائلة على يد أمازيغ المغرب و الجزائر و ليبيا، و أصبحت أمازيغية نقية بعد أن أصبحت الغلبة لأنصار إستخدام الحرف الأمازيغي في مقابل أنصار الحرف اللاتيني. و أيضا من حق أبناء النوبة سواء في مهجرهم القسري بكوم أمبو أو بأماكن شتاتهم بالقاهرة و الأسكندرية و غيرها أن يدرس أبنائهم اللغة النوبية بجوار المناهج المعتادة، فهذا حقهم أن يدرسوا لغتهم الأم مثلما هو حق لأمازيغ سيوة، و أيضا حق للبجا في جنوب محافظة البحر الأحمر. بل هو أيضا واجب ثقافي مصري أن تحافظ الدولة على لغات عريقة تشكل كنز ثقافي مصر و أرث عالمي حي، لم يندثر بعد، و من الخطأ أن يندثر تحت سنابك التعميم و التوحيد القسري لمصر في قالب ثقافي و ديني معين مفروض.
العدالة تفرض على السلطات التعليمية المصرية إحترام الخصوصيات الثقافية و الدينية و غير ذلك من خصوصيات، في العملية التعليمية في مصر، فهذه أحد أوجه العدالة، فالعدالة التعليمية لا تنحصر في توفير مقعد دارسي لكل طفل، و لا في ضمان حد أدنى من مستوى الأداء التعليمي، و هما أمران نحن أبعد ما نكون عن تحقيقهم اليوم، بل و أيضا بإحترام الخصوصيات الدينية و المذهبية و اللغوية و العرقية و الثقافية لكل أبناء مصر، و هذا الإحترام سيدعم الترابط الوطني لا أن يمزقه كما يصور البعض، لأن عندما يشعر كل قطاع في مصر، سواء كان قطاع ديني أو مذهبي أو عرقي أو ثقافي، أن حقوقه مصانه و كرامته محفوظة و تراثة محترم و شخصيته لا تمس، فإن ذلك أدعى للسكينة، فلا سكينة و هناك و لو قطاع واحد، يشعر بالغبن و التهميش.
أحمد حسنين الحسنية
حزب كل مصر
