كلا، لا أقصد الحبة الزرقاء التى حازت الشهرة وصارت تستعمل أحيانا كإكرامية أو رشوة لمن يعطون أصواتهم الإنتخابية. الحبة الزرقاء التى أقصدها هى التى لعبت دورا هاما فى فيلم إسمه quot;الماتريكسquot;. الماتريكس فيلم لو خلصناه من الأكشن والضرب والرزع الذى حفل به لوجدناه يحتوى على فكرة فلسفية جديرة بالإهتمام. الفكرة هى أن أحد أبطال الفيلم وإسمه quot;مورفيوسquot; إنتقى شابا إسمه quot;نيوquot; واثقا فى أنه كفء لقيادة العالم للتخلص من الآلات الذكية التى إحتلته. وقد عرض مورفيوس الفكرة على نيو وخيره بين أن يعيش الحلم الذى توفره الآلات للبشر والذى يعيشونه كل حياتهم، وبين الحبة الحمراء التى من شأنها أن تفتح عينيه على الحقيقة كما هى بدون تزييف وغش وتزويق... يرى الأببنية والبشر كما هم فعلا وليس كما يهيؤ لجميع التبشر الذين يعيشون الوهم...
للقارىء العزيز أن يسائل نفسه ماذا لو أبلغه أحد أن الحياة التى يعيشها وكل إدراكه للواقع هو إدراك مغشوش وعبارة عن وهم، وعرض ذلك الشخص على القارىء أن يختار بين حبتين، الزرقاء تدعه يعيش ذلك الوهم على ما عرفه وظن أنه الحقيقة التى يستحيل فى رأيه أن تكون باطلا، وبين أخرى حمراء من شأن إبتلاعها أن تفتح عينه على واقع مغاير تماما هو الواقع الحقيقى!؟ الحبة الحمراء تجعله يدرك أن كل ما رآه ويراه فى الواقع هو وهم وكذب وتزييف، حتى وجوده ذاته هو فى الواقع ليس بالشكل الذى يبدو له وإنما هو وهم كاذب. كل علاقاته ومجتمعه وعمله ومعتقداته وهم فى وهم فى وهم!
السؤال بعبارة أخرى هل يتتبع أحدنا شكا ثار فى نفسه من أجل أن يستكشف الحقيقة ولو كانت صادمة؟ أم نكفى على الخبر ماجور ونعنف ونكفر من يتسائل ويشكك فى ما قضينا أعمارنا ونحن نظن أنه الحق الأبلج؟ باختصار هل نبتلع الحبة الزرقاء أم الحمراء؟ هل نفرغ عقولنا مما رواه لنا الرواة عن التاريخ ونبدأ فى قرائته قراءة محايدة مرة أخرى بدون أفكارا مسبقة عن عصمة لشخص أو ثقة فى مصدر؟ وهل نتحمل الحقيقة لو جاء بحثنا بما يخالف قناعاتنا؟ ماذا كان موقف أى منا لو كان من أهل قريش وقت الرسالة المحمدية؟ هل كنا نقبل بها ونترك ما وجدنا عليه أباؤنا، أم كنا نقف موقف أبا سفيان أو أبا جهل أو لربما خالد بن الوليد الذى قاد جيش الكفار فى غزوة أحد!
ولو كانت الإجابة هى لو كنا من أهل قريش لإتبعنا الدعوة الجديدة، فما الذى يمنع من مناقشة الدعاوى الجديدة ولنفترض الدعوة للبهائية كمثال فقط؟ وإذا كنا لا نتحمل مناقشة المفكر quot;الجابرىquot; أو أحمد صبحى منصور أو غالب حسن الشابندر فى أفكارهم أو أبحاثهم فكيف نحكم على أهل قريش وقت الدعوة المحمدية بالمعاندة، وماذا نطلق على أنفسنا فى موقفنا من هؤلاء المفكرين؟ المشكلة كما أراها ليست فى العامة من الأمة الذين تستحوذ الأمية على ستين فى المائة منهم، إنما هى فى المفكرين وقادة الرأى الذين يتعيشون على الأوهام المتمكنة من نفوس شعوبنا ويجدون فى إستمرارها إستمرارا لمصدر عيشهم وزعامتهم.
عادل حزين
نيويورك
