«الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما يجب عليهم أن يعانوه».
- ثوسيديدس
تُحاكي الخطوة الجريئة التي أقدم عليها الرئيس دونالد ترامب للتفاوض على صفقة لشراء غرينلاند من الدنمارك عمليةَ شراء الولايات المتحدة لألاسكا من روسيا عام 1867، وهي الصفقة التي سُخِر منها في حينه ووُصفت بـ«حماقة سيوارد» نسبةً إلى وزير الخارجية آنذاك ويليام سيوارد، لكنها تُعَدّ اليوم على نحوٍ شبه إجماعي مثالًا على عبقرية استشرافية بعيدة النظر. تلك الصفقة، التي بلغت قيمتها 7.2 ملايين دولار، فتحت الباب أمام موارد طبيعية هائلة ورسّخت هيمنة جيوسياسية دائمة. واليوم، توفّر احتياطات غرينلاند الشاسعة من المعادن النادرة، ومسارات الشحن العابرة للقطب الشمالي التي بدأت تنفتح بفعل ذوبان الجليد، وموقعها الاستراتيجي الحاكم، مزايا لا تقل عمقًا، إذ تسهم في عرقلة الهيمنة الروسية والصينية على الجبهة الشمالية، وتعزيز الجناح القطبي الهش لحلف شمال الأطلسي.
لا تزال أميركا الضامنَ الذي لا يُنازع للدفاع الغربي، إذ تنظر إلى الاستثمار العسكري القوي على أنه عنصر أساسي للحرية والأمن. أما الأوروبيون، فعلى النقيض، فقد تعاملوا تاريخيًا مع الإنفاق الدفاعي المستدام باعتباره مقايضة مؤلمة مع أولويات دولة الرفاه الاجتماعي، بالرغم من أن تعهّدات حلف شمال الأطلسي الأخيرة بالوصول إلى ما بين 3.5 و5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي تشير إلى تحوّل متأخر. غير أن هذه الذهنية الراسخة تركت أوروبا مكشوفة أمام مواطن ضعف صنعتها بنفسها، من هشاشة الاستقلال في مجال الطاقة في ظل الإلغاء التدريجي للغاز والنفط الروسيين، والمستهدف بلوغ القطع الكامل بحلول عام 2027، إلى تسارع نزع التصنيع بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة العالمية، وتنامي نزعات سلطوية متخفية وراء تنظيم «خطاب الكراهية»، وسياسات حدود مفتوحة مخلخِلة ثقافيًا ومثقلة اقتصاديًا، فضلًا عن عجز مزمن في الجاهزية والتدريب والاستدامة اللوجستية داخل حلف شمال الأطلسي بالرغم من زيادة الموازنات.
تنفق الدنمارك، صاحبة السيادة على غرينلاند، نحو 1.4 بالمئة فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وتعتمد اعتمادًا كبيرًا على القدرات الأميركية في العمليات القطبية. هذا الردع الأوروبي المتفاوت يفتح الباب أمام عدوان قوى معادية، ما يجعل القيادة الأميركية ضرورة لا غنى عنها.
إنَّ استحواذًا أميركيًا يتم التفاوض عليه، مع تقديم مليارات الدولارات تعويضًا، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية، ومنافع اقتصادية مستدامة، وضمانات قوية للحكم الذاتي لسكان غرينلاند البالغ عددهم 57 ألف نسمة، سيوازي بسلاسة عملية نقل ألاسكا عام 1867. كما سيخفف أعباء الدفاع عن أوروبا، ويحرّر الموارد اللازمة لتحقيق الهدف المتفق عليه مؤخرًا داخل حلف شمال الأطلسي، والقاضي بالوصول إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، في حين تتولى الولايات المتحدة مسؤولية تأمين هذه النقطة القطبية الحيوية عبر تعزيز الدفاعات وإقامة قواعد مخصّصة للمراقبة الدائمة، والردع الموثوق، وقدرات الاستجابة السريعة.
يصرخ المنتقدون متهمين ذلك بالإمبريالية، لكن التاريخ يروي قصة مختلفة. فشبكة القواعد الأميركية العالمية، من دييغو غارسيا في المحيط الهندي إلى كادينا في اليابان، وميلدنهول وفاسلين في المملكة المتحدة، وروتا في إسبانيا، ورامشتاين في ألمانيا، وأفيانو وسيغونيلا في إيطاليا، وسودا باي في اليونان، قد وفّرت أمنًا واستقرارًا دائمين للحلفاء، ولم تكن يومًا أداة إخضاع.
إنَّ الاستحواذ على غرينلاند ليس غزوًا، بل ممارسة استراتيجية حصيفة بعيدة النظر في زمن تصاعد التهديدات السلطوية. فبينما توسّع الصين أسطول كاسحات الجليد لديها بعدوانية وتعمّق انتشارها في القطب الشمالي، وتعمل روسيا على تحصين بصمتها العسكرية الواسعة في أقصى الشمال، تصبح الخطوات الجريئة والحاسمة ضرورة ملحّة، تفوق بكثير المشاحنات السياسية غير المسؤولة أو الحذر المالي القصير النظر.
قد تثبت مبادرة ترامب أنها، على المدى البعيد، لا تقل حكمة عن صفقة ألاسكا، إذ تؤمّن القطب الشمالي، وتعزّز الردع داخل التحالفات، وتؤكّد الدور الحيوي لأميركا. ففي أزمنة عدم اليقين، تحمي القرارات الجريئة ذات الرؤية، لا القيود المترددة، الحريةَ لأجيال قادمة.
القائد ديميتريس غرايمز هو قائد سابق في البحرية الأميركية، حاصل على أوسمة قتالية، وطيّار ودبلوماسي. شغل منصب الملحق البحري الأميركي في إسرائيل واليونان، ونائب قائد القاعدة الأميركية في كريت، وزميل تنفيذي لوزير الدفاع، ومستشارًا لقائد البحرية في حلف شمال الأطلسي في لندن، المملكة المتحدة.

