في الستينات كانت من عادة الإذاعة والتلفزيون في العراق أن تعقب كل نشرة أخبار يومية ببث نشيد وطني حماسي تلهب مشاعر الشباب والفتيان وتجعلهم مشاريع دائمة للإستشهاد من أجل الوطن.وكانت تلك الأناشيد معظمها تعبوية تشحذ همم الشباب العربي للجهاد وتدعوهم الى النزول لسوح الحرب مع الصهيونية والأمبريالية والرجعية. فكانت الإذاعات تصدح صباحا مساء بأناشيد مثل (الله أكبر فوق كيد المعتدي)و(لاحت رؤوس الحراب هيا فتوة للجهاد) و(أصبح عندي الآن بندقية الى فلسطين خذوني معكم) لأرمي اسرائيل في البحر. وصدحت حناجر المطربين وتعورت من كثرة الصياح، ولكن لا الصهيونية زالت ولا الإمبريالية إنهارت ولا إسرائيل غرقت في البحر،وإنعكست الآية،فأصبحت الصهيونية في أوج قوتها وجبروتها يتنازل العرب اليوم حتى عن يشماغهم ودشاديشهم ليفرشوها تحت أقدام الصهاينة ويستجدون عطف شارون ونتانياهو لقبول مكوث إخوانهم على أشبار من الأرض العربية السليبة.
| لخمسين سنة مضت والقنوات الحكومية تبث الأناشيد الوطنية الحماسية التي لا تحرك حتى أوراق الشجر بضجيجها وصيحاتها المدوية، فيما تهز رقصة من رقصات المطربة روبي الحلوة جميع أعضاء الشباب بلحظة إطلالة واحدة!! |
وبدل سقوط الإمبريالية العالمية والمعسكر الرأسمالي، إنهار المعسكر الإشتراكي وتداعت قلعة الثوار الإتحاد السوفيتي الذي كان يوما ما كعبة الأحرار في العالم و أريقت تحت نجماتها الحمراء دماء الملايين من البشر، فتحولت من دولة إشتراكية عظمى الى دولة تحكمها مافيات،يستجدي شعبها الخبز الشعير.
ولم يستطع العرب الذين تغنى شاعرهم بإمتلاكهم البندقية من رمي إسرائيل في البحر رغم إمتلاكهم الصواريخ والطائرات المقاتلة.
وفي العراق تحولت تلك الأناشيد الوطنية من حب الوطن وشحذ الهمم الى تمجيد الحزب الحاكم وقائده الأوحد، فخرجت موضة جديدة من الأناشيد مثل( هلهولة للبعث الصامد) تحولت في السنوات اللاحقة الى أناشيد خاصة بحب القائد وتمجيده مثل( تسلم تسلم يا ريسنا ويا قائدنا) و(بالروح بالدم نفديك يا صدام).فتأله صدام جراء ذلك الحب الجماهيري اللاهب،فأسقط شعبه في هاوية سحيقة ما زلنا نعاني من آثاره رغم إنزواء هذا الطاغية الذي لم يجد من يفديه بالدم ساعة المواجهة الحقيقية في ركن من سجن مطار بغداد.
في الألفية الثالثة للميلاد هناك البعض ممن يأكلون الحلاوة برؤوس البعض،وهذه المرة بالإستفادة من التكنولوجيا العصرية.وتحديدا الفضائيات، فهناك فضائية عربية تعيد نفس الإسطوانة السابقة بعرض نشيد وطني عقب كل نشرة خبرية. هذه القناة التي تبث برامحها من دولة غربية قصية توهم بعض السذج من بلد مبتلى بالدكتاتورية بأناشيدها ا(ألوطنية!!) أن الغد المشرق بات قريبا، وأن الجماهير العربية في تلك الدولة تنتظر بحماس بالغ عودة المهدي المنتظر من لندن، بل وتدعي أن هناك جهات قومية تدعو هذا المهدي الى الإسراع للذهاب الى ذلك البلد وإنقاذه من حكم اسرة هو أحد أركانها الأساسية.
فضائية عصر الخمسينات هذه التي يعمل فيها عدد من المتقاعدين(المحاليين على المعاش) من جنسيات عربية مختلفة، تريد أن تحرر بلدا من دكتاتورية جاثمة على صدره منذ أكثر من أربعين سنة بالاعتماد على بعض الأناشيد الوطنية وعدد من البرامج التي يعدها هؤلاء المتقاعدين ناسية ومتناسية أن هؤلاء لو كان فيهم خير وهم قد امتلئوا في شبابهم في الخمسينات والستينات همة وحماسا، لقاموا بتحرير الشعوب العربية وبناء صرح الوحدة العربية المنشودة من المحيط الى الخليج كما تتطلع اليه القناة الفضائية اليوم، لا أن يأتوا في الألفية الثالثة يروجون لأفكار أكل عليها الزمن وشرب منها حتى الثمالة، ويقبضوا لقاء تلك البرامج الكثير من الدولارات بوضع (الكلاو) على رأس مالك تلك القناة.(وضع الكلاو-غطاء الرأس- باللهجة العراقية على رأس أحد ما، يعني خدع هذا الشخص وإبتزازه،ويقول المصريون في ذلك( يأكل برأسه حلاوة) ولا أدري المثل المقارن لذلك المثل باللهجة الشامية.
ولا أدري الى متى يظل هؤلاء متمسكين بتلابيب الماضي، هذا الماضي الذي لم نجد فيه لا بطولات ولا حتى عنتريات تروى في المجالس الشعبية، فيما يمتليء التاريخ المعاصر بالكثير الكثير من الخيبات والإخفاقات.
ففي الأربعينات كان العرب يملكون نصف فلسطين، وكانت هناك دعوات مخلصة لتقاسم فلسطين بين العرب واليهود، فأبى العرب الا المقاومة وهي التي حققت لهم في النهاية تسوية على أشبار من الأرض في غزة وأريحا. ومن بين أربعة حروب مع إسرائيل لم يحقق أصحاب الأناشيد الوطنية الحماسية سوى إنتصارات محدودة في حرب تشرين، ولكنهم سرعان ما وضعوها تحت قدمي هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الحين.
منذ الخمسينات وهي حقبة الأناشيد الوطنية الحماسية التي تدعو الى الجهاد لتحرير الأرض العربية،والحكام العرب يمعنون قتلا وفتكا بشعوبهم ويكمون الأفواه تحت شعار مقاومة الصهيونية والأمبريالية، ولا يفتحون أي نافذة أو حتى كوة على الديمقراطية ويعتبرونها شيئا ثانويا طالما أن هناك قضية مركزية يناضلون من أجلها وهي قضية فلسطين الكبرى.
منذ خمسين سنة والإخفاقات تتتالى على المنطقة بسبب تلك العقليات المتخلفة المنغلقة التي سادت في الخمسينات والستينات بين أوساط المؤمنين بدور النشيد الوطني لإلهاب مشاعر الشباب وبترويج شعارات واهية وخادعة تتستر وراء تحرير الأرض السليبة، وتأتي فضائية المتقاعدين في الألفية الثالثة لتعيد علينا عزف الأناشيد الوطنية لشحذ الهمم وتعبئة الجماهير لـ(تحرير!) دولة عربية ربع أراضيها محتلة من اسرائيل!!.فالى متى يبقى هؤلاء يحنون الى ماضيهم التي تخلو من الأمجاد والبطولات الزائفة، ولا يعيشون واقعهم اليومي المعاش في منطقة لا يريد حكامها لها أن ترتاح.
لنصف قرن خلت ونحن نتابع مسؤولي الدولة وهم يقصون شرائط فتح كوبري، أو إنشاء دار حضانة للأطفال أمام شاشات التلفزيون ويستتبعونها ببث الأناشيد الوطنية، وكأن الكوبري أو الحضانة هي من مواريث آبائهم يمنون بها على شعوبهم!!.
لنصف قرن خلت ونحن نصفق للوزير الذي يتكرم على الناس والعباد بالتوقيع على برتوكول تعاون مع دولة مدغشقر أو جزر السيشيل ويعدون الجماهير بغد مشرق جراء التبادل التجاري مع تلك الدول المستقلة!!.
.لنصف قرن ونحن نشاهد أخبار الوزير الفلاني الذي يزور نظيره العلاني ويخرجان مبتسمين على المشاهدين بتصريحات تؤكد أنهما أجريا محادثات بناءة حول الوضعين الأقليمي والدولي، وأن تلك المحادثات ستنعكس أيجابا على مستقبل العالم!!.
| فمتى تستفيق الحكومات العربية من غفوتها وتعيش واقعها الراهن، وتدرك أن غمزة من عيون هيفاء وهبي تحرك الجماهير أفضل من خمسين قصيدة معلقة على جدران سوق عكاظ. |
لنصف قرن خلت ونحن ننتخب الحكام الكذبة المخادعين الذين يعدوننا بدستور حضاري وبإحترام حرية الأحزاب، وما أن تنتهي الانتخابات حتى يدوسون على الدساتير بقوانين الطواريء، ويلاحقون الأحزاب بتهمة عدم الترخيص من الحكومة وإعتبارها أحزابا محظورة!!.
لخمسين سنة مضت والقنوات الحكومية تبث الأناشيد الوطنية الحماسية التي لا تحرك حتى أوراق الشجر بضجيجها وصيحاتها المدوية، فيما تهز رقصة من رقصات المطربة روبي الحلوة جميع أعضاء الشباب بلحظة إطلالة واحدة!!. فمتى تستفيق الحكومات العربية من غفوتها وتعيش واقعها الراهن، وتدرك أن غمزة من عيون هيفاء وهبي تحرك الجماهير أفضل من خمسين قصيدة معلقة على جدران سوق عكاظ.
أعتقد أن فضائية الخمسينات التي تحدثنا عنها لو استخدمت وجوه نانسي عجرم أو جوانا الملاح أو عاصي الحلاني، بدل أولئك المتقاعدين المتجعدين الصلعاء، كان ذلك أفضل لها لحشد دعم الجماهير العربية لإسقاط النظام الدكتاتوري في البلد المبتلى به،بدل أن تعد تلك الجماهير بإنتظار الـ(جودو)، فالجودو أو المهدي المنتظر لن يأتيا أبدا على فرس أبيض. وإبتسامة من وجه أمل حجازي أونظرة من عيون مايا نصري أمضى سلاحا من نشيد(الغضب الساطع آت وأنا كلي إيمان)!.
شيرزاد شيخاني
[email protected]
