الهجرة ظاهرة كونية و هي إحدى سنن الحياة والصراع من اجل البقاء. وهي قديمة قدم الإنسان علي هذه الأرض ولا يهاجر الإنسان فقط، بل سمك السلمون والنحل والطيور والفراشات.إنها قانون وجودي. إن هجرة البشر وسمك السلمون والنحل والطيور والفراشات كلها تخضع لقوانين مثل الطفو في الفيزياء، و الانحلال والتفاعل في الكيمياء،والنسبية في الكون، والكوانتوم في ميكانيكا الكم. فالماء يتحرك حتى يحدث السواء في الارتفاع. وبرادة الحديد تنجذب حول القطب المغناطيسي تحت قانون الاستقطاب. ولكن هجرة الإنسان غير هجرة السمك والنحل والطيور فهي حركة ثقافية. إن الناس لا يهاجرون إلى الصحراء، ولا يهاجرون إلى دول يحكمها الظالمون والمتجبرون، ولا يهاجرون إلى بلدان فقيرة. ولكنهم يهاجرون إلى حيث العمران والخير والغنى، ويهاجرون إلى حيث الأمان والعدل والحرية، فرارا من الظلم والاضطهاد بكل صوره الفكرية والنفسية والسياسية والاقتصادية.وكذلك يهاجر الناس عندما يبتلون بطاعون الحزب الواحد وعندما يعيشون في وطن تحول إلى سفاري تسرح فيها الضواري، ليس فيها أية ضمانة لأي شيء، في أي مكان وزمان ولو لقطة.و يرحل البدو عندما تضن الأرض بخيراتها. وتطير الطيور حيث الحب والدفء.ويفر البشر إلى بلاد الحرية والى مجتمعات ينعم فيها الإنسان بالضمانات من كل لون ضد المرض والشيخوخة والبطالة وينام قرير العين بدون خوف من أباطرة الأمن ورجال المخابرات.ويهاجر الشبان الطموحون للتحصيل المعرفي إلى حيث الإنتاج المعرفي ويلجأ المال حيث الأمان والاستقرار السياسي. يرى الفيلسوف الألماني ( ايمانويل كانت ) في كتابه ( نحو السلام الدائم ) أن الهجرات كانت تأريخا للاضطهاد السياسي.فكان الاضطهاد في طرف منه خيرا في انتشار الإنسان في الأرض. فمع كل اضطهاد تنشق مجموعة منه لتعمر بقية الأرض. وهكذا عمرت الأرض بالإنسان بآلية الألم. ولم يحض القرآن على الهجرة من فراغ. laquo;إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاraquo;. إن التأمل الكوني مفيد ودراسة التاريخ وفهمه يسعفنا في فهم الحاضر والواقع التاريخي الراهن لكي نخرج من نفق التشاؤم والتفاؤل.وحسب المؤرخ البريطاني الحجة (توينبي) في كتابه (مختصر دراسة التاريخ) فالهجرة صيرورة تنطبق أيضا على الأنبياء والمعتقدات من خلال قانون الاعتزال والعودة. ويخبرنا التاريخ أن بوذا هرب من نيبال إلى الصين فانتشرت دعوته.وهجرة حواريي المسيح قلبت مصير روما.ومن هروب علماء القسطنطينية بعد اجتياح العثمانيين القسطنطينية زرعت بذور النهضة الأوربية. يجب أن نغادر حينما يتحول الوطن إلى سجن.لان الفتنة أشد من القتل، والظلم يفسد الشيم، والاستبداد يحول الإنسان إلى كائن مسخ يتقن الكذب والتمثيل بأفضل من القرود. وتحت كلمة الأمن نشر الرعب، وجعل للأمن تسعة عشر جهاز أمن كل يغتصب المواطن بطريقته. وتحت دعوى الحرية قتلت الحريات وأسس الاستبداد بأشجار تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين. وفي سيرة الأنبياء والصالحين تجارب غنية بأحداثها، زاخرة بدلالاتها، متنوعة بمعطياتها وحتى لا نخرج عن موضوع الهجرة نذكر إبراهيم عليه السلام وقد ترك بلاد الرافدين ووفرة المياه وخضرة النيل ليأوي إلى واد غير ذي زرع عند بيته المحرم.ترك كل ذلك خلف ظهره ليأمن على ذريته في ارض غير ذي زرع، لأن أعظم زرع هو الإنسان في مناخ الحرية.ومع الديكتاتورية لا أمان ولا ضمان لأي شيء.وهاجر فتية أهل الكهف فرارا من الاضطهاد السياسي ومعهم كلبهم،وفر موسى عليه السلام بدوره من جو الحضارة الفرعونية المقيت التي اعتاد أهلها أكل البصل والثوم مع الاهانة والإذلال إلى صحراء مدين ليتزوج هناك ويعيش، ولم يرجع إلى مصر إلا برسالة، ولم يكن له أن يعيش قط في بلد يرفع القبور لأشخاص فانين على هيئة أهرامات تناطح السحاب في مناخ ميت مميت من الديكتاتورية. ويخبرنا التاريخ أن أكبر الهجرات جاءت بأفضل النتائج فمع طوفان نوح تطهرت الأرض. ومع هجرة كولومبس تقرر مصير الغرب وانقلبت محاور التاريخ وانتقلت الحضارة من المتوسط إلى الأطلنطي. وأصبح الغرب يملك جميع مفاتيح التجارة الدولية بين القارات ويملك ثلاثة أخماس الكرة الأرضية، وأربعة أنهار من كل ستة أنهار، وخمسة فدادين، من كل سبعة فدادين صالحة للزراعة، وثمانية قروش، من كل تسعة قروش ونصف حسب (الصادق النيهوم) في كتابه (محنة ثقافة مزورة). وانتشرت لغة ريتشارد قلب الأسد لتصبح اللغة العالمية، وبُني لأحفاده بيت على ظهر القمر. الهجرة ليست لكل الناس ولا يمكن ولو اشتهوها. ولا ينجح في الولوج إليها كل من فر حتى يلج الجمل في سم الخياط.ونحن نعرف اليوم من يهاجر في العادة رغبة هم زبدة القوم وأكثرهم فعالية فيتبخرون إلى سماء الغرب مثل الماء ويبقى في الأسفل مثل طحل القهوة من كتب عليه الشقاء والبلاء والغباء.وحسب الكاتب خالص جلبي laquo; الهجرة ثلاثة أنواع: من جمهوريات الخوف والبطالة. وبالانسحاب الاجتماعي. أو بالانتحار بكاسيتات الوعاظ الجدد. ولو فتحت السفارة الكندية أو الأسترالية أبوابها في عاصمة عربية بدون قيود لهرع إليها الشباب في طوابير كجراد منتشر مهطعين إلى الداعي يقولون هذا يوم سعيد. ومن قفز فنجح في الوصول إلى جنة المهجر لم يرجع لبلده إلا زائرا يتمتع بلحظات السعادة مرتين: على متن الطائرة (قبل دخول) الوطن و(بعد الخروج) منه بعد أن يكتوي أياما في جحيمه. وإذا احتاج إلى إنجاز أمر دار في حلقات البيروقراطية مثل الحمار في الرحى.ويكون مثله مثل من غادر الجنة إلى جهنم. واكتوى بالنيران بعد أن ودع الجنة ورضوانا raquo;.يقول المثل الشركسي: من يخسر وطنه يخسر كل شيء. حتى يجد وطنا جديدا لن يكون وطنا. ويقول أيضا laquo; أن من هاجر واحتك بالحضارات الأخرى يصل إلى وضع لا يحسد عليه، فلم يعد الشرق يعجبه ولا الغرب يسعده، فهو نفسيا في الأرض التي لا اسم لها.والهجرة قرار مصيري، لكنه يبقى معاناة أفضل من المعاناة في جمهوريات تجمدت في مربعات الخوف والبطالة، وتوقف الزمن فيها عند كافور الإخشيدي. وعلى من يتخذ قرار الهجرة أن يتذكر ثلاثة أمور: انه قرار لا يتعلق به وحده بل ذريته من بعده. ثانياً انه قد يكون هجرة بغير عودة. وثالثا ليتذكر قول الفيلسوف ديكارت أن من يكثر التنقل يصبح غريبا في بلده raquo;. إن الهجرة إلى الغرب تحولت إلى نعمة الانفكاك في الزمن من العبودية في ظل الانظمة الاستبدادية بعد أن تحول المواطنون إلى أقنان. laquo;ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على اللهraquo;. ويرى الدكتور خالص جلبي في آية الهجرة بعدان سعة بالتحرر من ضيق الأرض والرزق والعقيدة إلى رحابة الأرض وسعة الرزق والتسامح الديني. وهي قوة تجبر المجرمين وترغم أنوفهم بتغيير مسلكهم تجاه شعوبهم من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فحركة الهجرة تعتبر بذلك نواة التغيير غير المباشرة والمعكوسة ضد أماكن اضطهاد الناس فهي ضرورية سواء طلبها الناس أو فروا إليها.ولم يختار المسلمون الهجرة مبتدأ لتأريخهم عن فراغ. و الهجرة النبوية حدث أكبر من أن تعلق عليه سورة واحدة فالهجرة إيمان بالمستقبل وثقة بالغيب، وهي فكرة لا رحلة، وهي ليست تخلصا من فتنة بل لإقامة مجتمع آمن. ولن نغادر حركة الهجرة قبل أن نستمد منها تعاليم قد تعيننا على فهم وتفسير تاريخ البشرية وتاريخنا على وجه الخصوص..إن أي حدث تاريخي إنما يجيء تعبيرا عن إرادة الله التي تصوغه من خلال إرادة الإنسان.ولا يمكن دراسة تاريخ الكون وتاريخ البشرية والطبيعة والأحياء إلا من هذا المنطلق.إن الفعل الإلهي يتخذ أشكالا ثلاثة لخلق الحدث وصياغته كما يرى المؤرخ الدكتور عماد الدين خليل، أولها مباشرة الفعل التاريخي والشكل الثاني يتم عن طريق السببية التاريخية وأما الشكل الثالث للفعل الإلهي فيجيء عن طريق الحرية الإنسانية ذاتها، والتي هي في مداها البعيد جزء من إرادة الله في خلق الأفعال والأحداث.إن معظم مذاهب التفسير التاريخي قدمت معطياتها متخطية الإجابة عن السؤال المهم: ماهي العلاقة بين الله وبين الطبيعة بما فيها القوى المادية والإنسان بما انه مادة وروح في صنع التاريخ وإقامة الحضارات؟ سواء كان التفسير السحري ( الميتافيزيقي ) للتاريخ الذي تطور وعبر عن نفسه بالتفسير اللاهوتي الذي ساد تفكير مثقفي العصور الوسطى الأوربية أو التفسير الفردي البطولي للتاريخ أو التفسيرات الطبيعية التي بلغت أقصى حدتها بالمادية التاريخية.والواقع أن التفسير الحضاري تقدم خطوات تتسم إلى حد ما بالاتزان والتعقل والموضوعية والشمول الذي يستند إلى نظرة كلية وإدراك عميق لمقومات الحدث التاريخي.صحيح أنهم أعلنوا أن الحدث التاريخي لا تصنعه قوة واحدة..لكنهم لم ينجوا من الوقوع في أسر المذهبية المحدودة، والنظرة الذاتية،واضطراب التجربة النفسية في عملية الاستشراف والاستقراء التاريخي، الأمر الذي أدى إلى تأرجح مواقع رؤيا هم، والوقوع بالتالي في كثير من الأخطاء، ليس هذا بطبيعة الحال مجال سردها وتحليلها. وفلسفة القرآن لقانون الهجرة محددة وواضحة وهي إما إلى مجتمع لا استضعاف فيه وإما بناء مجتمع لا أثر للاستضعاف فيه. ولما كان الحرمان الذي تعاني منه شعوب دول منابع الهجرة من حقوقها وما تتعرض له من تعسف وظلم وقهر من قوى الاستبداد والطغيان هو احد أهم أسباب الهجرة إذن يتعين علي الدول الغربية المستاءة من تنامي ظاهرة الهجرة أن تعمل كل ما بوسعها لتطوير تلك الدول ودعم توجهات إطلاق الحريات وتداول السلطة بالتوازي مع تحسين الأوضاع الاقتصادية فيها، لاسيما أن بمقدورها كقوى سياسية واقتصادية كبرى الضغط والمساعدة علي حد سواء هذا إن لم نقل إنها وراء تلك الأنظمة وإنها هي المسببة لتلك الظروف، وإلا فطالما بقيت أكثرية بلدان الكرة الأرضية تحيا حياة دون خط الفقر فسيظل زخم الهجرة متواصلا حتي لو أحيطت أوروبا بأسوار شاهقة.
وقف جحا يوما بين أصحابه وقال: أنا جاهز بكل الشروط للزواج من ابنة السلطان، قالوا حسنا يا جحا وما الذي يمنعك من الزواج؟ قال بقي شرط واحد لم يكتمل قالوا: وما هو؟ قال أن ترضى ابنة السلطان الزواج بي.
صبحي درويش
