بعد أن قضى أفراد الأسرة وقتا طويلا من أجل التخطيط للاجازة الصيفية، وشراء التذاكروحجز الفنادق وكل في وجهته الخاصة سواء الى الولايات المتحدة باغراء رخص الدولار أو الى تركيا باغراء مهند ونور أوالى أوروبا الرائعة رغم غلائها أو الى لبنان بعد أن هدى الله سياسييها،وجدوا أنفسهم فجأة مضطرين الى إلغاء كل شيء والتوجه الى المدينة السعودية الساحلية الجميلة التي يعيش فيها عميد الأسرة الذي تجاوز التسعين ويمرفي وضع صحي حرج تحت أجهزة ضخ الأوكسجين وضخ الغذاء في الوريد.
اجتمع الأولاد والبنات العشرة مع الأحفاد في منزله الكبير، وازدحمت الغرف وترك كل واحد استقلاليته ومساحته الخاصة وانخرط مع الجماعة حول كبير العيلة المريض.
في الماضي كان هذا هو الوضع الطبيعي وليس وضع الطوارئ كما هو الآن حيث الابن يتزوج وتعيش الفتاة وتتعايش مع الحماة و(السلايف )ويتربى أبناء العم في بيت واحد،وأتصورأن مسمى (الحمولة )الذي يستخدمه أهل نجد لتعريف أهل الزوج مستمد من (الحمل الثقيل )حيث تحتاج الزوجة الى الكثيرمن الطاقة والدهاء من أجل إرضائهم ومجاراتهم.
كبير العيلة في سريره يعيش أصعب أيامه، وكلما فتح عينيه اطمأن أنه يعيش هذه اللحظات الصعبة في بيته وبين زوجته وأولاده وأحفاده وأولاد أحفاده،هذه القيم تعطي الانسان ضمانات ضد شيخوخته القادمة لا محالة واصرارا على المحافظة عليها،وخاصة اذا قارن وضع كبار السن المعززين المكرمين عندنا بكبارالسن في الغرب الذين يعاملون كآلات منتهية الصلاحية تحتضنها دور العجزة،أو تموت في بيوتها دون أن يعرف عنها أحد إلا لوفاحت رائحة جثتها.
عندما مرت موجة الحرفي فرنسا قبل أعوام،أعلنت الحكومة الفرنسية عن خمسة آلاف جثة (فطست من الحر) لمسنين فرنسيين واذا لم يتم استلامها فورا من قبل أقاربها فسوف (يصادرونها).. نعم تم استخدام هذه الكلمة حرفيا!!..
كبيرالعيلة لا يزال في سريره تحت كمامة الأوكسجين وأنابيب (الآي في )ورغم الحزن الكبيرعليه تعجب بوفاء أبنائه،وتظل أكثر اللحظات تأثيرا عندما يجتمع أبناؤه حوله خمس مرات في اليوم ليكبروا ويصلّوا به الفروض جماعة رغم معرفتهم أنه لا يعي ذلك حيث يعيش في شبه غيبوبه طوال اليوم.
لكنها رسالتهم له بأنهم سيمنحونه التقديرو الاحترام الذي يستحق حتى آخر ثانية من حياته.
ريم الصالح
reemalsaleh.blogspot.com
