حاورتها في الدوحة نبيلة رزايق: إلتقت quot;إيلافquot; بروان الضامن، المخرجة ومعدة برامج وأفلام وثائقية في قناة الجزيرة rlm;الإخبارية، فكان هذا الحوار الذي أجريناه معها على إثر حصولها مؤخراً على جائزة أفضل فيلم وثائقي خاص بفئة الأفلام الطويلة حول القضية الفلسطينية، بمهرجان الجزيرة الوثائقية في دورته الخامسة والمنظم مؤخراً العاصمة القطرية الدوحة. التقيناها قبل وبعد إعلان الجوائز حيث إذ أكدنا لها منطقية أن تحصل على جائزة حتى من قبل الإعلان عنها، وذلك من شدة إعجاب كل من تابعquot;النكبةquot; عنوان شريطها التسجيلي المحفوف بالموضوعية، والمدعم بالكثير من الأدلة المصورة quot;الثابتة والمتحركةquot; التي ترى النور لأول مرة. وكذا من خلال الشهادات النوعية، الميدانية والتاريخية للفريقين quot;الفلسطني واليهوديquot; حول قضية التهجير. كما أدركت روان بمهنية وإحترافية كيف تسلّط الضوء على موضوع quot;النكبةquot; وكيف أنها لم تقتصر على العام 1948 كما تداوله الكثير من المصادر التاريخية بل تعود في التاريخ الى أيام حملة نابليون بونابرت على سواحل حيفا، وكشفت أيضاً أن quot;نكبةquot; الشعب الفلسطيني يضاف لها الان quot;نكبةquot; الأرشيف الفلسطيني المبعثر والتي هي في الأساس كما قالت إنعكاس لذات النكبة وعن هذا الموضوع وموضوعات أخرى كان الحوار التالي:
*ماهو شعورك وأنت تستلمين الجائزة ولمن تهدينها؟
- شعرت بالإثارة وأنا أستلم الجائزة، وشعرت أن الساعات الطويلة، ست عشرة ساعة يومياً لمدة ستة أشهر كاملة جاءت بنتيجة، شعرت بالإنصاف. أهدي هذه الجائزة لوالدتي أولاً، ولكل من يعمل من أجل عدالة القضية الفلسطينية.
* أهمية التشجيع والجوائز في المسار المهني؟
- إننا في الوطن العربي نفتقد التكريم للأشخاص. وكثيراً ما يُكرم المبدعون بعد وفاتهم. لذا أرى أن التشجيع والتكريم والجوائز، أمر ضروري من أجل إستمرار العمل الجاد. وبالنسبة لي، فقد أعطتني هذه الجائزة دافعاً من أجل أن أستمر في العمل من كل قلبي، وبكل ما أوتيت من قوة في أعمال إعلامية أؤمن أن لها فائدة ويمكن أن تقدم شيئاً للمُشاهد العربي الذي يستحق منا الكثير.
* كيف تمّت عملية التحضير وتجميع المادة التاريخية والمصورة على الخصوص؟
- قمت ببحثٍ مطوّل وشاق في الصور الأرشيفية سواء على مستوى الصور الثابتة والصور السينمائية الأرشيفية، إضافة إلى بحث في quot;الوثائقquot; التي ظهرت بعض منها أول مرة على شاشة تلفزيونية، التي تم كشف بعضها منذ سنواتقليلة ماضية بعد أن كانت سرّية لخمسين عاما. هذا بالإضافة إلى ترتيبات اللقاءات مع مؤرخين ومحللين فلسطينيين وإسرائيليين وبريطانيين في ست دول بما فيها فلسطين. أما تجميع المادة التوثيقية فكان من مصادر ومؤسسات وأشخاص متعددين في مناطق متعددة من العالم، لكن القسم الأكبر حصلت عليه بإذن خاص من الأرشيف الخاص لجامعة quot;اكسفوردquot; في بريطانيا، وهو أرشيف يضم أوراق الانتداب البريطاني والحكومة البريطانية quot;بشكل خاصquot; ويتم الكشف عنه بعد 30 عاما، أو بعد 50 عاما. وبعض هذه الوثائق quot;وهي الوثائق الأصليةquot; تم تصويره وظهر على شاشة تلفزيونية أول مرة في العالم على قناة الجزيرة، ومثال ذلك مثلا وثيقة سرية كتبها أول يهودي يصل لمنصب وزير بريطاني، وهو هيربرت صموئيل، عام 1915 بعنوان quot;مستقبل فلسطينquot;. هذه الوثيقة كتبت أثناء الحرب العالمية الأولى، وفيها من التفصيل ما يوضّح ما سعى صموئيل نفسه إلى تحقيقه في فلسطين بين 1920 ndash; 1925 عندما عينته الحكومة البريطانية أول مندوب سام بريطاني في فلسطين، ليضع الأسس الرئيسية لتحويل فلسطين إلى كيان صهيوني يهودي. فقد وضع عام 1915 كتابه ما طبقه بعد ذلك بخمس سنوات. إن نكبة فلسطين لم تحصل عام 1948، وهو أمر أؤكد عليه، إن نكبة فلسطين بدأت قبل ذلك بكثير، فكرياً وعلى مستوى التخطيط والتنفيذ بدأت قبل مائة من عام 48 quot;أي بدأت حوالي 1840quot;. كما يمكننا أن نرجع ذلك لأيام نابليون بونابرت الذي حاول من خلال محاولته لحصار حيفا إيجاد وطن قومي لليهود. لكن يمكن أن نقول أيضاً والشريط الوثائقي أوضح ذلك أن عام 1920 كان مرحلة مفصلية لأن صك الانتداب البريطاني جاء بهدف تحويل فلسطين إلى دولة صهيونية.
*نلاحظ أن هناك تنوعاً في مصادر التي أنجزت من خلالها شريطك النكبة. ماهي أهم مشكلة صادفتك خلال هذه العملية بالذات؟
- الكثير من الوثائق تم الحصول عليها من أفراد، لأنه وللأسف الشديد ليس هناك أرشيف فلسطيني مجمع، وكثير من الوثائق مبعثرة لذلك تم الحصول على وثائق وصور من أفراد حول العالم، وبشكل شخصي، وأشكر جميع الأفراد وعائلات الشهداء والمناضلين الفلسطينيين الذين قدّموا لنا الوثائق والصور التي لديهم مؤمنين بأهمية هذا العمل، وكذلك مجموعة كبيرة من المؤسسات الفلسطينية التي قدمت لنا المساعدة.
*لماذا إخترتِ موضوع تهجير الفلسطنيين؟
- أنا مهتمة بهذه القضية بشكل شخصي ومختصة في التاريخ الشفهي الفلسطيني، ولأنني عشتُ ودرستُ وعملتُ في فلسطين، وثانياً لأنني بحثت سابقاً في قضية التهجير، وفلسطين قبل عام 48 لمدة ست سنوات بين 1991 ndash; 1997، لذا عندما أُسند إليَّ إعداد وإخراج سلسلة حول quot;النكبةquot;،بمناسبة مرور 60 عاماً على النكبة والذي كانت قناة الجزيرة قررت بالمناسبة انجاز برنامج خاص يمتد عرضه بالمناسبة وعلى طول سنة 2008 عنونته quot;حق يأبى النسيانquot;. كما كانت لديَّ الخلفية التي انطلقت بها، وساعدتني في البحث والإعداد لإيجاد معلومات جديدة ورسم صورة شمولية للحدث، وما أود التأكيد عليه من خلال العمل هو أن نكبة فلسطين لم تحصل عام 1948، ولكنها بدأت قبل ذلك بكثير، فكرياً وعلى مستوى التخطيط والتنفيذ حيث بدأت قبل مائة عام من عام 48 quot;أي بدأت حوالي 1840quot;. لكن العام 1920 كان مرحلة مفصلية لأن صك الانتداب البريطاني جاء بهدف تحويل فلسطين إلى دويلة صهيونية. آنذاك بدعم من بريطانيا تأسس جيش للصهاينة في داخل فلسطين باسم quot;الهاغاناهquot;، وتم إقرار اللغة العبرية كلغة رسمية في فلسطين إلى جانب العربية والإنجليزية، وتم فصل المدارس والبنية التحتية للمستوطنات الصهيونية، وعدة أمور أخرى ليس هناك وقت للدخول في تفاصيلها، أي أن نواة الدولة بدأت رسمياً بالتشكل عام 1920 وإستغرق الأمر 28 عاما quot;أي حتى عام 1948quot; لإطلاق quot;إسرائيلquot;.
* نلاحظ أنكِ جمعت الرأي التاريخي من الضفتين اليهودي والفلسطيني والشهادات الحية للذين عايشوا النكبة كيف كان هذا الامر؟
- حاولت الجمع بين المؤرخين والمحللين والمفكرين من جهة، وبين الأفراد الذين عايشوا الحدث من جهة أخرى، لكي تقدم السلسلة الجانبين، الشخصي من خلال قصص قصيرة معبرة، والعام من خلال رسم صورة عامة لقصة quot;النكبةquot;. فمن المختصين تمت استضافة أبرز المؤرخين الإسرائيليين الذين كتبوا حول هذه المرحلة، ومن أهمهم د.إيلان بابيه، صاحب كتاب quot;التطهير العرقيquot;، وقد قدّم معلومات نادرة موثقة في كتاباته، وفي غاية الأهمية ومن ضيوف السلسلة أيضاًهناك مختصون بريطانيون وأبرزهم الصحفي البريطاني ديفيد هيرست، الذي كتب واحداً من أهم الكتب حول جذور الصراع عام 1977. ومن المختصين الفلسطينيين د. أنيس صايغ (رئيس تحرير الموسوعة الفلسطينية) الذي استهدفته إسرائيل بعبوة ناسفة حين كان رئيس مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت وأثر ذلك على نظره بشكل كبير، ود. عزمي بشارة quot;المفكر العربي المعروفquot;، ود. سلمان أبو ستة quot;مؤلف أطلس فلسطين 48quot; والأسماء كثيرة لمؤرخين فلسطينيين وإسرائيليين وبريطانيين شاركوا في هذه السلسلة، أما بالنسبة لضيوف السلسلة ممن عايشوا الحدث، فمنهم الصحفي مسلم بسيسو وكان مراسلاً لوكالة الأسوشيتد برس في فلسطين عام 48 وغطى مقتل الكونت السويدي برنادوت في سبتمبر عام 48، والجندي البريطاني جيرالد جرين الذي خدم في الانتداب البريطاني في فلسطين وشهد تهجير الفلسطينيين من مدينة حيفا، وكذلك مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات quot;برج البراجنةquot; في بيروت، وquot;الوحداتquot; في عمان، وquot;الجلزونquot; وquot;بلاطةquot; في الضفة الغربية وغيرهم.
*أهم المشاكل التي واجهتكِ عند إنجاز الشريط الوثائقي؟
- فلم quot;النكبةquot; بساعاته الأربع كان مليئاً بالمشاكل. أولاً المعلومات عن القضية الفلسطينية موجودة، لكنها مبعثرة، وهي في بطون الكتب الأجنبية أولاً قبل العربية، وتطلب الأمر بحثاً عميقاً مستعينة بالعديد من الأبحاث باللغات الإنجليزية والعبرية والعربية من أجل تجميع تفاصيل معلوماتية في صورة واحدة. ثم المشكل الثاني وهو إيجاد الصور الأرشيفية التي يمكن أن تنقل هذه المعلومات quot;التي هي أقرب لوثيقة تاريخية مكتوبةquot; إلى شكل تلفزيوني لكن من دون إخلال بالحقيقة التاريخية، وتطلب الأمر أشهراً من البحث العميق من أجل إيجاد الصور الثابتة والمتحركة التي تؤرخ للحدث، ومعظم هذه الصور موجودة في بريطانيا والولايات المتحدة، هذا إضافة إلى الوثائق التي تطلب الحصول عليها أذونا خاصة من مركز أبحاث الشرق الأوسط بجامعة أكسفورد في بريطانيا، وكثير منها كان يظهر على شاشة تلفزيونية أول مرة. هذا عدا المقابلات والتصوير في كل من لبنان والأردن وفلسطين والكويت وبريطانيا.
* كيف تمكنت من إيجاد صور عن فترة العشرينات والثلاثينات في الشريط رغم صعوبة الامر؟
- الأساس كانت مصادر صور الانتداب البريطاني الذي كان في فلسطين منذ دخول اللنبي عام 1917. والأمر إستدعى بحثاً عميقاً من جهات بريطانية وأمريكية مختلفة. ثم أفراد فلسطينيين مبعثرين في أنحاء العالم، فهناك في الحقيقة quot;نكبةquot; للأرشيف الفلسطيني هي في الحقيقة انعكاس لـquot;نكبة فلسطينquot;.
*ما هي ردود فعل الفلسطينيين في الخارج والداخل على الشريط الوثائقي؟
- كانت ردود فعل جميلة جداً جداً ومعبرة عن إهتمام الفلسطينيين بتوثيق تاريخهم وهويتهم لأن الهجمة على وجودهم لم تنته. ومع أننا قد نظن أن الفلسطينيين يعرفون ما حصل لهم، لكن الأمر غير صحيح. فكل لاجئ فلسطيني يعرف مثلاً مدينته أو قريته التي هجر منها وبعض تفاصيل ما حدث، لكن فصول النكبة بالصورة الإجمالية غير واضحة في ذهن كثير من الفلسطينيين، وكيف كانت الخطط منذ 1799 quot;منذ أيام نابليون بونابرتquot; والخطط الاستعمارية البريطانية المتحالفة مع الحركة الصهيونية من أجل تهجير أكثر من ثمانمئة ألف فلسطيني عام 1948 والخطط المستمرة لفصول نكبة نمر بها حالياً هي عبارة عن تهجير بطيء ومنظم. لذلك كانت ردود فعل الفلسطينيين خاصة، والعرب عامة، طيبة جداً جداً عندما بث الفلم في أيار/ مايو العام الماضي 2008، وطلب منا الفلسطنييون الذين يعيشون في الغرب ترجمة النكبة إلى اللغة الإنجليزية، والحمد لله أن استطعنا ذلك، والفلم بنسخته الإنجليزية عرض في مهرجان الجزيرة.
*ما هو عملك القادم؟
- حاليا أعمل على أفكار لوثائقيات جديدة، لكن لم أبدأ في البحث الفعلي والتصوير لإحداها. كنت أنهيت قبل أيام فيلماً وثائقياً بعنوان quot;السلام المرquot; بُث بمناسبة ثلاثين عاماً على توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية quot;آذار/مارس 1979quot;، وكان فيلماً أرشيفياً بالكامل، الحمد لله وُفقتُ في أن أجد أرشيفاً يظهر أأول مرة على شاشة عربية لكواليس مفاوضات كامب ديفيد، وقد أثار الفلم ردود فعل قوية خاصة في مصر.
*ما هي أهم ذكرى علقت بذهنك وأنت تنجزين العمل؟
- عندما قابلت لاجئاً فلسطينياً عمره الآن تسعين عاما، خرج من فلسطين أباً لخمسة أطفال وعمره ثلاثين عاماً quot;عام 1948quot; ويعيش الآن في بيروت، إسمه أبو سامي، وهو أصلاً من قرية ترشيحة في الجليل الأعلى quot;قرب عكاquot;، وقد وصف لي منزله الذي لم يره منذ ستين عاماً، قررت أن أذهب لأبحث عن بيته، وفعلاً وصلت إلى المنزل وصورته. هذه الذكرى للقاء هذا اللاجئ وتصوير منزله يمثل لي جوهر الظلم الذي لحق بالفلسطيني الذي هجر من أرضه وبيته وأصبح لاجئاً لهدف واحد وهو تحويل فلسطين إلى إسرائيل بقوة السلاح والنار لتكون إسرائيل خنجراً في خاصرة الأمة العربية كما كان يقول الصحفي الفلسطيني نجيب نصار منذ عام 1911 quot;قبل وعد بلفور بعدة سنواتquot;.
