قصة: كاثرين مانسفيلد
ترجمة: زعيم الطائي
المؤلفة أستاذة فن القصة القصيرة، مثلت كتاباتها النقلة النوعية الكبرى بين أسلوب موبسان وتشيخوف والقص الحديث، ولدت في نيوزلند، وأرسلت للدراسة مع شقيقها في لندن، لم تشعر بالوئام مع عائلتها ففضلت البقاء فيها، قضت حياتها بين عشاق متعددين وزيجات تعيسة، حتى صادفت الناقد مدلتون موري الذي قدم أعمالها وساندها في محنة مرضها حتى أيامها الأخيرة، توفيت في أحد مصحات باريس، أنجزت خلال حياتها القصيرة، في خمسة وثلاثين عاماً (1888-1923) ثروة من المجاميع القصصية الفريدة، أشهرها (بنسيون ألماني) (مس بريل) (حفلة الحديقة) (منتهى السعادة) (عش الحمامة) ومجموعة شعرية واحدة، تتميز كتابتها بالأهتمام بجوهر الحدث بعد أن تخلت عن العقدة والخاتمة المفاجئة، مما جعل قصتها تأخذ منحى حياتياً أنسيابياً، حيث تبدو كل الأشياء ظاهرة بصدق وبائنة على السطح، حتى الوصول الى سحر النهاية، من خلال وجهات نظر شخصيات القصة الرئيسية، في قصتها التي تشبه الموسيقى (حيث الريح تهب) كتبتها في 1920 معتمدة على أبيات للشاعر (شيللي)من قصيدة الغيوم، وتكنيك السينما بتغير أضوية سفن الخليج العابرة في الأسطر الأخيرة، فتتغير أعمار الشخصيات في الحنين بين الطفولة والشباب، وأنتقالها المستعجل الحزين بين سنواتها المنقضية المفتقدة وأحلام ذكرياتها البعيدة.(المترجم)
| بيت كاترين مانسفيلد في نيوزلند |
كان الجو بارداً بعد أنقضاء الصيف - أنه الخريف - أضحى كل شيء قبيحاًً، صارت العربات تقرقع، وهي تتأرجح على الجانبين، مرّ صينيان يتمايلان تحت نيرهما الخشبي، مع سلة الخضر الثقيلة التي يحملانها، وقد أخذت جدائلهما وبلوزاتهما الزرقاء تتحرك بقوة في الريح الهابة، وكلب أبيض يحجل على ثلاثة أرجل عند البوابة، لقد أنتهى كل شيء! ماذا؟ أوه، كل شيء! بدأت تضفر شعرها بأصابعها المرتجفة، دون أن تأتيها الجرأة للنظر في المرآة، سمعت أمها تتحدث الى الجدة في الهول.
- quot; منتهى الغباء! تصوري أنني تركت كل الأشياء خارجاً في جو يشبه هذا.
الآن شراشف طبلات الشاي الصغيرة المطرزة مفضلتي قد أصبحت شرائط ملتوية، من أين تأتي تلك الرائحة الغريبة؟ أنها عصيدة الدقيق التي أحترقت، أوه، ياللسماء - هذه الرياح!quot;
لديها درس موسيقى في الساعة العاشرة، توهمت أن مفتاح مينور بيتهوفن قد أخذ يتماوج في رأسها، الأنغام المغردة الطويلة الضاجة كطبول مستمرة...(ماري سوانسن) هرعت الى الحديقة المجاورة لتقطف زهور الأقحوان، قبل أن تهلكها العاصفة، تنورتها أرتفعت حتى خصرها، حاولت أنزالها، وثنيها بأرجلها بينما هي منحنية، فلم ينفع، كل ماحولها من شجيرات وعرائش دمرت، أقتطفت كل مافي وسعها أن تجمعه بسرعة، غير أنها صرفت الأنتباه عن الأهتمام بتأثير ماتفعله، كانت تجر النبتة من جذورها أو تحنيها أو تقوم بليّها، تغرس أقدامها وهي تتمتم بالشتائم، سمعت أحداً يصيح: (بحق السماء، أترك الباب الأمامية مقفلة، وأذهب من الخلف)، بعدها تناهى اليها صوت بوجي:
- ماما، يطلبونك على التلفون، تلفون، ماما، أنه القصاب.
يالها من حياة فظيعة، تمردي، ببساطة ثوري، شريط قبعتها المطاطي أخذ يتقصف، وبدا مقرفاً (بالطبع ترغب) حينما ترتدي قبعتها القديمة أن تثني حافة مؤخرتها، لكن والدتها شاهدتها.
- ماتيلدا، ماتيلدا، عودي في، ، في الحال، مالذي وضعته من الأرض فوق رأسك؟ يبدو كأبريق الشاي، ولمَ عقصت شعر مقدمة جبهتك بهذا الشكل الغريب.؟
- لن أستطيع الرجوع ياأمي، سأتأخر عن درسي.
- تعالي حالاً.
واجهتها موجات وغيوم ودوائر لاسعة من الأتربة، مصحوبة بقليل من القش، والأسمدة والقشور، سمعت صوت جلبة قوية تطلقها الأشجار في الحديقة، فتوقفت أسفل الطريق خارج بوابة مستر بولين، حيث بأستطاعتها التنصت لنشيج البحرquot;آه!..آه!..آه-هquot; لكن غرفة رسم المستر بولين هادئة ككهف، والشبابيك مغلقة، بنصف سحبة دون أن تنظر للباب، وأذا هي في وقتها، دون تأخير، فقد بدأت البنت التي قبلها، للتو، بعزف مقطوعة ماكدويل quot;نحو جبل الجليدquot; رمقها مستر بولين بنصف أبتسامة :
- (أجلسي..) قال (هناك، عند زاوية الكنبة، أيتها السيدة الصغيرة).
ياله من شخصية مرحة، أنه لم يضحك منك بالضبط، لابد شيء آخر أضحكه، أوه، ياللسلام هنا، تحب هذه الغرفة، رائحتها مزيج من قماش الرسم الصوفي والدخان الراكد وعطر الأقحوان، الذي وضع في زهريات كبيرة فوق رف الموقد جوار صورة روبنشتاين الشاحبة... الى حبيبي روبرت بولين.
علقت فوق البيانو الملتمع. معزولة، أمرأة بطابع مأساوي قاتم، يلفها البياض، جلست على أحدى الصخور، مشبكة ركبتيها، واضعة ذقنها بين يديها.
- لا.. لا. (قال مستر بولين) مائلاً على الفتاة الأخرى، واضعاً ذراعيه فوق كتفيها، حيث قرأ لها النص، الغبية، أحمرت خجلاً، يالها من مسألة مضحكة.
الآن الفتاة التي قبلها غادرت، أنصفق الباب الأمامي، عاد مستر بولين راجعاً، وهو يتمشى بخفة، جيئة وذهاباً، منتظراً أياها. غريب جداً، أخذت أصابعها ترتجف، لذلك فهي لن تستطيع فك عقدة حقيبة الموسيقى، أنها الريح... حتى أن قلبها أخذ يدق بشدة، شعرت أنها تريد رفع بلوزتها وأنزالها. لم يتفوه مستر بولين بكلمة، كان مقعد البيانو الطويل الرث كافياً ليجلس عليه أثنان جنباً الى جنب، قعد مستر بولين الى جوارها.
- هل أبتدىء بالميزان؟ تساءلت وهي تعتصر يديها ببعضهما، عندي بعض ألحان الأربجيو السريعة أيضا.
لكنه لم يعطها جواباً، بل هي لاتعتقد أنه سمعها... بعدها، فجأة، أنتقلت يده الطرية ذات الخاتم، لتفتح صفحة بيتهوفن.
- لنأخذ شيئاً من الروائع القديمة. (قال)
ولكن، لماذا كان يكلمها بلطف شديد هكذا - كما لو أنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات وسنوات، ويعلم كل شيء أحدهما عن الآخر.
قلب الصفحة ببطء، راحت تراقب يده ndash; كانت بالغة الرقة، تبدو دوماً وكأنها غسلت للتو.
- ها قد وصلنا هنا. (قال مستر بولين.).
أوه، ذلك الصوت الحنون ndash; أوه، حركة مفتاح المينور، هنا يبتدئ الطبل الصغير...
- هل أستطيع أعادتها؟
- أجل، ياطفلتي العزيزة.
يبدو صوته وكأنه آت من بعيد، نائياً ورقيقاً، ربع وثمن النوتة قد بدءا يتراقصان مع أرتفاع وأنخفاض العصا، مثل أولاد زنوج صغار يتسلقون سوراً، لم َ هو كذلك؟... لذا فسوف لن تبكي، لن يجعلها ذلك تبكي، ولاشيء هناك يستحق البكاء من أجله.
- ماهذا ياطفلتي الحبيبة؟
أخذ مستر بولين بيديها، كانت كتفه هناك ndash; بالضبط لصق رأسها، مالت عليها الى أبعد حد تستطيعه، وصار خدها بمواجهة نسيج البدلة الصوفي الذي شمت فيه رائحة الربيع.
quot; الحياة مخيفة جداً quot; همست لنفسها، لكنها لم تشعر بمثل ذلك على أية حال، قال شيئاً عن quot;الأنتظارquot; و quot; أمضاء الوقتquot; وquot; المرأة، هذا الشيء النادرquot; لكنها لم تسمعه...فقد خامرها شعور أبدي بالأرتياح...
فجأة أنفتح الباب مدوياً، وأذا بماري سوانسن داخلة، قبل موعدها بساعات.
- خذي لحن الأليجرو أسرع قليلاً.(قال مستر بولين ثم نهض وأخذ يتمشى رواحاً ومجيئاً).
- أجلسي عند زاوية الكنبة، أيتها السيدة الصغيرة (خاطب ماري).
الريح، الريح، كم يرعبها البقاء وحيدة في غرفتها، السرير، المرآة، الدورق الأبيض والطشت يلتمعان كما تلتمع السماء خارج البيت، أن السرير هو ما يخيفها، هنالك أكاذيب، وأن بدت نائمة.
... هل تتخيل أمها للحظة أن أبنتها ستقوم بتمزيق كل تلك الجوارب الطويلة المحاكة و الملقاة على لحافها مثل أفاع حلزونية؟ كلا، فهي لن تتصور ذلك أبداً، كلا ياأمي، لاأرى لمَ علي أن... الريح ndash; الريح! السخام المتطاير أسفل المدخنة رائحته مضحكة، ألم يكتب أحدهم قصيدة للرياح؟ quot; سأجلب الزهور الطرية للأوراق وزخات المطر quot;... ياله من هراء.
- أهذا أنت يابوجي؟
- تعالي نتمشى عبر المتنزه ياماتيلدا، لاأطيق البقاء هنا مدة أطول.
- صحيح، أوه، سأرتدي معطفي، يوم فظيع، أليس هكذا؟
معطف بوجي يشبه الذي معها، رفعت ياقتها، حين نظرت صورتها المنعكسة على زجاج المرآة، رأت وجهها الأبيض، لهما معاً نفس العينين المندهشتين، والشفاه الدافئة، أه، عرفا أنهما الأثنان في داخل المرآة، الى اللقاء أعزائي، سنعود حالاً.
- بديع، أليس كذلك؟
- أرفعيها أعلى. (قال بوجي).
لم يستطيعا المشي أسرع بمافيه الكفاية، أمالا رأسيهما، تلامست أرجلهما، وسّعا خطواتهما كشخص متلهف لدخول مدينة، عبر الطريق الأسفلتي المتعرج حيث نمت زهور المستنقع، متوجهين نحو المتنزه. أبتدأت الظلمة تنتشر، كل شيء أخذ يعتم، وكان عليهما مقاومة الريح العاتية، أخذا يترنحان مثل سكرانين عجوزين، كل الباهوتوكا الصغيرة المسكينة التي في المتنزه قد أنحنت على الأرض.
- تعالي! تعالي! أقتربي مني.
أخذ صوت بوجي يتكسر، يسرع ويبطئ في إيقاعه، بشكل مضحك ndash; يثير فيك المرح-وكأنهما تطابقا هذا اليوم، حملت الريح صوتيهما بعيداً ndash; حتى راحت الجمل تتطاير من أفواههما بعيداً كأشرطة ضيقة رفيعة.
- أسرع! أسرع!
أشتدت الظلمة، شاهدا ضوئين آتيين من باخرة فحم عند الميناء، أحدهما أنبعث من السارية، والآخر من مؤخرة هيكلها.
- أنظر يابوجي، أنظر هناك.
كانت هناك سفينة كبيرة سوداء تتبعها حلقة دخانية هائلة، أضيئت كل فجوة فيها، فأخذ نورها يسطع من كل مكان، حتى غمر الشاطىء كله، لكن الريح لم تتوقف هنا، قطعت الدرب خلال الأمواج لتفتح البوابة بين الصخورالمؤشرة التي تقود الى... ذلك الضياءالمبهر يجعلها تبدو بالغة الغموض والجمال...
أنهما عند الساحل، يميل أحدهما على الثاني، وقد أشتبكت أيديهما متعامدة الواحدة فوق الأخرى.
- من هؤلاء؟
- أخ وأخته.
- أنظر يابوجي، المدينة هناك، ألا تبدو صغيرة؟ في الزمن الماضي، كانت هناك ساعة تدق فوق مكتب البريد، وذلك المتنزه حيث سرنا معاً خلال اليوم العاصف، ألا تتذكره؟ بكيت يومها في درس الموسيقى - كان ذلك منذ سنين!
وداعاً، جزيرتي الصغيرة، وداعاَ...
الآن أفرد الظلام جناحيه فوق المياه المتوقفة الساكنة، وأختفى الأثنان في تلك الظلمة، فلم تعد تتبين آثارهما. وداعاً، وداعاً، لاتنسينا...
لكن السفينة غادرت الآن.
رياح - رياح.
