عبد الجبار العتابي من بغداد: حين كنت احضر احدى اصبوحات اتحاد الادباء العراقيين، وبعد ان شارفت الاصبوحة على نهايتها، نظر اليّ القاص المعروف وقال: اصبح النقد مهنة من لا مهنة له!!، ألتفتُ اليه مستغربا ومستفسرا، لكنه اكمل وقد هز رأسه تأسفا : هناك من لا بد ان يدلو بدلوه وان كان لا علاقة له بالامر فيلقي اراءه المجانية، فنضطر الى سماعه وان كنا لا نريد، وتلك مصيبة يا صديقي، واضاف: انا احزن حين اجيء الى الاتحاد واشاهد واستمع الى من يدعي المعرفة ويهرف فيما لايعرف ولا يمتلك من اسم النقد الا الاسم السطحي الفارغ، اشعر انني بأصغائي اليه او وجودي في المكان امنحه اعترافا مني!!.

وانتهت الاصبوحة.. وظلت كلمات هذا الكاتب في ذهني، تتحول الى تساؤلات عديدة تبحث عن اجابات شافية ومقنعة، وكنت اترصد بدقة ومتابعة واستمع لتعليقات الاخرين عن واقع النقد الادبي في العراق وحقيقة النقاد الذين اصبح منبر اتحاد الادباء ساحة سهلة للشهرة ومكانا تؤدي اليه كل الطرق دون ان تقف على بابه اية (نقطة سيطرة) تستوقف الصاعد الى المنبر وتسأله ثقافته واغراضه ومنجزه، او اي جواز معرفي يسمح له بالعبور والارتقاء للمنصة المهمة، وفي كل مرة استزيد واستغرب واسخر وابتسم وأقلق، فالندوات يقدمها على الاغلب ناقد، خلال الوقت يكيل المدح لمن يشاء بعد ان يضع قبل اسمه جملة (الناقد المميز او الناقد المعروف او الناقد المجتهد او الماهر و المبدع ومشروع ناقد كبير) وحين يرتقي ذاك يشكر صاحبه ويصفه بـ (الناقد الكبير) وتبدأ الابتسامات تتكاثر والحضور ليس عليهم سوى الاستماع لكلام اقل ما يقال عنه (هذر ولغو) حتى ان الباحث الدكتور خليل محمد ابراهيم صرخ ذات مرة مقاطعا (الناقد) ومحتجا على ما يقوله بقسوة، وكثيرا.. ما سمعت الادباء يهاجمون النقد والنقاد ويعلنون صراحة انهم بلا منهج وان ما يقولونه مجرد هراء،بل اصبح البعض يسخر من بعض الذين يمنحون انفسهم صفة (نقاد)، حتى ان احد الادباء اطلق صفة طريفة وهو (الناقد الخفر) الذي يشبه (الصيدلية الخفر) التي تظل فاتحة ابوابها دائما وتصرف (الراجيته) على الفور وكما يشاء المريض، كما سمعت من الادباء بعض الغرائب والنعوت التي لاتتناسب مع صفة (الادب)، واشاروا الى ان البعض من الذين اطلقوا على انفسهم لقب (نقاد) لا يتورعون في الاعلان عن جعل النقد (مصدر رزق) لهم، فيكتبون (نقودهم) مقابل (نقود الاخرين) اي اموالهم، او للتقرب من الاديبات الجميلات فيتم منحهم عالما نقديا رفيع المستوى، تتناغم فيه كلمات الاطراء العالية حسب مستوى الجمال والاستلطاف، بل ان احدى الاديبات اخبرتني عن ناقد لا يتورع ان يعرض على الاديبة ان يتزوجها (زواج المتعة) ويرفع من قدر شأنها الادبي والثقافي، بل ان هناك (ظاهرة) وان سمعت احدهم يقول عنها (انها ليست جديدة)، وان قال الناقد علي الفواز عضو الهيئة الادارية للاتحاد انها لاتشكل ظاهرة، وهي: مديح النقاد لبعضهم، فليس غريبا ان تسمع ناقدا يصعد منصة ويمتدح ناقدا ويكيل له الصفات النقدية الحميدة، او يكتب مقالا ويدبجه بعبارات لينة من التعظيم والتزلف والدفء!!، عسى ان يرد له الاخر (الصاع صاعين).

واذ انا لازلت افكر في كيفية الخروج بالموضوع الى البوح الصريح، ومحاولة المسك به وتشريح ظواهره، سألت الناقد المعروف ياسين النصير عما يحدث في احوال النقد الادبي العراقي وواقعه، فقال : واقع النقد لابأس به قياسا الى ما موجود في الصحافة العربية والنتاج العربي، النقد العراقي يكاد يكون معظمه نصيا وليس نقد ظواهر او تتبع حداثة او مشكلاتها او تتبع افكار وتنوعاتها، النقد العربي فيه هذا الجانب الذي نحن نفتقده، ولان النقد في العراقي (مقالي) فقد فسح المجال للكثير ان يدخلوا مادامت الصحافة تحتاج الى المقالة ومادام هناك ادباء منتجون للنصوص، واضاف : لدينا نقاد معروفون يعملون على منهج مثل فاضل ثامر والدكتور مالك المطلبي وطراد الكبيسي، اما الباقون فهم في طور البحث عن هويتهم النقدية، ومن غير الممكن ان يصير لهم منهج نقدي ان لم يتخلصوا من النقد المقالي، فالكثير من الادباء يشركون في رؤية ابداعية علينا ان نبحث عنها، وليس من المعقول لا يجمعهم منهج ابداعي ولغة مشتركة ومفردات مشتركة، لابد ان ننتقل من نقد المقالة الصحفية الى نقد الظواهر وربط الثقافة العراقية بالعالمية وبحث مكوناتها الاساسية، الثقافة ليست شيء طاريء انما هي بنية مجتمع ونظم معرفية وجزء من مكونات المجتمع العراقي، وبدون ابداع عالي لا ينتعش النقد.

ومضى النصير في قراءته قائلا : المجاملات في النقد موجودة في كل الاوساط وفي كل العصور، وانا استغرب مما اسمعه عن مديح النقاد لبعضهم، فالناقد لايجب ان ينزل الى مستوى المدح والبحث عنه لنفسه، وان شاعت هذه الظاهرة فضررها كبير لانها ستصبح هوية نقدية للثقافة وهذا غلط.

ثم حاولت ان استطلع اراء عدد من الادباء، كان بعضهم مترددا في الاجابة مثلما اعتذر اخرون، وهناك من اكتفى بالقول (لا مشروع نقدي ابدا، ولا نقاد حقيقيون الا قلة من السابقين) او هناك من اعتذر لانه سيتعرض للاحراج، ومع ذلك حصلت على عدد من الاراء:

* الشاعر الدكتور جاسم بديوي قال : بالمقارنة مع العالم والوضع الثقافي العام، لابد لنا ان نعترف بأن اللسان العربي مع شديد الاسف ما زال (يتهجى) حروف المناهج النقدية القديمة لاسيما الغربية منها، وهذا طبيعي نظرا لتفوق الحضارة الغربية والحاقها الهزيمة بالحضارات الاخرى، فجاء النقد العربي وهو يحمل ملامح غير مكتملة، لكن بالتأكيد هناك تجارب نقدية هنا او هناك تستحق الاهتمام.

* الشاعر عمر السراي قال : المتطلع للمشروع النقدي العراقي يجده مشروعا فضفاضا ولكن بلا جدوى، فما زال النقد يسير في مجال تتناهبه جماليات سابقة واجمالياة عمومية دون الخوض في الجزئيات التشخيصية، فالتأسيس والتشخيص بعيد جدا عن الرؤية، مع اننا نستطيع ان نفرزن بعض الاسماء التي تعمل ببطء حثيث ولكن بلا مشروع واضح، واضاف : التطور الابداعي في الاجناسية الادبية عليه ان يحفز النقد للتطور وهذا ما نأمله في الاتي من الزمن.

* القاص والصحفي ياسين ياس : لا يوجد في العراق نقد ولا نقاد، فالنقد هو في مجمله مجاملات على حساب القصيدة او القصة او البحث، حتى ان مهرجان المربد الاخير لم تحصل فيه اية جلسة نقدية، فما يحدث الان هو املاء للورقة فقط بأي كلام او تفوه امام الحاضرين في الاصبوحات بأي كلام، والبعض من الذي اطلقت عليهم تسمية نقاد يجترون نفس الكلام في كل المناسبات ويستخدمون مصطلحات كبيرة، واضاف : النقد كما نعرفه حالة تقويمية، ليست تجريحية ولا علاقاتية، لانه مسؤولية، لذلك ومن خلال حضوري للندوات وقراءتي للنقود في الصحف استطيع القول ان النقد مفقود تماما.

* الناقد زهير الجبوري قال: لا يزال ميدان النقد في العراق (الادبي حصرا) يسير باتجاه الجماعة النخبوية، وقد بانت ملامحه منذ العقود القريبة التي شهدت انفتاح الثقافة الادبية على الثقافة العالمية، في العقد الستيني تحديدا، لكن النقد لا يستطيع ان يأخذ بالنتاج الادبي بشكل شامل لامر يرتبط بغزارة الانتاج الادبي ذاته، ولامر اخر انه لم يستطع ان يكشف عن تأسيس مصطلح يشتغل عليه.

واضاف : اما بخصوص النقاد ومديجهم فيما بينهم وما يعملون عليه من تناور (شخصاني) انما يعود لقرب المفاهيم التي يتناولونها في كتاباتهم النقدية، كما ان الاوضاع التي نمر بها وحدت الصوت الادبي بكافة فروعه (شعر، قصة ونقد) ونجد ايضا جيل من الشعراء الصاعدين يعملون على ذلك !!!.

* * كنت اتوقف امام هذه الاراء مثلما اتوقف عند الكلام الشفاهي الذي يحدثني به الاديب حينما اطلب رأيه، والذي بعضه يختلف في لهجته واسلوبه عما يمليه للكتابة، وهم في منجزهم الابداعي لايعولون على النقد كثيرا بقدر ما يعلون على اراء زملائهم التي تكون كما يقول البعض اكثر ثقة ومصداقية من الناقد الذي لا يمتلك ادوات النقد الحقيقية ويتصرف بالنتاج الابداعي حسب العلاقة والمجاملة، وكان البعض يضحك حينما يأتي على ذكر بعض النقاد الذين يملؤون ساحة اتحاد الادباء ضجيجا.


* يقول القاص عبد الكريم حسن مراد فسألني اولا: هل اتحدث بصراحة جدا او امر مرور الكرام؟ فقلت : تحدث كما تشاء، فقال : لقد اصيب النقد في العراق في زمن الاحتلال بشلل تام وذلك لسكوت شيوخ النقد عن النقد لضحالة ما تدفق من الاعمال الهجينة وظهور طارئين لا يعرفون الالف من الباء، وتسلم بعض ممن لا علاقة لهم بالثقافة مسؤولية الصفحات الثقافية وكذلك ظهور اسماء لم نقرأ لها من قبل في مجال النقد او ممن يطلقون على انفسهم (نقاد)والذين اساءوا لهذا العرش من خلال كتاباتهم التي لا تستوفي الشروط النقدية وذلك لانهم يكتبون بلا منهج معين، وكذلك ظهور جماعة (النقد- الاخوانيات) والتي كثيرا ما نقرأ لهم على غرار (فيدني وافيدك)، وهناك نقاد يكتبون ضمن علاقات خاصة : ان كانت هناك شاعرة جميلة، فأن الناقد سوف يرفع من نجمها.. الى اخره، وكذلك هناك من يكتب بأتفقاق مع الشاعر والقاص مقابل مبلغ من المال، وهؤلاء معروفون ولا اريد ان اذكر اسماءهم، وكذلك ممارسة النقاد المديح على المنابر الثقافية بعضهم لبعض، وفي ذمهم للبعض في حالة وجود خلاف ما، وةكذلك تمسك بعض النقاد بالاسماء القديمة وعدم اعترافهم بالكتاب الجدد، وكذلك ارضاء الاخر كما حدث في قراءة لمجموعة(شهرزاد وحكايات اخرى) لمنتدى نازك الملائكة، عندما تطرق د. ثائر العذاري في قراءة نصين من المجموعة والثناء عليهما وتجاهل القصص الاخرى.
واضاف : النقد سوف يكون بخير لو ابتعد بعض النقاد عن الاخوانيات، فارحموا كلمة النقد يرحكم الله.

* اما الشاعر والقاص ضياء مهدي عباس فقال: النقد الذي يفترش مساحات طيبة من صفحاتنا الثقافية للاسف الشديد هو نقد اخواني يخضع للعلاقات الصداقية بين صاحب المنجز والناقد وبعيدا عن اي منهج نقدي علمي رصين، واذا ما كان هناك ثمة نقد يتوخى الدقة الى حد ما فهو نقد انطباعي، وهذا النمط الاخير يستسهله البعض وهنا الطامة الكبرى لكن هذا لايعفي بالمرة انعدام وجود النقد العلمي الموضوعي المنهجي عند القلة القليلة من النقاد الذين تركوا بصمات واضحة على جسد النقد الادبي العراقي، لكن ما تجدر الاشارة اليه ان النقد العراقي والعربي منذ عقود وهو يسعى الى تأسي نظرية عربية للنقد الادبي والفني ولكن دون جدوى، وبقي النقد الادبي المعافى يجتر المدارس النقدية الغربية، وبصراحة لا زلنا نشكو غياب وجود نظرية عراقية او عربية في النقد الادبي وهذا واقع الحال بمنتهى الاسف.

في الختام تعمدت ان اقف عند الناقد علي الفواز عضو الهيئة الادارية لاتحاد الادباء، الذي يشار اليه احيانا انه يمنح للبعض صفات لا يستحقونها وينفخ فيمن لايمتلك القيمة الفعلية لصفة الناقد، سألته عن احوال النقد، فقال : ازمة النقد في العراق هي جزء من ازمة ثقافية ترتبط بطبيعة التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية خاصة وان الثقافة العراقية ظلت لعقود طويلة على تماس بالخطاب السياسي والخطاب الايدلوجي وهذا ما يجعل النقد كمفهوم ادبي واخلاقي يعيش الكثير من ظواهر القلق والنكوص والهروب الى مجالات نظرية اكثر مما هي اجرائية فضلا عن الضعف الكبير للمؤسسة الاكاديمية في تأصيل الظاهرة النقدية العلمية التي يعدها البعض بمثابة المطبخ الغائب، اذ ان المؤسسة الاكاديمية في العالم هي التي تجذر المناهج والافكار والتأسيسات الجديدة للمشاريع الثقافية ربما للهامشية القصدية التي وضعت الجامعة نفسها داخلها واثر الخطاب السياسي واحتكار السلطة للثقافة والعنف والكتاب والمعرفة والصناعة الثقافية، كل هذا اسهم في تشظية المشهد النقدي والاكتفاء ببطولات هنا وهناك لم تستطع للاسف ان تعلن عن نفسها كأتجاه او ظاهرة مثلما هو حاصل في الشعر والقصة.

واضاف : ما يعانيه النقد الان من تشظيات يعود الى ارتباط الظاهرة النقدية بمتن اجتماعي اكثر مما هي مرتبطة بالهامش الثقافي الفاعل، ناهيك عن ان النقد الادبي في العراق هو اكثر تمظهرات الثقافة تعرضا للتعرية والانزياحات بحكم تأثيرات التحولات الثقافية الكبيرة في العالم في مجال النقد وضعف الاساس العلمي المنهجي للناقد العراقي وضعف الاعلام الثقافي وصناعة وترويج الظاهرة النقدية عبر تغييب دور النقاد في تسليط الضوء على التحولات العاصفة التي حدثت في تاريخ الشعر العراقي منذ تشكلات الحداثة الاولى وصولا الى صدمة ما بعد 2003.

الفواز قال حول ظاهرة مديح النقاد لبعضهم: لا اعتقد ان هذه الظاهرة واضحة وحاضرة بشكل يجعلها ظاهرة مرضية، قد يكون الهامش الاجتماعي الاستعراضي يملي بعض شروطه (الاخلاقية) لكن النقاد هم اكثر الكائنات الابداعية تمردا على بعضهم البعض لان النسق الثقافي العراقي الشعري والقصصي هو طارد مميز للنقاد الذين تسللوا الى مدنه من مناطق الكتابة الشعرية والقصصية ذاتها وليس من المدارس والمناهج الادبية والفكرية المعروفة.