إعداد عبدالاله مجيد: بدأ في نيويورك ولوس انجيلس يوم الجمعة العرض الأول لفيلم quot;كوكو شانيل وايغور سترافينسكيquot; الذي يصور العلاقة العاصفة بين اثنين من عمالقة القرن العشرين. ويعتبر فيلم المخرج الهولندي يان كونين الأنجح في اقترابه من التقاط العاطفة المتقدة التي استبدت بعبقريين نرجسيين الى حد الهوس اشتبكا في صراع ايروتيكي مشبوب.
يقوم الممثل الدنماركي مادس ميكلسن بدور سترافينسكي المتعالي، الحساس الذي تتدفق الموسيقى من رأسه حتى يكاد يعجز عن اللحاق بها وكتابة رموزها. وتقوم النجمة الفرنسية انا موغلاليس بدور شانيل ذات الخيلاء الامبراطوري والصوت الرخيم والنظرة الثاقبة.
يعترف سترافينسكي وشانيل على السواء بأن أكبر القواسم المشتركة بينهما تتمثل في ان ينابيع إبداعهما هي ذبذبات النغم وملمس القماش لا الأفكار التي تُصنع على الورق.
شانيل هي صاحبة المبادرة في العلاقة القصيرة التي لا يُعرف الكثير عنها بين اثنين من ايقونات القرن الماضي. وبدأت هذه العلاقة في عام 1920 بعد سبع سنوات على حضور مصممة الأزياء والعطور الحفل العالمي الأول لعمل سترافينسكي quot;طقوس الربيعquot; في باريس. وكان ذلك الافتتاح سيئ الصيت في 29 ايار/مايو 1913 فجر اعمال شغب اشعل فتيلها استياء المحافظين من الخروج عن التقاليد سواء في موسيقى سترافينسكي أو تصميم فاتسلاف نيجينسكي للرقصات. واندلعت اشتباكات تطلبت تدخل الشرطة وتسبب رد فعل البعض من الحاضرين على غناء سترافينسكي خارج السرب في اصابته بقنوط يشحذه البرم والسخط.
يعيد كونين في الفيلم الذي اخرجه عام 2009 تمثيل تلك الأمسية التاريخية بقوة أخاذة في المشهد الاستهلالي. وتنقل موسيقى المشهد وتصميم الرقصات التأثير الصاعق لهذا الغزو من الصوت والحركة الذي خدش أُذن البورجوازية المعتادة على باليه تشايكوفسكي الرومانسية وحاول ان يفسد ذوقها المهذب في الظاهر.
بعد هذه الزخة الاستفزازية من اللعنات على الامتثال والرياء يركز الفيلم دائرة الضوء على المطبات السايكولوجية الغادرة لعلاقة تبدأ عندما تدعو شانيل التي اصبحت اسما لامعا، سترافينسكي المفلس وعائلته الى البقاء في فيللتها خارج باريس. ويجر سترافينسكي الذي تختلط داخله مشاعر الامتنان والرفض تجاه ضيافة شانيل، زوجته كاترين (تقوم بدورها ايلينا موروزوفا) واطفالهما الأربعة الى منزل شانيل بما فيه من خدم واستوديو كامل وبيانو ضخم. وخلال علاقتهما التي تحدث على مرأى كاترين لا يقوم العاشقان بأي محاولة جدية لإخفاء عواطفهما. وحين تواجه كارترين في النهاية مضيفتها وتسألها إن كانت تشعر بأي ذنب تجيب شانيل بالنفي دون مواربة في حين كان سترافينسكي أكثر مراوغة وحين يُسئل إن ضاجع شانيل يرين صمت طويل وفي النهاية لا يجيب عن السؤال.
حتى قبل العلاقة مع شانيل كان زواج سترافينسكي فقد رونقه. فان كاترين مصابة بالتردن الرئوي وترى نفسها حيوانا يتآكل من الداخل ولكن لديها افضلية الثقة التي يضعها سترافينسكي في رأيها بأعماله الابداعية. وتتألق ايلينا موروزوفا في دور الزوجة المغدورة التي تتحمل العذاب بصمت منتظرة انتهاء العلاقة العابرة بين زوجها وشانيل. ويُشعرنا الفيلم بصورة غير مباشرة ان الحرب العالمية الاولى اشتعلت وانتهت في تلك المرحلة من العلاقة.
يقول الناقد السينمائي لصحيفة نيويورك تايمز ستيفن هولدن ان العلاقة بين سترافينسكي وشانيل باستفزازها المواضعات البورجوازية كانت تعكس الروح الثورية لمقطوعة quot;طقوس الربيعquot; على غرار تفضيل شانيل للأسود والأبيض.
لولا كلام سترافينسكي وزوجته كاترين (تقوم بدورها ايلينا موروزوفا) باللغة الروسية فان هذا الفيلم الناطق بالفرنسية اساسا يكاد يخلو من الاشارة الى اصوله الروسية. ويبقى ماضي شانيل محاطا بقدر حتى أكبر من الابهام. وفي لحظة الضعف الوحيدة التي تمر بها نراها تذرف الدموع على وفاة صديقها الانكليزي بوي كابل.
بقية الفيلم متقنة، انيقة، مثيرة جنسيا، لا تبخل بالاشكال الهندسية والألوان الحارة في التصميم على طراز آرت ديكو الذي كان شائعا في العشرينات والثلاثينات. ولكن الناقد هولدن يلاحظ ان الفيلم الذي يستوحي رواية كريس غرينهالغ بمشاركة المؤلف والمخرج وكارلو دي باوتيني في كتابة السيناريو، لا يستعيد تلك الدفقة الاولى من الطاقة الفنية في حين ان مشاهده الأخيرة تمضي متعثرة الى نهاية باهتة.
وقع الخيار على quot;كوكو شانيل وايغور سترافينسكيquot; ليكون فيلم الختام في مهرجان كان السينمائي عام 2009 وعُرض في 24 ايار/مايو من العام نفسه.
العلاقة العاصفة بين سترافينسكي وصاحبة العطر الأشهر شانيل
هذا المقال يحتوي على 597 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة
