بعوض
ثمة ما يجمع بين حكامِنا والبعوض، وثمة ما يفرّقهم. كلاهما يعيش في البرك الراكدة والمستنقعات.كلاهما يتغذّى على دم الإنسان.كلاهما ناقل للأمراض والأوبئة. أمّا ما يُفرّقهم، فلا يؤلمني منه إلا هذا: البعوض يعيش بالكثير ثلاثة أسابيع. إلا هذا: البعوض مهما امتصّ من دمك، يسحب في الأخير قُليماتِهِ ويذهب. إلا هذا: البعوض لا يستطيع فتح فكّيه
| الحلقة الأولى |
ليلتهمك. إلا هذا: البعوض مهما لسعك وأزعجك، لا يحوّلك إلى بعوض!
أشعر
لا المتنبي ولا شكسبير. الموسيقى الأصفى والأعلى شاعرية. عويل الكمان، أو جهشة الناي، هما كبيرا شعراء وقتنا، وشاعراته كذلك. وما يقال عن الموسيقى، يقال عن النحت أيضاً.
تربيع
تكتشف اليوم فقط أن برشلونة مدينة مربعة. وتكتشف اليوم فقط أن التربيع معماراً ومساحات، أليفٌ ولا يشعرك بالاغتراب، مثل المدن الكبرى. من ربّعك يا عريقة قبل مئة وستين عاماً، كان فناناً أولاً. مهندساً ومعمارياً ثانياً. وأبا الشعراء من قبيلتنا ثالثاً. وقبل هذا وبعده، كان عملانياً حدّ أنّ المرء لا يمشي فائضاً، وهو ينتقل من هذه المنطقة لتلك. والآن، بعد كل هذا التوضيح، تبقى مهمة أخيرة: أبوس رأسك يا دون سيردا!
تعريفات
لا تعريفات للشعر سوى أحد اثنين: إمّا يمتنع عن التعريف، فلا يُعرّف. وإمّا غامض، حدَّ البياض أو السواد، أو كليهما معاً. وغير هذين، مجرّد هراء. من يتنطّح لتعريف الشعر، عليه أن يعرّف الألم، الموت والحياة، الروح أولاً. أمّا عندي، فأعرّف قدومه لا ماهيّته. الشعر: ضرورة إنقاذ، ومكافأة. لحدّ اللحظة على الأقل. أما ماذا سأقول عنه غداً، فهذا أيضاً في علم الغامض والمجهول. غفرانك سيدي طفل الفنون!
قمامة
ما يلقيه الغرب من بقايا طعام، يكفي لإقامة أود أفريقيا بأجمعها. ما أكثر قمامتهم! وما أخبثها رأسمالية خدعت العالم بأنها حضارة استهلاك الكماليّ والمترف. لقد كان هذا سطحاً فحسب، أما باطناً فهي حضارة استهلاك الزمن والبشر والأشياء والطبيعة، جميعاً في قمع واحد. ليصبّ عصيرهم المقطّر في وعاء قلّة من قراصنة، هم أقوى القراصنة وأبشعهم على تتالي التاريخ.
شرفات
شيء غريب يا أخي. شرفتي تطل على مئة شرفة، وصار لي هنا ثمانية شهور، ولم أر أحداً أو أحدةً في شرفته. فقط بين كل شهر وشهر، أرى خادمة من جنوب أمريكا، تنظّف الغبار عن الأبواب وتلمّع الزجاج. وشيء آخر أغرب: لم أر، لا في الحي القوطي حيث أسكن، ولا في سواه، غسيلاً في الشرفات. ثم بعد ذلك يزورني صديق فلسطيني سوري ويقول: لديك شرفتان وبإمكانك شرب القهوة فيهما كسنيور. أي قهوة يا مواطني الدون؟ لك هنا سنة كاملة، وبعد لم تلاحظ أنّ شرفات برشلونة تخلّت طوعاً عن كل ما للشرفات من وظائف. أشرب القهوة في شرفتي؟ وهل بإمكاني دون أن أثير الاستغراب، يا قليل الملاحظة؟ آه لو زياد خداش عاش في شتاء الكتلان المشمس وصيفهم الحارّ، لكان لم يعط أحد كتبه عنوان: شرفات!
كاتب ياسين
حين أسترجع تاريخ ومواقف الكتّاب الجزائريين، أنحني فقط أمام كاتب ياسين. لقد سُئل مرّة في حوار مع صحافي فرنسي عقب الاستقلال: لمَ تكتب بالفرنسية، وها تحرّرت بلادكم؟ فردّ: أكتب بها لأذكّركم بأنني لست فرنسياً. وأكتب بها لأنني أعتبرها غنيمة حرب. أي كبرياء شخصي ووطني بين ثنايا هذا الجواب! كاتب عاش ومات واقفاً. وما بينهما أمضى عمره فقيراً معدماً في شقته الصغيرة بباريس. أمّا الطاهر وطار، وقد كان تميمة اليسار في المشرق، فقد تكشّف عن رجل سلطة، موقفاً وأدباً، حتى قبل أن يموت بزمن طويل. وسيظل موقفه من اغتيال زميله الطاهر جاووت، عاراً يلاحق ذكراه إلى الأبد. أما آسيا جبار، عضو الأكاديمية الخالدة، فلم يرفّ لها جفن وهي تمتدح بنعومة تحضّر المستعمر الفرنسي أثناء وجوده في بلدها، وذلك في كتابها ما قبل الأخير، عن سيرتها الذاتية في الطفولة. ثم لاحظوا: آسيالم تتلفّظ طوال حياتها بما يخدش السلطتيْن: الفرنسية والجزائرية. رغم ما جرى من أهوال في مجاري السلطتين!
سيظل كاتب، لهذه الأسباب ولمواقفه الأخرى الكثيرة، هو أيقونة الجزائر بامتياز. لأنه اختار من بين الألوان، الأسودَ والأبيضَ فقط. اختارهما عن وعي ودفع ثمنهما، هو أيضاً، دون أن يرفّ له جفن. وشتان بين رفّة ورفّة!
علي الخليلي: حامل الجمرة المقدّسة
قبل شهور قليلة، ذهب علي الخليلي إلى المستشفى بقدميه. ثم رجع إلى بيته في رام الله على كرسي متحرّك. أستاذ جيل من الأدباء والمثقفين الفلسطينيين، لم تتكرّم عليه سلطتنا البائسة بفرصةٍ للعلاج في الخارج! والآن، يموت علي فوق سريره، بكل ما في البساطة من فاجعة.
هذا الرجل، هو حاضن جيل بزغ من تحت رماد الهزيمة الكبرى. وبوجوده في جريدة الفجر المقدسية، ثم مجلة الفجر الأدبي، صار لنا أدبٌ وثقافة تحت الاحتلال. ولن يستطيع أحدٌ أن يؤرّخ لتلك الحقبة، دون أن يقف مطوّلاً عند تجربة علي الخليلي، شاعراً وناثراً وناقداً ومحرّراً ثقافياً.
وأنا حين أتذكّره الآنَ، أتذكّر نُبْلَ تلك السنوات البعيدة وشفافيّتها، قياساً بطحالب وكدر وأَسنِ زماننا هذا.
سامية فارس، زميلتنا وزوجة علي، كتبت بعد رجوع عليّ إليها مشلولاً: مَن يُعيد لي زوجي؟ وقد قرأت مقالها وامتلأ جوفي بالغَصَص. لا أحد يا سامية، بعد أن سبق السيف
العذل!
شهود زمن المأساة قُدّرَ لهم، أيضاً أن يكونوا شهود زمن المهزلة!
وفلسطين التي تتصحّر على الأصعدة كافة، بفعل جراد أوسلو، لا يهمّها _ وقد فقدت كل شيء _ أن يبقى مبدعوها كجدار أخير. أن يبقى هؤلاء خميرتها وذخيرتها الأولى والأخيرة. ذلك أن أزمنة الانحطاط، حين تضرب بزعانفها الحادّة المسنّنة، لا تستثني أحداً.
لا تستثني حتى شيخاً في السبعين!
أمم الذاكرة
كل يوم تكتشف جديداً في برشلونة. اليوم، ومعك صديقك، خرجتما لنزهة المساء. فأوقفك في كايا برنسيسة، وأراك ما دعسته قدمُك مئات المرات: بلاطات من حديد كتبت عليها البلدية تاريخ المحلاّت العريقة، ووضعتها على الرصيف أمام المحلّ. هذا محل لتصنيع وبيع الشموع أُفتتح عام 1761، ولا يزال يبيع الشموع. محل آخر أُفتتح كمكتبة عام 1843، وظل مكتبة حتى 1934، ثم هو الآن متجر خبز. مقهى قرب متحف الفن الحديث أُفتتح عام 1860 ولا يزال يعمل كمقهى. وهكذا دواليك. وتجد هذه البلاطة في كل أنحاء المدينة. فماذا يعني هذا؟ يعني أنّ الأمم التي بلا ذاكرة هي أمم بلا حاضر ولا مستقبل. وأنهم يبنون على الماضي، ويراكمون تاريخياً. عكسنا نحن المتخلّفين. نحن أصحاب البدايات دائماً، ومن الصفر دائماً. فلا تراكم تاريخي لدينا، ولا ذاكرة، ولا ما يفرحون. كأننا أبناء يومنا فقط. ولهذا تتكرّر أخطاؤنا، فمرّة تكون مأساة ومرة مهزلة ومرّات صفة لم يجدها بعدُ القاموس. هم يبنون المتاحف والتماثيل والنصُب، لعدة أهداف أولها: عدم النسيان. فمَن لا ينسى لا يكرّر الأخطاء.
نمشي وفي كل شارع وزنقة نجد البلاطة الشهيرة. البلاطة التي لطالما دعست عليها دون أن أدري أنها تاريخ وأنها مصدر آخر يدرّ دخلاً على البلدية وعلى صاحب المحلّ معاً. فالسياح وأهل المدينة يعرفون هذه المحلات، ويقبلون عليها. أقرأ البلاطات وأغصّ [مع أني حزمت أمري منذ بداية قدومي، بألا أعقد المقارنات بيننا وبينهم، فلاجدوى. بل هو المرض] لأني أتذكّر حلب وما فعله الجلواز بأعرق وأعتق أحيائها وأسواقها. وما فعله صدّام بالأهوار. وما فعله هذا السين بكذا، وذاك الصاد بكيت.
حكّام جهولون كانوا المصيبة برُمّتها ورِمّتها. والمصيبة الأكبر أننا كشعوب قبلنا بهم. فتحوّلنا تحت حكمهم العائلي المافيوي، من بشر إلى ...
إلى ماذا؟
ليش الحيرة؟ بدأتها بالبعوض، فدعوني بالبعوض أختم!
