أطفالٌ يتدفقون خارجاً من مكمن ما: باب، أو فتحة زقاق ضيقة. كان كلّ احد منهم يركلُ كرة ً ويدفعها أمامه. فجأة ً ضربتني أحداها، ارتطمت بصدغي. آلمتني الضربةُ قليلاً، وبأصابعي فرّكتُ مكانها. لكنٍ، أيّهم استهدفني بهذه المهارة، ولمَ؟ أنا لم اؤذ ِ أحداً، وربّتما كان مدفوعاً من أحدهم. وبعد البحث والتقصي عرفت أنها قُذفت من فوق احد السطوح. فقد خمّنْتُ أنها جاءت من هناك؟ فبلعتُ غيظي، وسوف اتابع بقية القصة. اخترق الأطفال مكاني، ساروا على ميمنتي وميسرتي، وجلهم يبسمون لي. عدتُ الى بيتنا الذي هو نفسه لايُغادرني في مجاهل احلامي ولا يتغيّرُ. الغرفتان: الكبيرة والصغيرة، والباحة والدرج. هنا يتكدّسُ معظمُ ذكرياتي: شططاً ووداعة، جائعاً ومقموعاً ولاهثاً ارسمُ واقرأ واحاور حصواتي الصغيرة، وأجعل جرس النحاسَ يُكلمني، واسمِعُ الآخرين ما يقول حدّ الإزعاج. حتى ينهض ابي من قيلولته فيُطاردني ويصفعني ويقبض على الجرس ويرميه في البئر. هنا تترسّبُ آلافُ لقطات صوريّة. فمن أين لي ذاكرة ٌ خصبة فصيحة تريني إياها؟ فجأةً وجدتُني ممدّداً على فراشي وحوالي افرشةُ تنطوي على آخرين يغطّون في منامهم. جلستُ افرّكُ عيني، وغادرتُ القاعة ملتفاً بغطائي الصوفي. تركتُ البيت وتلقفتني فوهة ُالزقاق التي اندلق الأطفالُ منها. وثمة صخبٌ ترامي اليّ. افضى بي الزقاقُ الى ممرّ يمكنُ النزول منه الى ساحة اشبه بملعب كرة التنس. وعلى الميمنة والميسرة وقبالتي درجات مكتظة بالناس. يسمعون الى خطبة العيد يُلقيها شخص على الطرف الآخر من يساري. كانت عيونُهم تشزرني وتستغربني وأنا شبهُ عارٍ التفّ بغطاء صوفي وانتعل خفين باليين. هم في كامل اناقتهم، حالقون ذقونهم ولحاههم. يرتدون اجمل الثياب. وأنا رثُّ الخلقة والهندام. اشمأزوا من وجودي. وغادرتهم ملتفاً بخطيئتي. عدتُ بعد وقت بكامل اناقتي. كنتَ الآن ذاك الذي يعرفونه. وما أن اطللتُ عليهم حتى ناداني الخطيبُ الأول: / هلمّ يا استاذ، الكلمة ُ لك الآن / وعلا التصفيقُ من كلّ ناحية. قلتُ مع نفسي: تُرى مَنْ اكون حتى اُدْعَى الى مخاطبة هذي الجموع؟... / نعم، انا هنا، اهنئكم بالمناسبة الجليلة، واذكّركم بمَنْ غابوا ورحلوا من اصدقائنا المُبدعين، الألى خلدّوا مدينتنا وطيبة أهلها، ومنحونا أجمل الكتب، نرى زماننا واناسنا وانفسنا فيها. نترحّمُ على ارواحهم. لا اريدُ ذكر اسمائهم. انتم تعرفونهم اكثر مني. ولن اطيل، فعيالكم بالإنتظار للإحتفاء بيوم العيد. واسلموا / ارتفع التصفيق، ربّما لقصر كلمتي، فقد غشيهم الضجر لكثرة الخطباء وطول خطبهم. وتورّمت المنافذ بالناس عائدين الى بيوتهم وكنتُ احدهم رميتُ قامتي خارج الزحام.

في مكان آخر لا يبعدُ عن المكان الأول مهرجانٌ آخرُ، وأرى صديقي / زين/ يرتدي احد قمصاني الجديدة.لونُه أحمرُ ينطوي على مربعات سوداء، وظلّ القميصُ مفتوحاً وصدرُه العاري يبين، وقف لصق سياج حديد يتحدّثُ مع بضع عجائز كن يثرثرنَ ويُطلن على فسحة دائرية تقام فيها فعالية لم أتبيّن فحواها، ضجيجٌ وجلبة وحراك، تُرى أكانوا يرقصون أم يُغنّون أم يتبارون؟ لم اُشغلْ نفسي بالنظر الى ما كان يتمرأى لي. بل همستُ في أذن / زين /: لقد دخلوا واحتلوا السوق / فجرّني من ردني: هيّا قبل أن يلجوا القيصرية، ولنُخفِ سجّادنا / توغلنا فيها من بوابتها الواسعة وتسللنا نحو دكانه. طلب من ابنه البكر أن يُغلق علينا بابَه ويمضي بعيداً حتى تهدأ الأمور. في نهاية الدكان بابٌ صغير يُضفي الى فسحة يتكوّمُ فيها السجادُ. وحرّك نتوءاً على احد الجدران فانسحبَ جدارٌ وبسرعة تضافرنا على إدخال عدد منها ذي اثمان باهضة. ثم اغلق الجدار، واشعل المصباح. فتراءى لي غرفة ٌ كبيرة تنطوي على عدد كبير من السجاد النفيس. امسك بطرف قميصه وبادرني بالقول: لقد ارتديتُ قميصك من دون علمك فسامحني / هززتُ له رأسي: لا بأس في ذلك / في نهاية الغرفة زرٌّ ضغط عليه فانفتح الجدارُ على باحة بيتهم، واوصد الفتحة. كانت زوجته في البيت، استقبلتني بابتسامة زهرية. وبسرعة هيأت لنا الشاي. في هذه الأثناء كان محتلو المدينة اطبقوا عليها وتوغلوا في القيصرية وحطموا أبواب الدكاكين المغلقة ونهبوا ما فيها، بينما دخلوا المفتوحة واخذوا ما راق لهم. لكنهم حطّموا باب دكان صديقي وسلبوا عدداً من السجاد وغادروه. لم يبق في قيصرية السجاد سوى القليل من النوع الرخيص واختفى ما غلت اثمانه. ظلوا اياماً يقتحمون علاوي الحبوب ومتاجر السكر والشاي والأقمشة. ويسطون على البيوت ويعتدون على اصحابها، بل يغتصبون النسوة. وقاومهم الناسُ، لكنهم دفعوا حياتهم ثمناً. وحين أمحلتِ المدينة ونفدَ الطعامُ والماء غادروها الى مدن اخرى. وانفرج الوضع ُ، استعادتِ المدينة عافيتها بعد ان اشتدت المقاومة في المدائن الأخرى فهُزموا شرّ هزيمة. واعتقلَ كبارُ القادة وشنقوا امام الناس. عاد الأمان، وفتحت المحال ابوابها.
وفي امسية من الأماسي اطلّ علينا / زين / يحمل كيساً ينطوي على قميصي الأحمر بعد ان غسله وكواه.
.....................
هنا في صالة أنيقة كنتُ انظرُ في كأس بلوريّة على رفّ ٍ وراءه نافذة ٌ، وعلى جهة من الكأس نخلة ٌ سوداءُ السعف، جذعُها ابيضُ، تتدلّى عذوقها الحمراء، لم أرَ مثلها جمالاً، هرعتُ ابحثُ عن quot; كامرتي quot; لاخلّدَ هذا المشهد، وهي في حقيبتي داخل فتحة في احد الجدران. كانت مفتوحة بُعثرتْ محتوياتُها، غرستُ اصابعي فيها، قلبتها فلم تحظ َ ببغيتي. فجأة ً وقفت على يساري عجوز ٌ، رفعت بيدها الكاميرا: اتبحث عن هذه؟ قالت بلامبالاة / وبقوة سحبتها من يدها، مهرولاً تجاه الكأس، كان مكانُها فارغاً، غشيني كمدٌ واحباطٌ، ترى لمَ تختفي الأشياء الجميلة التي يحتفي بها اعجابُنا؟ سؤالٌ سخيف رميتُه بعشوائية على نفسي. لكني لم اتخاذل. بدأت اترصّدُ جميع الموجودين في الصالة، والتقيتُ عسكريّاً فظّاً يحملُ كأسين، استوقفتُه لأسأله، بيدَ أنّه صدّني بمرفقه وابعدني.ولم تكنْ تلكما الكأسان شبيهي التي رأيتُ. ومن سوء الحظ كانت كاميرتي عاطلة ومحطمة. رميتها في سطل قمامة ومضيت، لكنّ ذاكرتي الوفيّة لم تزلّ تحتفظّ بقامة تلك النخلة الغرائبية على الكأس البلورية التي احتفى بها بصري.
تركتُ مكاني مُثخناً بالكمد، كمد ٍ على الكأس ونخلتها الاسطوريّة. ثمّ... رأيتني مُحاطاً برهط من العسكر. اكرهُ العسكرية. فقد أخذت آلافاً آلافاً من شبابنا واحبتنا في حرب مجنونة كان المنهزمُ فيها الطرفان، والمنتصرُ كان الأمريكان. الذين اضرموا فتيل الحرب ولم يُطفئوها الا بعد احتضار البلدين المُحاربين. وكرهتُ الجيش الشعبي الذي ابتلع عطلنا الصيفية وأيامنا وفرحنا ومعارفنا ووضعنا في قمامة الجهل والبلاهة. أكره أيّ قيد معرفي او اخلاقي أو سلطوي. تجنّبتُ الرهط العسكريّ، ونأيتُ بنفسي عنهم على الرغم من رؤيتي الكأس التي شغفتُ بها بيد احدهم وقد اتخذها قدحاً لشرب الشاي. رميتُ قامتي بعيداً. وظلت ِ النخلة ُ العجائبية جرحاً في ذاكرتي الملمُ شظايا ألقها واخبئها في نفسي.
.........................
تُرى، ما الذي يجري هنا؟ بضعُ شاحنات ركاب مغطاة ٌ بأغطية حمراء، وركابٌ ينتظرون. وضجيج طائرات غير طبيعي في السماء. وهلعٌ يغشى الناس رائحين وآتين يتخبّطون في سيرهم، وانظارهم ترنو الى السماء، خوفاً وهلعاً. اهو انقلابٌ عسكريّ في وضح النهار، ام صدام بين فئة وفئة تُستخدمُ فيه الطائرات والمدافع تلعلع فوهاتها وترمي غيوماً من الأدخنة؟ وانا، بكلّ برود، توغلتُ في هذا الطوفان الناري، الذي يبدو عن بعد أشبه َببانوراما واسعة من دون خشية. كنتُ كمَنْ يعبرُ تخوم حلم سديم. واجتزتُ فسحة واسعة كانت تبدو لعيني مثلَ ساحة معركة. لم اصَبْ بضرر. وحين ابتعدتُ التفتُ الى الوراء. كانت أعمدة ُ الدخان لم تزلْ تتصاعد.
تُرى، متى يخمدُ اوارُ العنف ومتى ينتهي انتظار ركاب الحافلات المتوقفة؟ اسئلة ٌ تنتفخُ مثل بالونات ملونة وتنفجرُ ولا أحدَ يجيبُ عنها.
واسغربتُ وضعي لمَ اقفزُ من مشهد الى مشهد. ولمَ تتلقفني فوهة ُ المصادفات؟ سؤالٌ اطرحه على نفسي لينضمّ الى بقية الأسئلة التي ظلت من دون جوابات......
لكنني في مكان آخر، ساحة مربعة من الثيل الناعم، تدور عليها ما يُشبه حفلاً راقصاً. رقصاً يُنشط الجسد من الرأس والرقبة الى الذراعين والبطن والخصر والساقين. رقصاً كأنّه رياضة. هل أقولُ لكم مَنْ كان في الحلبة، ربّما لن يُصدّقني أحدٌ، رأيتُ بعيني صباحَ الدلوعة وتذكرتها وهي تغني توتا توتا، انا ستوتا في فيلم قديم لها، وحطة يابطة في بلبل افندي... وصباح فخري، وبريجيد باردو وافا كاردنر وكيرك دوكلاس وغرغوري بيك..و و... آخرون من أثرياء الزمن. يرقصون، او يتحرّكون فرادى أو كلّ اثنين معاً. فيتمرأى لناظريّ حركات الرؤوس، دوران الأجساد، ميلان الرقاب، وانحناءات الظهور وصعود ونزول السيقان. على يسار الساحة بيوتٌ صغيرة متلاصقة، لها نوافذ عريضة تفضحُ ما، ومَنْ بداخلها. ورأيت كارتر وتاتشر داخل غرفتين متجاورتين يتهيئان للنزول الى الملعب الأنيق. فترامى اليّ السرير والمرآة وثلاثة ُ جدران، وكان المشرفون على هذه الفعالية/ وفعاليات اخر تجري هنا وهناك / شراذمُ من الأفغان. اندلق كارتر وتاتشر من البابين وتصافحا وتعانقا ونزلا معاً الى المربع الأخضر وجعلا يرقصان رقصة ً ثنائية على انغام الموسيقى. ما حيّرني هم الأفغان الذين يمنعون في بلادهم الرقص والموسيقى والشعر والمسرح وكلّ مُعطيات التحضر، ويشرفون هنا على فعاليات تخدم الإنسان. قلتُ في نفسي: جئتُ الى مكان غلط. حين انتهت الحفلة ُ الراقصة انقطع صوتُ الموسيقى وعاد الراقصون الى مآويهم / الشقق الصغيرة / ثمّ اغلقت النوافذ / وتحركتِ الشققُ المتجاورة وغادرت المنطقة كما لو كانت عربات قطار. ومضيتُ، ارنو من ممشاي الى فعالية واخرى، وكان الأخوة ُ الأفغان دمثين متحضّرين. وتمرأت لي فسحٌ اخرى: هنا يتبارى بضعة اشخاص في قطع انابيب بلاستك، لا بالمناشير، بل بسكاكين محزّزة. وهناك مصارعة بين عدد من المتبارين، فما ان يصرع احدهما صاحبه ينتقل لمصارعة غيره. وتمضي اللعبة حتى ينتصر مصارع على الجميع وله الجائزة. وكان الأخوةُ الأفغان يدورون بينهم ويفرضون النظام. انتقلتُ من مكان الى آخر حتى رسوتُ على حفرة دائرية بعمق متر ينام فيها شخصان، ثمّ تُرمى عليهما سلالُ من العنب: الأصفر والأسود , فتمتليء الحفرة، بل تغدو جبلاً. وتنقطعُ الأنفاسُ وننتظر. بعد وقت ربّما يناهزُ الساعة يتحرّكُ سطح كومة العنب وتطلّ اصابع، ويدٌ وذراع ُثم بقية الجسد، فيُسرع اثنان الى اسعافه. ويخرجانه وهو يتنفّسُ بصعوبة. امّا الآخر فقد اهمل مصيره وغادرتُ المكان وسط ضجيج الموسيقى. وكلا الأفغاني والموسيقى على طرفي نقيض.
ويعنُّ مرأى آخر. نهر وسوق ٌ وبيوت وأناس. يزدحم الماءُ بالقوارب، والسوق بالناس. والبيوت باصحابها. كنتُ ابحثُ عن بيت صديق لأخي الأكبر ولي به معرفة جيدة. لكنّ اخاه الأصغر كان معي في الثانوية. عباس دكتور في الكيمياء، واستاذٌ جامعي مرموق، لكنّه سلفي الفكر. كنتُ ساعتئذ ماركسيّاً، ترى كيف يلتقي النقيضان. قلتُ مع نفسي: بالحوار والمحبة والصداقة. فوجدتُني داخل بيتهم / بيت يضمّ الأبوين والأولاد وزوجاتهم واولادهم، وكذا الأحفاد / بدءاً جرى بيننا نقاشٌ مثلُ مياه النبع. لم يكدرٍه خلافٌ. لكنّ لهجة َ عبّاس احتقنت وتشنّجت واستحالت صراخاً لاعراكاً. كدتُ اترك البيت، الا أنّ الأب دخل علينا. ولاذ كلانا بالصمت. جاء الطعامُ واجتمع الجميعُ حول السفرة. ومعنا الأخوة والنساء وبعض الأطفال. وانتقلنا الى صالة اخرى. وأجاءت النسوةُ بأواني الشاي والفاكهة. جلستُ على قنفة طويلة وجلس الى جانبي الأخ الأصغر تحسين، صديقي في الثانوية وفي المحلة. كان الأبُ اريحيّاً، صبّ لنا الشاي في استكانات جميلة. وتبرّعت زوجةُ تحسين بتوزيعها علينا. لكن صديقي تمدّد الى جانبي ووضع رأسه على فخذي الأيمن وأغمض عينيه. اختفى الجميع ما عدانا أنا وتحسين وزوجته الجالسة الى يساري. وصار الحديثُ شخصيّاً تبادلناه ثلاثتُنا في اريحية وحميمية بعيداً عن التشنج الذي اشعله عباس المتزمت. حين غادرتهما، كان الأب داخل قارب يجدف تجاه وسط النهر. سمعته: ابق حتى المساء وسنتناول السمك المشوي معاً. كنتُ تعباً، صحتُ: شكراً لقد كانت وجبة الغذاء طيّبة. اختفى الزمنُ بكل آلائه وخلائقه. وآنَ لي ان ارتاح من عناء هذه الجولات التي قمتُ بها وارتني العجب والغريب والمفاجأة.