&
17
في معمل بغداد لخياطة القمصان
الذي كنت أعمل فيه
نبدأ من الساعة الثامنة صباحاً
حتّى الرّابعة بعد الظهر
كنت أعمل في غرفة المرحلة الأخيرة
من خياطة القميص: الياقة
مع عامِلَيْن وعاملَتَين،
نتهامس الكلام بيننا ونحن نعمل،
لكن سعادتنا تبدأ
حين تبثُّ إذاعة بغداد أغنية حيّة
في الثالثة بعد الظهر
تستغرق أحياناً أربعين دقيقة
تجعل كلا منّا
مونولوغَ وحْدِه يداعب حرمانه...
كانت فكتوريا الآشورية تسرع في عملها
وهي تهزّ رأسها حسب إيقاع الأغنية،
تكاد دمعة&تسقط من عينها:
شايف سلامك شايف كلامك
ضحكة شفايفك... يا حبيبي
وعبّاس الكوردي يتأوّه:
حبيب قلبي ووجداني
ماليش غيرك حبيب تاني
والآخر... الأخرى...
نحلُب هكذا الأغنية
أحلامَ يقظةٍ قدرَ المُستطاع
وعلى نفس الوتيرة كلَّ يوم...
ولم نحاول أن نعرف
إذا كانت إذاعة بغداد
تتعمّد البث في هذا الوقت بالذات
وكأنَّ لا أحدَ يفكّر بنا
غير هذي الأغاني التي
تجعلنا نحلم ونبكي
نحن الذين اضطرتهم الحياة
تَحمُّلَ ضَجيج آلاتِ الخياطة
من أجلِ راتبٍ أسبوعي
حين نقبضه، نسدّد به ديونَنا
ولا يبقى مِنهُ
حتّى لشراءِ بدلةٍ جديدة.
&
18
آه يا عبد الأمير الحُصيري
يا شاعرَ التشرّد الكبير
ستّينيّا من العصر الوسيط
بملابسٍ رثّة
ومتنكرا بلحية كثة
حتى لا تشكُّ فيك المَفرزةُ
التي تتعقّب الهاربين من الجندية...
كيف تحمّلت اختصار عالمك
إلى ستة كيلو مترات:
من مقهى الحيدرخانة
إلى مقهى المعقّدين.
في الأُولى تقضي نَهارَكَ
مع النرجيلة وحاشية من الأصدقاء
والثانية تأتيها في غُبارِ المساء مخموراً
تبحث عمن يقرضك ربع دينار
وتنتهي دائماً بمشاجرةٍ
تَخرجُ منها خاسراً.
ولا أحدَ يعرف في أيّةِ غرفةٍ، في أيّ بيتٍ مهدوم،
في أيّ فندق ستنام...
تسير هكذا في أوراقك
كسماء لا تعرف كيف تنوّم نجومها.
&
آه يا عبد الأمير
لو كنت تدري إنَّ بول فيرلين
كان يتّبع في مقهى فرانسوا الأوّل
نَفس طريقتك:
يجعلُ، بترحيبٍ مُلتَبِس،
المتشاعرينَ المُعجَبين أبناء الذوات
أنْ يفهموا
إنّ عليهم تسديد فواتير الشراب
ثمناً للجلوس معه.
&
كم كانت تفوح برائحة&الحياة
تلك الزاوية من مقهى الحيدرخانة
جلسات يومية يتطاير منها شرر التفاعيل
وتصريحات السَّاعةِ الرَّمليّة
جلسات لمْ&يخلّدها أيُّ مصوّر ستيني
ولا حتّى بصورة شمسية...
كما&فعل المصوّر دورناك
بلقطة لبول فيرلين
جالساً، جلسةَ الحصيري عينَها،
في زاويته بمقهى فرانسوا الأوّل
في شارع سان ميشيل.
&
19
سنواتُ الأحلامِ الكبيرة
لبثّ الرُّوحَ
في الجُلمودِ والرّماد.
&
سنواتُ اللّيلة الأولى
وحَبِّ الغَمام
سنواتُ الثيران وفأل الصَّناديد
في انتظار الزّمان.
&
سنواتٌ...
مع مجرى الأنهار
أخَذَتِ الجَميع
وتركت لنا
الحِداد!
&

