الفوائد الاقتصادية والنواقص السياسية لفكرة quot;أوبك الغازيةquot;
إيغور تومبيرغ من موسكو
اقترح زعيم جمهورية إيران الإسلامية آية الله علي خامنئي أثناء الاجتماع مع سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي إيغور إيفانوف في عطلة نهاية الأسبوع الماضي بالتمعن في فكرة إقامة منظمة مشتركة مع روسيا للتعاون في مجال الغاز على غرار منظمة أوبك.ولم يطرح هذا الاقتراح لأول مرة، فقد تقدم رئيس إيران محمود أحمدي نجاد بفكرة مماثلة أثناء اللقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يونيو عام 2006 في شنغهاي.
ومما له دلالته أن نفس هذه الفكرة طرحت على بساط البحث أثناء زيارة وزير الصناعة والطاقة الروسي فيكتور خريستينكو للجزائر مؤخرا. بل وقد تم رسم الحدود الجغرافية التقريبية للمنظمة المحتملة التي يمكن أن تشمل أيضا دولة قطر إلى جانب الدول الثلاث المذكورة أعلاه. وسيسيطر هذا الكارتيل الافتراضي على نصيب هائل من المخزون العالمي، بحيث تنتج هذه البلدان الأربعة أكثر من 30 بالمائة من مجموع الغاز المستخرج في العالم حاليا. مع العلم بأن مخزونها المؤكد من الغاز يزيد على 60 بالمائة من الاحتياطي العالمي. وهي نسبة قريبة من نصيب أوبك من احتياطي النفط العالمي والبالغ 68 بالمائة تقريبا. وبالإضافة إلى ذلك يمكن توسيع دائرة المشتركين المحتملين في هذه المنظمة.
لقد نشرت صحيفة quot;The Financial Timesquot; في العام الماضي مقتطفات من التقرير التحليلي السري الذي أعده الخبراء الاقتصاديون في الناتو. ويعزي هذا التقرير إلى ما يسميه بـquot;أوبك الغازيةquot; كلا من الجزائر وقطر وليبيا وروسيا وبلدان آسيا الوسطى وإيران. ويمكن إن يضاف إلى هذه القائمة موريتانيا ومالي وبعض بلدان إفريقيا الوسطى. على أي حال أعارت شركة quot;غازبرومquot; الروسية اهتماما كبيرا إلى هذه البلدان أثناء زيارة خريستينكو للجزائر.
في العام الماضي تعالت النداءات إلى تأسيس quot;أوبك الغازيةquot; بصوت أعلى من ذي قبل. ويرجع السبب الرئيسي لهذه الظاهرة إلى التذمر المتزايد من سياسة الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة. وتستهدف إستراتيجية الاتحاد الأوروبي الحالية التي تمثل مصالح البلدان المستهلكة للغاز تفتيت صف منتجيه، أو بعبارة أخرى إيجاد الظروف التي تمكن المستهلكين من إملاء الأسعار على الموردين.
يذكر أن فيكتور خريستينكو نوه خلال زيارته الأخيرة للجزائر بأن روسيا والجزائر تعارضان فكرة إقامة quot;أوبك الغازيةquot;. وأعلن الوزير الروسي أنه quot;لا يجب علينها أن نسلك طريق إنشاء كارتيلquot;.
لم يلق اقتراح الزعيم الروحي الإيراني حتى الآن أي رد فعل من جانب السلطات الروسية العليا. وهذا مفهوم، عامة لأن أي رد واضح ومحدد من جانب الكرملين سوف يترك أثرا مباشرا في ميزان القوى الجيوسياسي.
ترى، ما سبب معارضة موسكو؟ تعمل أوبك الأصلية وفق مبدأ تحصيص إنتاج النفط وهو أمر لا تريده روسيا البتة في مجال الغاز. يرتبط إنتاج الغاز في روسيا بقدرات مكامنه والطلب الذي ينمو بشكل سريع داخل البلد وخارجه. أضف إلى ذلك أن شركة quot;غازبرومquot; تتقيد بعقود التصدير الطويلة الأمد التي تتحدد بها أهدافها الإنتاجية الأساسية. أما منظمة quot;أوبكquot; فقد تأسست عام 1960 كوسيلة لتنسيق سياسة الدول المنتجة للبترول في مواجهتها للولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغربية.
أما إيران فمن البديهي أن اقتراح خامنئي يتصف بطابع سياسي أكثر من اقتصادي. إذ ثمة خطر أن تتخذ إدارة جورج بوش في نهاية المطاف ركضا وراء الحفاظ على شعبيتها المتناقصة قرار إنزال ضربات دقيقة موجهة إلى المنشآت النووية الموجودة فعلا أو الوهمية في إيران. وبالنظر إلى هذا الخطر تسعى إيران بدورها إلى تسخير كل الوسائل المتوفرة لكسب حلفاء محتملين والتظاهر بأنها تمتلك أدوات للتأثير في البلدان المتقدمة.
ومن البديهي أن إنشاء الكارتيل مع إيران والجزائر سيكون تحديا صريحا للغرب من قبل روسيا وليس في مجال الطاقة وحده. ومع ذلك فإن تحقيق مثل هذا التحالف في المستقبل أمر ممكن تماما.
هذا ويقوم الرئيس فلاديمير بوتين في أواسط فبراير القادم بزيارة المملكة العربية السعودية وقطر والأردن. وفي أبريل سوف يجتمع في قطر مبعوثو كبريات الدول المنتجة والمصدرة للغاز. وسوف يناقش الأعضاء المحتملون لـquot;أوبك الغازيةquot; تنسيق أعمالهم. ولا يستبعد أن تكتسب التأملات حول الكارتيل الغازي هناك شكلا تنظيميا ملموسا.
روسيا تجري محادثات بشأن التنسيق بين منتجي الغاز
أصبح إيغور إيفانوف، أمين مجلس الأمن القومي الروسي، أول مسؤول روسي اعترف بأن روسيا تجري المباحثات المتعلقة بحماية مصالح البلدان المنتجة للغاز، ولكنه نفى أن يكون القصد هو تأسيس منظمة على غرار منظمة البلدان المصدرة للنفط quot;أوبكquot; مشيرا إلى أن المقصود هو أن quot;تنسق البلدان المنتجة بين سياساتها في مجال الغازquot;.
وأكد إيغور إيفانوف الذي زار إيران مؤخرا أن القيادة الإيرانية طرحت فكرة من هذا القبيل مشددا على أن إيران طرحت فكرة بخصوص طريقة التعاون بين البلدان المنتجة للغاز ولم تقدم اقتراحا. وأضاف أن زيارته لطهران لم تشهد أية مناقشات من هذا القبيل.
وعلى أي حال فإنه يبدو وكأن روسيا اضطرت إلى الاعتراف بأنها تجري محادثات من هذا القبيل. وكان النائب الروسي فاليري يازيف هو من بادر إلى إعلان طرح فكرة تشكيل تكتل من شأنه أن يجمع منتجي الغاز، ثم علم العالم كله بهذه الفكرة من المحللين في حلف شمال الأطلسي. وقدم هؤلاء الفكرة في قالب quot;المؤامرةquot;. ولكن الحقيقة هي أن الحديث يجري عن إقامة علاقات تجارية طبيعية.
ولا يزال المسؤولون الرسميون يرفضون المقاربة بين ما ينتظرون تحقيقه على الصعيد التعاون بين منتجي الغاز وبين منظمة quot;أوبكquot;، ولكن بدا من الواضح أنه سينشأ ما يشبه quot;أوبكquot; في الأعوام القليلة المقبلة.
وقال إيغور إيفانوف في إشارة إلى محادثات أجراها ممثلو روسيا في الجزائر وقطر إنه طبيعي أن يتم التنسيق بين المواقف تجاه عدد من المسائل.
على صعيد متصل أعلنت شركة صغيرة تدعى quot;بتروميرquot; أنها اكتشفت حقلا جديدا للغاز في سيبيريا بالقرب من بحيرة بايكال.وأبلغت الشركة الحكومة الروسية أن الحقل المكتشف في مقاطعة إيركوتسك والذي أطلق عليه اسم حقل انغارو - لينسكويه، يتضمن أكثر من 2ر1 تريليون متر مكعب من الغاز. وإذا كان هذا صحيحا فيمكن أن يضيف الحقل المكتشف لاحتياطي روسيا من الغاز كميات هائلة. ولكن مصدرا في وزارة الموارد الطبيعية الروسية لم يستبعد أن تكون هناك مبالغة في التقديرات.
ولا يستبعد بعض الخبراء أن تكون شركة quot;بتروميرquot; تابعة لشركة quot;ت ن ك - ب بquot; (أي quot;بريتيش بتروليومquot;) الروسية - البريطانية التي حصلت على الترخيص لاستخراج الغاز في حقل آخر يقع في المنطقة نفسها يعرف باسم كوفيكتا. ويتضمن حقل كوفيكتا 9ر1 تريليون متر مكعب من الغاز.
ويُذكر أن شركة quot;غاز برومquot; التي منحتها الحكومة الروسية حق الاحتكار بممارسة تجارة الغاز الطبيعي الروسي ترغب في تملك حقل كوفيكتا. ويُفترض أن يكون من مصلحة هذه الشركة السيطرة على حقل انغارو - لينسكويه أيضا ما دامت تتطلع إلى تصدير كميات كبيرة من الغاز إلى الصين وكوريا في المستقبل.
واعتبرت وزارة الموارد الطبيعية الروسية أن اكتشاف حقل الغاز الجديد في شرق سيبيريا يؤكد إمكانية أن يتم اكتشاف مزيد من حقول الغاز والنفط التي تبقى مجهولة في هذا الإقليم.
