تعهّدالمشاركون فيالمنتدى الاقتصادي العالمي اليوم الأحد بإعادة التفكير بشأن إعادة تنظيم الاقتصاد العالمي على أساس مبادئ الاستدامة. وأعرب المنتدى في آخر أيامه أن جوهر الاجتماع كان بحسب تصريح لورانس سومرز مدير المجلس الاقتصادي القومي الأميركي هو quot;أن العالم يشهد انتعاشاً إحصائياً وركوداً بشرياًquot;، أي أن العالم لم يخرج من أزمته الاقتصادية بعد.

دافوس (سويسرا) - وكالات: أجمع الخبراء في مندى دافوسعلى أن الانتعاش لا يزال هشاً جداً في كثير من الاقتصادات المتقدمة، ما يجعل القيادة ذات المبادئ هي المفتاح لتحقيق الاستقرار. وقال رئيس مجلس إدارة مجموعة quot;دويتشه بنكquot; الألمانية جوزيف أكرمان إن quot;الأمر في النهاية يوضح أنه نظام مترابطquot;، مضيفاً بصفته عضواً في هيئة مؤسسة المنتدى الاقتصادي العالمي quot;إذا كنت تخسر تأييد المجتمع، فإنك لن تحقق أهدافك المشتركة، وإذا كنت قد فقدت الثقة في المجتمعات فلا يمكنك الرد فقط من الناحية التقنية، إذ لابد من أن يكون الرد أخلاقياًquot;.

واتفق المشاركون على أن خلق فرص عمل هو أمر حاسم لتحقيق انتعاش مستدام، وأن هناك دوراً للجميع للقيام به في خلق الوظائف، في حين أن الإبقاء على الوظائف الموجودة حالياً لا يقل أهمية عن خلق وظائف جديدة، بحسب رأي باتريتسيا فورتز نائبة رئيس المنتدى لعام 2010.

ورأي الرئيس المشارك للمنتدى الاقتصادي العالمي لدورة عام 2010 عظيم بريمجي أن الركود أظهر أيضاً أن العالم يجب أن يستمع إلى أصوات من خارج مجموعة الثمانية على نحو أفضل. وحذّر من أن وضع الخدمات في الهند والصين تحت قيود غير معقولة وشديدة سيؤدي إلى فرض رسوم بين عشية وضحاها. من جهته، حثّ كبير أساقفة كانتربري في بريطانيا روان ويليامز المشاركين على تحمل المسؤولية الجماعية للمستقبل عن طريق تحمل المسؤولية الشخصية من الآن.

البحث عن اقتصاد جديد ورأسمالية متطورة
في سياق متصل، لم يختلف المجتمعون في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس على اختلاف تخصصاتهم في توجيه أصابع الاتهام إلى رجال البنوك وشركات المضاربة في الأسواق المالية كمسؤولين أساسيين عن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وتبعاتها. وانطلق الحوار مجدداً في ذلك المنتدى العالمي حول معالم الاقتصاد الجديد، وكيف يمكن تطوير الرأسمالية لتكون أكثر واقعية لخدمة الجميع، وليس لمصلحة فئة على حساب غيرها.

ويؤكد معظم المشاركين في المنتدى أهمية دور المؤسسات العلمية الأكاديمية لرصد الواقع وتحليله ومقارنته بالنظريات الاقتصادية على اختلاف توجهاتها، على أمل الخروج بالدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من الأزمة. ويرى بعض الباحثين أن نظريات الاقتصاد حولت الجميع إلى حقل اختبار كبير، لم ينتج منها سوى ضحايا، من خلال البطالة وارتفاع الدين العام للكثير من الدول، ومنهم البروفسور إدموند فيلبس، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد في عام 2006، والذي أكد في مداخلته أمام المنتدى أهمية علم الاقتصاد في الإجابة عن التساؤلات المحيطة بمستقبل الخروج من الأزمة العالمية الراهنة.

واتفق معه البروفسور روبرت شيللر أستاذ الاقتصاد في جامعة quot;ييلquot; الأميركية، مبيناً في مداخلته quot;أن علم الاقتصاد لم يفشل، وإنما ذهب بعيداً في افتراضاته وأفكارهquot;. لكن ريتشارد تالر أستاذ علم الاقتصاد الجديد في جماعة شيكاغو، والذي يعد من أشد منتقدي نظريات الليبرالية الاقتصادية الجديدة، شدد على أن quot;ما وصل إليه العالم الآن يؤكد أن نظريات الليبرالية الاقتصادية التي طغت على العالم في العقد الأخير فشلت، حيث اعتمدت على بديهية غير واقعية، ذهبت بالاقتصاد إلى متاهات، وكانت بعيدة تماماً عن احتياجات المجتمع ومتطلباتهquot;.

وركز باحثون آخرون في المنتدى على تأثير خطأ النظريات الاقتصادية أو صحتها على طريقة السلوك الاجتماعي، حيث رأى المؤرخ الأميركي نيل فيرغوسون أنها علاقة أشبه بنوع من عملية النشوء والارتقاء، ولكن على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، مع الإشارة إلى تعقيد العملية الاقتصادية على الصعيد العالمي وتقاطعها مع مشكلات وحقائق واهتمامات متعددة، إلا أنه أوضح quot;أن العالم على ما يبدو بحاجة إلى استخلاص العبر من المزيد من الأزماتquot;. وتهدف تلك المناقشات إلى تقييم اقتصاد السوق وتوجهات البنوك والمؤسسات المالية في ضوء النتائج التي أسفرت عنها الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، حيث يحاول أنصار الرأسمالية الدفاع عنها بكل الطرق، ومحاولة إقناع الجميع بالطرح التالي quot;إذا كانت الرأسمالية هي سبب الأزمة، فمنها أيضاً سيخرج الحلquot;.

ضرورة دعم التعليم لمكافحة الفقر
وكان المفكرون والأكاديميون المشاركون في دورة المنتدى الاقتصادي العالمي الـ40، الذي اختتم أعماله اليوم، أكدوا أنها كشفت عن وجود تناقض بين توجهات القيادات المشاركة في المنتدى وتوجهات مجموعة العشرين التي حملت على عاتقها حل المشكلات الناجمة من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. وطالبت بعض الأصوات بتوسيع مجموعة العشرين، لتضم أيضاً علماء ومفكرين وأكاديميين بدلاً من الاكتفاء بالقيادات السياسية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، رأت مجموعة المفكرين ضرورة ربط الأسواق العالمية بمسار الاقتصاد العالمي بشكل متوازن يضمن استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية، كما انتقد بعض المشاركين في الندوة افتقار المنتدى إلى طرح مشكلة مركزية النظم الاقتصادية والتكتلات التابعة لها وتأثيرها على صناعة القرار السياسي. كما أكد الخبراء وجود مشكلات لدى المؤسسات متعددة الجنسية مع قياداتها تنعكس على أدائها، مطالبين بإرغام تلك المؤسسات العابرة للقارات على وضع مشكلاتها التنافسية جانباً، لأنها تسفر عن صراع يأتي على حساب إهمال الأولويات لحساب الخواص.

في حين أشارت مجموعة من المفكرين إلى ضرورة دعم التعليم بمراحله كافة كاحد أهم وسائل مكافحة الفقر في العالم، وأهمية مكافحة الجريمة المنظمة، مثل الاتجار في المخدرات والبشر والتحايل الاقتصادي والمالي، مع أهمية توفير الحماية الاجتماعية لضحايا الأزمة المالية العالمية وتبعاتها على صعيد دولي. في المقابل، رأت مجموعة أخرى أن العالم لايزال يرزح تحت مخاطر عالمية مزمنة، مثل الأمراض والتغيرات المناخية السلبية والأضرار الناجمة منها ومشكلة عدالة توزيع المياه، منتقدة بذلك عدم فتح حوار جدي حول المخاطر التي يشهدها العالم.

وشدد المشاركون على المسؤولية الأخلاقية للاقتصاد والسياسة وصناعة القرار فيهما، والعلاقات المتشعبة بين المشكلات التي يمر بها العالم، حيث اتفق الخبراء على أن أي نمو اقتصادي لابد أن يكون مصحوباً بتنمية مستدامة لخلق توازن، بدلاً من اتساع الهوة بين الشمال والجنوب.

توقعات بحصيلة متواضعة لأهداف الألفية الإنمائية
إلى ذلك، دعا فريق من المتخصصين في ندوة مخصصة لمناقشة تلك المشكلة في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في منتجع دافوس السويسري إلى ضرورة زيادة الدعم المقدم من القطاع الخاص لبربامج الألفية (التي حددتها الأمم المتحدة في عام 2000 لتقليل نسبة الفقراء والجوعى والمرضى إلى النصف مع حلول العام 2015) لتعويض ضعف ميزانيات حكومات الدول النامية والأكثر فقراً، لاسيما بعد الأزمة المالية العالمية. ورأى المستشار الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة بشأن الأهداف الإنمائية للألفية جيفري ساكس أن الركود الاقتصادي العالمي لا يمكن أن يكون مبرراً لعدم تحقيق أهداف الألفية. وأضاف quot;أن نقص التمويل له علاقة مباشرة مع الإهمال، لأن ما يحتاجه العالم هو مجرد جزء من المئة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، وهذا ليس عبئاً ثقيلاً على العالمquot;.

إلا أن رئيس مؤسسة بيل وميليندا غيتس الخيرية بيل غيتس حاول النظر إلى حصيلة مسار أهداف الألفية بعين متوزانة. ورأى غيتس أن التقدم كان متفاوتا في مختلف القطاعات والبلدان، إذ إن هناك تقدماً في مكافحة فيروس quot;الإيدزquot; والملاريا والسل، في حين لم يتم تحقيق تقدم للحد من وفيات الأطفال وتقليل معدل وفيات الأمهات، بسبب عدم وجود التمويل اللازم، ولم تستفد بعض البلدان من الفرص المتاحة، بسبب الفساد وانعدام القدرة على استيعاب المشكلة وآفاقها. من جانبها، رأت مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هيلين كلارك أنه من الضروري أن تلتزم الدول الغنية بوعودها بدعم أهداف الألفية رغم حالة الركود الاقتصادي.