خليل علي حيدر

ما أن تقع كارثة أو يثور بركان أو يحدث زلزال مدمر أو تشتعل الحرائق أو تعم الفيضانات أو حتى ينتشر وباء ما بأي دولة وملة، داخل العالم الاسلامي أو خارجه، حتى يهب بعض laquo;مفسري الكوارثraquo; إلى ربطها بمظاهر laquo;الطاعة والعصيانraquo;، ومدى laquo;الفسق والفجورraquo;.. وغير ذلك.. ولا يهمهم ويعتبر هؤلاء أن كل هذه الأوبئة والزلازل والفيضانات والبراكين بعض أشكال laquo;العقاب الربانيraquo; وغير ذلك ولا يهمهم في ذلك فناء آلاف الأبرياء، أو اختلاف استعدادات الحماية والتنبؤ وتخلية السكان بين المناطق المتقدمة والمناطق النامية أو المتخلفة أو شديدة الفقر من دول العالم.

فهل هذا هو التفسير الوحيد الممكن للكوارث، أم يجوز للبعض أن يفسرها مثلاً، بأنها دعوة لتطوير العلوم وتحسين وسائل الوقاية وحسن تخطيط المدن.. وغير ذلك؟

والعجيب أن مفسري الكوارث هؤلاء، لا نسمع لهم صوتاً عندما تزدهر بعد الدول ويعمها الخير، وتتحسن مؤشرات وعلامات الصحة والسعادة والتنمية والثراء، أو يتوصل العلم إلى بعض الأمصال الواقية، أو تنجح التدابير الوقائية التي تطالب بها منظمة الصحة العالمية، فيتم فعلاً حصر المصابين بالمرض ويتوقف انتشاره!!

وقد يتم هذا الانحسار في الشعوب الأوروبية وفي امريكا وغيرها، بينما يتحول أحياناً إلى laquo;مرض مستوطنraquo; في بعض الدول الفقيرة، ومنها بالطبع، وللأسف، العربية والاسلامية!

ومن المؤسف حقاً أن بعض هؤلاء من أدعياء العلم ومفسري الكوارث قد استفاد أيما استفادة من أجهزة الإعلام الحديثة، فملأ شاشات التلفاز ببرامج الكوارث المرعبة وغطى واجهات المكتبات ومعارض الكتب بالكتب ذات الأغلفة المخيفة، وكدس في كل مكان آلاف الاشرطة وأفلام الفيديو.. وغير ذلك.

ولو تأملنا كل هذه الزلازل والبراكين والفيضانات والحرائق والأوبئة والأعاصير بهدوء، وبأساليب علمية عقلانية لما وجدناها تخرج عن إطار التفسير العلمي والجيولوجي والجغرافي وبقية نواميس الكون، والطبيعة ولما وجدنا آراء واجتهادات مفسري الكوارث مفيدة او صائبة او مقنعة. فلقد عرفت الكرة الارضية الزلازل والبراكين وتفكك وتشكل القارات والجزر والحرائق وسقوط النيازك وغيرها قبل ظهور الانسان على ظهر هذا الكوكب بملايين السنين. ويكفي ان نعلم ان الديناصورات مثلاً ظهرت ونمت وتطورت واكتملت وهيمنت وتصارعت، ثم اختفت ربما في كارثة كبرى، قبل ظهور الانسان بنحو خمسين مليون سنة!

كما ان عدداً لا حصر له من الزلازل والبراكين تتوالى وتنفجر وتنفث الحمم منذ سنين طويلة ولاتزال، في اعماق المحيطات ولايراها او يتأثر بها اي انسان الا اذا حدث laquo;تسوناميraquo; مثلاً وهي ظاهرة لا تقع الا نادراً!

ولقد ضرب اعصار تسونامي عام 2004 دولا اسيوية عديدة ودمر مؤسسات السياحة في تايلند مثلا، ولكنه دمر كذلك laquo;بندرآتشةraquo; في اندونيسيا التي كانت قد نالت للتو موافقة السلطات الاندونيسية لتطبيق الشريعة الاسلامية، وامتد الاعصار ليصيب مناطق اخرى laquo;محايدةraquo;!

وسنتحدث بعد قليل عن الزلازل المتوالية في المدينة المنورة، والتي زادت الهزات فيها عن المئات. ولكننا قبل ذلك نود الحديث عن زلازل القدس او بيت المقدس!

واعود الى العدد الرابع من مجلة العربي، ابريل 1959، فأقرأ له ماجاء في استطلاع مطول عن laquo;المسجد الاقصىraquo;.

يقول الاستطلاع: laquo;تعرض المسجد الاقصى ومسجد الصخرة في تاريخهما الطويل لسلسلة من الزلازل العنيفة والامطار الغزيرة اصابتهما بكثير من التخريب وتركت بعض اجزائهما على وشك السقوط، حتى جاء الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان فامر بهدمهما وبنائهما من جديد.. وفي العام السادس والثمانين للهجرة، اي في عهد الوليد بن عبدالملك، تعرض المسجد لاول زلزال عنيف حدث بعد بنائه في شكله الجديد، فاخذ الوليد الذهب الذي كان يزين القبة وسك منه نقوداً انفقها في ترميمه ، وبعد ثلثمائة سنة من ذلك العهد، اي في عام 1016 ثم في عام 1067، تعرض المسجد لزلزالين آخرين فأعيد بناء قبته من جديد.. وظلت الزلازل وتعاقب الاعوام تعمل عملها في تساقط بعض النقوش وقطع الرخام والقاشاني والفسيفساء، فكانت الاصلاحات والترميمات لا تنقطع، الى ان تولى الملك الناصر بن قلاوون فجدد تعمير القبة وزينها من الداخل بالذهب، ومن الخارج بالرصاص.. وكانت ابواب مسجد الصخرة كلها مزينة بصفائح ذهبية واخرى فضية، كما كانت مساحته اكبر من مساحته الحالية، ثم انقصت في عهد ابي جعفر المنصور، عقب زلزال عنيف تساقط بسببه جزء كبير منه فأمر أبو جعفر المنصور بنزع صفائح الذهب والفضة وسكها نقوداً استخدمت في ترميم ما تهدم منه.

ولكن العمارة التي استحدثها ابو جعفر ما لبثت هي الأخرى ان تهدمت عقب زلزال جديد.. وكما حدث لمسجد الصخرة، حدث للمسجد الاقصى.. اذ تعاقبت عليه الزلازل والأمطار، فكان كل حاكم يصلح ما تيسر له اصلاحه منه.. وفي عام 1936، حدث زلزال عنيف جديد، تبعه زلزال آخر في سنة 1937، فقام المجلس الاسلامي الاعلى باصلاحات عدة بلغت تكاليفها 55 الفا من الجنيهات، دفعها المجلس من ايرادات الاوقافraquo;. [الاوقاف، ابريل 1959، ص55، 66].

ولم تنج الكعبة نفسها من السيول المدمرة. يقول استاذ الشريعة في دمشق د. محمد سعيد رمضان البوطي، في كتابه laquo;فقة السيرة النبويةraquo;، القاهرة 1994: laquo;تعرضت الكعبة للعوادي التي اوهت بنيانها وصدعت جدرانها، وكان من بين هذه العوادي سيل عرم جرف مكة قبل البعثة بسنوات قليلة، حيث زاد ذلك من تصدع جدرانها وضعف بنيانها، فلم تجد قريش بدا من اعادة تشييد الكعبة.. ولقد شارك الرسول (صلى الله عليه وسلم) قبل البعثة في بناء الكعبة واعادة تشييدها مشاركة فعالة، فلقد كان ينقل الحجارة على كتفه، ما بينها وبينه الا ازاره، وكان له من العمر اذ ذاك خمس وثلاثون سنة في الاصحraquo;. [فقه السيرة، ص55].

ويقول محمد فريد وجدي: laquo;قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين هدم السيل الكعبة فاقتسمت القبائل العمل لبنائها وكان الذي يبنيها laquo;باقومraquo; الرومي، بمساعدة نجار مصري. فلما انتهوا الى وضع الحجر الاسود حدث بين القبائل خلاف في ايها تختص بشرف وضعه، فرأوا ان يحكموا محمد بن عبدالله وعمره خمس وثلاثون سنةraquo;، [دائرة معارف القرن العشرين، طبعة 1967، ص8 ص 142].

ولقد نظرت في كوارث القرن العشرين، وبخاصة الزلازل، محاولا استخلاص بعض الدلالات العقابية او الاخلاقية فعرفت صعوبة بل استحالة ذلك، فعدد هذه الزلازل نحو مئة زلزال وفق كتاب (The World Almanac) لعام 2008، أصابت دولا متقدمة كاليابان والولايات المتحدة، ودولا نامية فقيرة كالهند والاكوادور، ومتوسطة الحال مثل شيلي ورومانيا، ونزلت بدول بوذية كونغوشية كالصين وتايوان واليابان، وأخرى مسيحية مثل اليونان وايطاليا ويوغسلافيا وغواتيمالا وبوليفيا، وثالثة اسلامية مثل تركيا وايران واندونيسيا والجزائر والمغرب، ورابعة هندوسية كالهند، وكانت درجة الدمار فيها مرتبطة بقوتها على laquo;ميزان ريخترraquo;، لا بدين السكان وجنسياتهم، وقد تركت زلازل اعوام 1920 و1932 و1976 في الصين اكثر من 650 الف ضحية، بينما لم تقتل زلازل 1923 و1933 و1946 و1948 و1993 و1995 في اليابان سوى 156 الف نسمة، وهناك كما يعرف الجميع دولاً تتكرر فيها الزلازل باستمرار لأسباب جيولوجية بحتة، ولوقوعها ضمن ما يسمى بالحزام الزلزالي، وكذلك في بعض الدول الجبلية والجزر، بينما لا نراها تقع الا نادرا في دول اخرى، فدولة كاليابان تعاني هزات يومية، بينما لا يسمع سكان اواسط افريقيا عنها! ولا تسعف حقائق التاريخ كذلك مفسري الكوارث هؤلاء.

وسأورد هنا مثلا واحدا عن زلزال مروع وقع بمصر عام 702 هجرية 1302 ميلادية، وهي نفس السنة التي laquo;خرج فيها السلطان والناصر محمد بن قلاوون على رأس جيش قوى من المماليك للدفاع عن ولاية حلب الاستراتيجية التي هددها المغولraquo;.. ويقول المصدر نفسه ان الزلزال المروع laquo;ضرب البلاد من شمالها لجنوبها وتحطمت من اثره المنازل فوق اهلها وسقطت منارة الاسكندرية التاريخية وسور المدينة، وتهدمت جدران مسجد الحاكم بأمر الله الفاطمي ومئذنة الجامع الازهر الشريف ومئذنة المدرسة المنصورية وتهدمت بعض جدران مسجد عمرو بن العاص.. وذكر ان سلسلة تشققات قد حدثت في جبل المقطم فهرع الناس خارج مدينة القاهرة الى الصحراء وقد حسبوا انها القيامة، ولم يتمكن احد من تقدير الخسائر في الارواح لكثرتها تحت انقاض المنازل المنهارة، ولأن الهزات استمرت تضرب مصر على مدى عشرين يوما متتاليةraquo;، (انظر موسوعة... حدث اسلامي، عبدالحكيم عفيفي، بيروت 1997، ص268).

ونصل اخيرا الى الهزات والزلازل التي وقعت اخيرا في laquo;المدينة المنورةraquo;، وجرت استعدادات واسعة في غربي المملكة العربية السعودية استعدادا لكوارثها ان بدأت.

وقد لفت نظري في نفس المصدر الذي اشرت اليه وقوع زلزال هائل بالمدينة المنورة عام 654هـ - 1256م.

ويقول المرجع وقع زلزال شديد هز المدينة المنورة هزا عنيفا اعقبه انفجار بركان استمر ثائرا لمدة شهر وذكر ان النار ارتفعت منه الى عنان السماء حتى ظهر دخانها في مدينة البصرة جنوب العراق ولقد ذعر سكان المدينة الشريفة من هذا الحدث وتصوروا زوال الدنيا مصداقا لما ذكر في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من ارض الحجاز تضيء منها اعناق الابل ببصرى وهي مدينة في الشام على مبعدة نحو 140 كم جنوبي دمشق.

وعن الزلازل الحالية في المدينة المنورة ذكرت صحيفة laquo;الوطنraquo; الكويتية ان الهزات الارضية قرب المدينة بلغت 3500 هزة في اربعة اسابيع 2009/5/22 وجاء في عدد 2009/5/15 ان 1200 هزة ارضية تضرب قرى في المدينة المنورة وبركان العيص قد يثور وقد بدأ النشاط الزلزالي منذ 22 ابريل وهي على اعماق تبلغ 5 الى 8 كيلو مترات وقال مسؤول سعودي ان الصهارة ارتفعت من عمق 8 كيلو مترات الى 4 ويمكن ان تودي هزة اخرى قوية الى ثورة البركان.

وجاء في تقرير بنفس الصحيفة يوم 2009/5/23 laquo;ان مآذن المساجد في منطقة العيص قرب المدينة المنورة صمتت الايام الماضية لاول مرة منذ الهجرة النبوية حيث ان 22 مسجدا في المنطقة وقراها لم ترفع امس صوت الاذان ولم تستقبل المصلين ليوم الجمعة بعد ان تم اخلاؤها من السكان بسبب الهزات الارضيةraquo;.

وقد تعرض المسجد النبوي لحريقين كبيرين مشهورين وقع الاول في رمضان عام 654 عندما ترك احد الحراس موقد المصابيح مشتعلا في مخازن المسجد فامتدت النار منه الى سقف المسجد وسرت الى الحرام كله اما حريق عام 886هـ - 1481م فبدأ عندما laquo;انقضت صاعقة على مئذنة المسجد الرئيسية وانتقلت النار من المئذنة الى سقف المسجد فالتهمته ولم يسلم من الحريق الا الحجرة التي بالصحنraquo; مجلة العربي يناير 1972 ص76.

وكثيرا ما نرى مدارس الاطفال ودور الايتام تنهدم على رؤوس من فيها في الزلازل والاعاصير او تحترق عن آخرها في الحرائق الكبرى كما نرى المساجد وقد سقطت مآذنها وبعض جدرانها والكنائس وقد نالها دمار واسع او ربما اختفت تماما كما يحدث في بعض عواصف التورنادو بالولايات المتحدة من الطبيعي والمعقول نقول ختاما ان يحتاج الانسان وبخاصة ان كان عاجزا امام هول الكارثة وجلل المصاب الى الكثير من التعزية الروحية والدينية ولكن لابد كذلك من تقليص المجال امام المتاجرين بمشاعر الناس وعقولهم والمسيسين لهذه الكوارث باسم الدين في مختلف اجهزة الاعلام ووسائل النشر.

ان العالم برمته مقبل للاسف بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري مثلا او الانفجار السكاني او الجفاف او غيره على كوارث ومصائب من كل لون وحجم ولابد للعالمين العربي والاسلامي ان يساهما علميا وماديا في المجهود الدولي الذي يحاول الحد منها بعد ان ثبتت ان هذه النوازل تصيب البشر بكل الوانهم واديانهم وتهددنا جميعا منذ ظهور الحياة!