عواد علي

يجري الاشتباك الدرامي في العرض المسرحي، كما يرى بعض منظري المسرح، على مستويين متزامنين: الأول مستوى الصراع الدائر على خشبة المسرح الذي يشكل حبكة المسرحية، والثاني مستوى الاشتباك مع المتلقي في فعل إبداعي خيالي يسعى إلى تكوين عالم بديل مقنع. وفي هذا السياق يشبّه جوليان هلتون أداء الممثل الماهر في العرض المسرحي بأداء المحارب الناجح، مؤكداً أن مهارة الممثل لا تقاس بقدرته على تنفيذ الأداء الذي تدرب عليه في التدريبات المسرحية، أو في معهد التمثيل، بل بتوظيفه لكياسته الغريزية في أثناء الاشتباك مع مسرحية بعينها أمام حشد من المتلقين بعينه، على غرار المحارب الذي تحدث عنه كلاوسيفيتز في نظريته عن الحرب، وهو المحارب الذي يتمتع بالقدرة على الاستجابة الفورية الناجحة لما يطرأ من ظروف ومتغيرات، وتفوق هذه القدرة في أهميتها القدرة على الفعل، وتعني الوفاء بمتطلبات الموقف بصورة غريزية، ومن دون جهد يذكر، وتنتمي إلى منطقة laquo;ردود الأفعالraquo;، والاستجابة. ولايصل المحارب إلى هذه المنطقة إلا بعد أن يخوض غمار منطقة الفعل، ويكتسب مهارتها، ويجيدها إجادةً تسمح له بالارتجال الحر، والإضافة المبتكرة. ولكن النظرة إلى العرض المسرحي، كحدث ينتج عن لقاء الممثلين بالمتلقين، يثير، من وجهة نظر هلتون، عدداً من المشكلات أبرزها:

1 - مشكلة الضوضاء التي تعترض مسار الإشارة المرسلة من الممثل إلى المتلقين، فهي، أي الضوضاء، سواء أكانت واقعيةً أم متخيلةً قد تسبب، على المستوى العملي، حدوث فجوة بين الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه الممثلون، والصورة التي يكوّنها المتلقون عن هذا الهدف، فقد يدرك الطرفان أنهما يشاركان في تجربة واحدة هي العرض المسرحي، ولكنهما، على الرغم من ذلك، قد يختلفان في تفسير معنى، أو دلالة هذه التجربة. إلاّ أنني أرى أن الاختلاف المحتمل بين الممثلين والمتلقين في تفسير العرض المسرحي، أو تأويله قد لا يكون سببه الضوضاء التي تعترض مسار الإشارات المرسلة، بل طبيعة الإشارات نفسها، وخاصةً إذا ما كانت إشارات رمزيةً (اعتباطية)، لا يوجد تشابه، أو صلة طبيعية بين دوالّها ومدلولاتها، بل تدل على أشياء أخرى، أو معان غير محددة، بالإيحاء السريع، أو بالعلاقة العرضية، أو بالتواطؤ، ناهيك عن أن العرض المسرحي ككل هو رمزي، نظراً إلى أن المتلقي ينظر إلى أحداثه على أنها تقوم مقام أشياء أخرى غيرها استناداً إلى الاتفاق وحده. ولذلك تتعدد تأويلات المتلقين لبعض العروض المسرحية حسب قراءاتهم المتباينة لها، واختلافهم في تفكيك إشاراتها. ويحدث، في أحيان كثيرة، أن تأتي تلك التأويلات متناقضةً مع مقاصد المخرجين والممثلين، وكم من هؤلاء المخرجين والممثلين وجه اللوم إلى المتلقين لأنهم أساؤوا فهم عرضه، ولم يفهموا مغزى إشاراته كما حددها في ذهنه! متناسياً أن قراءة العرض المسرحي عملية مفتوحة، وخاضعة للتأويل، وترتبط بالتداعيات الخاصة لكل من يقوم بها، وللخلفية المعرفية لديه.

2 - إن وجود الجمهور في حد ذاته لا يستطيع وحده أن يحول حدثاً حقيقياً إلى حدث مسرحي، وإلاّ تحولت كل حوادث الشارع إلى أحداث مسرحية، فما يفرّق الحوادث الواقعية عن الحدث المسرحي هو عنصر الأداء التمثيلي المقصود، إذ إن ضحايا الحوادث الذين يتجمهر الناس حولهم لا يمثلون، في حين أن الممثلين يعلنون صراحةً وفعلاً أن الأحداث التي يشخصونها هي أحداث يمكن أن تحدث، أي أحداث ممكنة تجمع بين الحقيقة والخيال في آن واحد.

ومن المعروف أن هذه الفكرة تعود في أصلها إلى آرسطو الذي طرح مفهوم مشابهة الحقيقة على مقتضى الاحتمال والضرورة، وربطه بمحاكاة الطبيعة، مؤكداً أن مشابهة الحقيقة يجب أن تحدث في المسرح، إما حسب الضرورة (ما يمكن أن يقع)، أو حسب الحقيقة (ما يقع فعلاً). وعلى وفق هذا يصبح الممثل هو المسؤول عن إنشاء الحدث المسرحي، أما المتلقي فإنه يتولى مهمة تقييمه، وقياس صحة المعاني والفرضيات التي يراها فيها في إطار الثقافة ككل.

ويتوصل هلتون إلى أن المشكلة الثانية تقود إلى مشكلة ثالثة هي مشكلة تعريف laquo;المتلقينraquo;، وينطلق في مقاربته لهذه المشكلة من رؤية بريخت لوظيفة المسرح، التي هي توعية الجماهير فكرياً، في إطار أيديولوجية معينة ليدفعها إلى القيام بفعل سياسي خارج المسرح، أي أن وظيفة الأداء المسرحي هي تحويل المتلقين إلى مؤدين على مسرح الحياة ينشدون فعل التغيير، ويسعون إلى تحقيقه. ورغم أن بعض الدارسين يعتقد بأن هذه الرؤية تمثل نظرةً ماركسيةً ضيقةً، فإن هلتون يجد أنها تحمل دلالاتٍ أشمل تتخطى النظرية الماركسية، وتتضح هذه الدلالات حين تُقدّم الفكرة في سياق العروض الاحتفالية التي تحدث عنها جان جاك روسو قائلاً: إن معيار نجاح هذه العروض هو قدرتها على تحويل الحاضرين جميعاً إلى مؤدين مشاركين، بحيث يصبح المتلقون هم العرض. وهذا يعني أن الممثل حين ينجح في أداء مهمته يحول المتلقي من مشاهد سلبي إلى مشارك إيجابي في إنشاء دلالة الحدث المسرحي، فالأداء الجيد يجعل المتلقي يشعر وكأنه في قلب الأحداث المعروضة أمامه، ويدفعه إلى الاشتباك الجدلي مع العرض وجودياً ومعرفياً. وبذلك ينهار الحاجز الفاصل بين خشبة المسرح والصالة، بين الممثل والمتلقين.

وتثير أفكار هلتون حول مشكلة تعريف المتلقي، في رأيي، جملةً من الملاحظات يمكن إيجازها في النقاط الآتية:

1 - إن الربط بين توعية الجماهير فكرياًً في إطار أيديولوجية معينة، والعروض الاحتفالية ربط متعسف، فالتوعية في المسرح نزعة تعليمية ذات بعد توجيهي وتربوي تعود أصولها، كما هو معروف، إلى الآداب والفنون الكلاسيكية، وقد أحيتها الأيديولوجية الماركسية لاحقاً تحت يافطات عديدة كـ(الأدب الملتزم)، و(الفن الملتزم)، و(الأدب الثوري)، و(الفن الثوري)، و(الأدب الاشتراكي)، و(الفن الاشتراكي)... إلخ، وتجلت في المسرح التعليمي، والمسرح التحريضي، والمسرح السياسي، والمسرح التسجيلي، وغير ذلك من أشكال المسرح التي يجمعها مفهوم laquo;الأطروحةraquo;. وهي نزعة محكومة بموقف صانعي العرض المسرحي وخياراتهم التي تخدم أيديولوجيا معينة، وغالباً ما تتصدر laquo;القيمة الأيديولوجيةraquo; العروض التي تتبنى هذه النزعة، وتصبح هدفاً لها على حساب laquo;القيمة الفنيةraquo;، أو laquo;الجماليةraquo;، وتفترض أن المتلقي كائن قاصر بحاجة إلى الإرشاد، وإملاء الدروس عليه. أما العروض الاحتفالية فهي عروض لها توجه واضح المعالم يرتبط بالرغبة في البحث عن صيغ جديدة لتنظير الظاهرة المسرحية، وبالحنين إلى الأشكال القديمة التي رافقت ولادة المسرح من الطقوس، وترافقت عودة هذه العروض إلى الأصول بظهور دراسات في مجال الأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا اهتمت بالاحتفال كظاهرة. وقد أخذ المسرح الاحتفالي في العالم صيغاً متعددةً يمكن تصنيفها إلى فئتين أساسيتين: الفئة الأولى تستعير من الطقس شكله فتضع المسرح في قالب احتفالي تطغى عليه المسرَحة، وتستخدم أسلوباً إخراجياً يحول النصوص التقليدية إلى عروض طقوسية من خلال: انغلاق الزمن والفضاء على الفعل الدرامي بشكل يكون فيه الفصل مع الحياة اليومية كبيراً، واستخدام الأعراف، والرموز بكثافة بحيث تطغى على عناصر العرض الأخرى، واستعارة شكل المسرح القديم إما من خلال جمع عدة مسرحيات لكاتب في عرض واحد، أو من خلال تقديم عروض طويلة زمنياً كما في الماضي، أو من خلال استخدام أمكنة مسرحية جديدة توحي بالطابع الطقسي مثل الكنائس والأديرة والقصور. وفي هذه الفئة يبقى جوهر الطقس غائباً لأن ما يستعار منه هو الشكل فقط من أجل إدهاش المتلقي. أما الفئة الثانية فتشمل العروض التي تقوم على مبدأ القدسية، وتستعير من الطقوس ومن الأشكال المسرحية القديمة، ومن المواكب الدينية شكلها ومضمونها وجوهر العلاقة التي تخلفها لدى المشارك، وهي حال من الاستغراق قد يصل إلى حد النشوة، أو الوجد.

2 - إن تصور هلتون بأن العرض المسرحي سيفشل تماماً إذا لم تتكرر عملية التحول التي يمر بها الممثل، لكي يتقمص دوره، في عملية مماثلة يقوم بها المتلقي تصور مبالغ فيه كثيراً، فنجاح أي عرض مسرحي، أو فشله لا يتوقف على هاتين العمليتين المتشابهتين فقط، بل على عناصر كثيرة تتشكل منها تركيبة العرض.

3 - إن مطالبته المتلقي بأداء دور شبيه بفعل المؤدي تتعارض، أصلاً، مع رؤية بريخت لعلاقة الممثل بالشخصية، من جهة، وعلاقة المتلقي بالعرض من جهة ثانية، والذي يفترض، كما ذكرت سابقاً، أن يضع مسافةً بينه وبين أحداث الخشبة ليظل يقضاً وناقداً لما يراه.