نزار عسكر:مع فورة الإعمار والإنتعاش الإقتصادي الذي تشهده كردستان العراق هذه الأيام، خصوصا بعد سقوط عدوها اللدود: نظام صدام حسين، برزت الى السطح في خضم ذلك، ما يمكن تسميته بـ " ثقافة السوق المنفلتة" التي وان كان شعارها المعلن الإعمار وتشغيل الأيدي العاملة، إلا أن طبيعتها لاتخلو من نهش جسد الشباب، وإستغلالهم بمختلف الطرق.
فالمنطقة تشهد الآن غزوا " مقاولاتيا" من قبل شركات البناء المحلية والإقليمية والأجنبية، بالأخص التركية والإيرانية، مستفيدة من دعم وتشجيع حكومة الإقليم لحملة الإعمار، وإستقرار الأوضاع الأمنية فيها.
وتحاول أغلب هذه الشركات إستغلال حاجة الشباب للعمل في القطاع الخاص، بسبب إرتفاع مستوى الدخل فيه قياساً بالوظائف الحكومية، ضاربة عرض الحائط الكثير من شروط العمل وحقوق العمال، ناهيك عن محاولة البعض إستغلال الشابات العاملات، وجعلهن هدفا لا أخلاقيا .
على الرغم من ذلك فان فرص الحصول على عمل في مثل هذه الشركات صعب للغاية، بسبب تحكم مجاميع " مافياوية" بالتعيين.
هناك أسباب عديدة تدفع بالكثير من الشباب الى التهافت على هذه الفرص كخطوة أولى لمواجهة أعباء الحياة التي تزداد صعوباتها يوماً بعد يوم.
وأكبر الإغراءات التي تقدمها هذه الشركات للشباب هي خداعهم بتامين تأشيرة سفر لهم الى الخارج ( فيزة ).
قد يكون السبب وجيهاً للبعض و" تافهاً " للبعض الآخر، إلا أن السفر قضية مهمة جدا للشباب ،يبحثون عنها دائماً بتعطش منقطع النظير، لا بسبب "اللإنتماء" لبلدهم بل بسبب هذا "المحظور" الذي عانوا منه ولا زالوا.. وكأن أبواب "الجنة" ستفتح لهم وهم خارج أسوار الوطن.
الكثير من إغراءات السفر من قبل أصحاب بعض الشركات الخاصة ليست غير "أكاذيب" تنطلي على البعض، ليكتشفوا في النهاية أنها لم تكن سوى "خدعة" يبتز فيها صاحب الشركة موظفه، وفي الغالب موظفته "الشابة" عارضاً عليها عروضه "السخية" التي تعتمد هي الأخرى على "جمال" الموظفة الشابة، و "مواطن" الأبداع في جسدها الغض.
تروي نازك حسين (28 عاما ) عن ما جرى لها عندما قدمت أوراق تعينها الى شركة إعمار أجنبية "بعد يومين من مباشرتي العمل سألني المدير فيما اذا كان لدي جواز سفر؟ فأجابته بنعم. وفرحت كثيراً عندما طلبه مني لوضع تاشيرة دخول عليه لبعض الدول التي تربطها بالشركة علاقات عمل".
فالسفر والأطلاع على حضارات وتقاليد الدول والشعوب من أبسط حقوق الشباب التي حُرموا منها، وتوفرها الآن في الظروف الجديدة، يُعد فرصة ثمينة يصعب على شابات كثيرات التفريط بها.
لم تستكن الأمور مع نازك عند هذا الحد، بل إستمرت العروض السخية تنهال عليها، وأعتقدت للحظات أن باب القدر قد فُتح لها، بعد محاولتها إبعاد الأوهام عن خيالها، والنظر الى الناس بإنسانية أكبر وإستبعاد فكرة "الذئبوية" التي يتسم بها بعضهم الكثير.
"لي تجارب عمل سابقة، خاصة مع المنظمات الإنسانية لوقت غير قصير، لكن تلك المنظمات كانت تسير حسب قوانين وأنظمة دولية من الصعب على المسؤول تجاوزها والتفريط بموقعه الوظيفي وراتبه الكبير. أما هذا النوع من الشركات الجديدة فإن مظهرها يختلف تماماً عن بطانها أو على الأقل هذا ما حصل معي.."
بعد فترة من وضع تأشيرة دخول تركيا على جوازها إستمر الكلام المعسول والجميل من المدير، مرفقا بإغراءات متزايدة، الى أن جاء اليوم الذي لم يتأخر فيه كثيراً في إبداء رغبته بأن تكون مساعدته في العمل وفي "حياته الخاصة أيضا".
"لوقت قصير أنهارت أحلامي ومفهومي للإنسانية لكنني تحملت تمكنت من إنتزاعها من الدوامة قبل ان اضيع فيها".
هذه الإغراءات التي تستفحل في اي مجتمع فكيف بمجتمع عانى من الكبت لسنوات طويلة ثم لحرب ثم لاحتلال ..فهذه البيئة كفيلة فإغراق الشباب بزوبعة من الضياع." أستطعت الخروج سالمة بعد أن قمت بموازنة بين المعروض وبين ما سأخرج به ووجدت أنني لو أخترت العيش في "نعيم" العروض السوداء، سأكون أنا الخاسرة الوحيدة لأنني لن أستطع إمتلاك نفسي ".
لم ترضخ نازك للإغراءات والضغوط فتركت العمل مع الشركة مرغمة، حفاظا على نفسها، لكنها أستطاعت الحصول على فرصة عمل أفضل، بعد أن أعلنت شركة المقاولات الأجنبية إفلاسها.
أما الشبان فهم أيضا يعانون من مظاهر الإستغلال والتمييز.
يقول فريدون سعيد 25 عاما مهندس في شركة مقاولات إقليمية "أعمل ثمان ساعات باليوم مقابل راتب اقل بكثير من راتب مهندس تركي أخر يعمل نفس عملي.. فأنا اتقاضى 200 دولار شهرياً بينما يتقاضى الآخر 1000 دولار .!"
يؤكد سعيد بأن تعامل مدراء بعض هذه الشركات مع فنيهم وخبرائهم يختلف تماماً عن تعاملهم معهم رغم الكفاءات العالية التي نملكها.
" اتمنى ان تنصفنا الجهات المختصة وتقدر أمكاناتنا، فنحن أبناء البلد حريصون اكثر من غيرنا على مصلحته".
هذه الأجواء التي يشيعها الإقتصاد المنفلت، تدمر أحلام وسعي الشباب للعمل وطلب الرزق، والتمتع بفرص متكافئة للجميع. وهي بالطبع تنشر اليأس والقنوط في اوساط الشباب، وتدفعهم الى اللجوء لأعمال ومهن لا تتناسب مع شهاداتهم، وبالتالي تؤثر سلبا على مستوى الأنتاج ونوعيته.
وقبل سنوات من الآن كل حلم كل شاب او شابة هو " الحرية ". الكل كان يربط حريته بزوال النظام الدكتاتوري السابق، ومن ثم كان يفكر بالعمل. واليوم وبعد سقوط الصنم ومرور أكثر من سنتين على ذلك، يصطدم كثر من الشباب من " الواسطات " و" المنسوبية والمحسوبية " و " الموالاة الحزبية" كعوامل رئيسية في الحصول على فرصة عمل.
وحتى الآن لايوجد نقابات عمال قوية، او منظمات شبابية مستقلة تدافع بقوة عن الشغيلة، الذين في معظمهم هم شباب يطمحون الى الإندماج في سوق العمل، والحصول على فرصهم وإثبات إمكاناتهم. لذلك تجد الشركات التجارية التي تتكاثر أميبيا في المنطقة بشكل هائل، تضرب ضربتها في الإستغلال وخلق التمايز وعدم التكافؤ في نيل الفرص، خصوصا ان بعضها ممول من قبل طبقة رجال الأعمال السياسيين الذين هم الآخرين تكاثروا بشكل كبير!
يتطلع شباب المنطقة من المنظمات التي تدعي تمثيلهم ان تتجرد من " حزبياتها الضيقة" وتكون سندا ومدافعا قويا عن الشباب لأنصافهم وضمان حقوقهم في العمل والفرص المتكافئة.
بحثا عن عمل .. في العراق
هذا المقال يحتوي على 846 كلمة ويستغرق 5 دقائق للقراءة
