استفتاء "إيلاف" عن أفضل ما قرأتُ في 2005

هناك مئات الكتب التي تصدر كل عام باللغة الأم... وهناك انكسار في حدود اللغات مما يجعل كل متعطش للجديد، أن يبحث عن ضالته في لغات أخرى. وهذا ما تبين لنا، عبر الأجوبة التي وصلت من كتابنا الذين توجهنا إليهم بالسؤال التالي: "أي كتاب تعتبره أفضل ما قرأتَ خلال هذا العام، أي كتاب تقترح أن يقرأه قراء إيلاف؟" انظر الحلقة الأولى للتفاصيل وأجوبة: عادل جندي/ شاكر النابلسي/ إبراهيم أحمد/ إسماعيل نوري الربيعي/ هاني نقشبندي.

والآن إلى الحلقة الثانية:

العفيف الأخضر (مفكر تونسي)
الفجوة السحيقة بين المدرسة الحديثة والعتيقة

سؤال إيلاف عن أهم كتاب قرأته هذه السنة أوقعني في حيرة لسببين: أولاً عجزي عن الكتابة وعن العثور على سكرتير يقوم مقام يميني العليلة عوضته بالاستغراق في القراءة ، وثانياً لا أستطيع استخدام أفعل التفضيل بين الكتب التي أقرأها لأنها جميعاً مهمة ، فأنا لا أقرأ أي كتاب غير مهم. وإذا حدث وتسلل كتاب غير مهم إلى مكتبتي ألقيه في المزبلة بعد دقائق من تصفحه. ما هو الكتاب المهم؟ هو الذي أكون بعد قراءته غيري قبل قراءته. إما لأنه قدم لي معطيات ومعارف جديدة تثري معطياتي ومعارفي أو تجددها جزئيا أو كلياً مما يساعدني على فهم ومقاربة أفضل للمشكلات التي أعالجها، أو يزودني بمفاهيم جديدة تجعل فهمي للظواهر أكثر دقة من ذي قبل أو إذا كان شعرياً يحمل لي وعداً بالسعادة. وإذا كان رواية جديرة بهذا الإسم يزودني بمفتاح جديد لفتح دهاليز النفس البشرية الرائعة والمريعة.
خرجت من حيرتي عندما احتكمت إلى معيار أهمية موضوع الكتاب بدلاً من أهمية الكتاب في حد ذاته. موضوع التعليم في نظري أولوية الأولويات في مجتمعاتنا العربية لأنه يسمح لنا خلال جيل (25عاماً) بتكوين مواطني الغد، المستبطنين لقيم عصرهم، وبتكوين عمال الغد، المتسلحين بمعارف ومهارات حقبتهم. عندئذ اخترت كتاب الفرنسية ، آني كوردييه، طبيبة الأعصاب والأمراض النفسية والمحللة النفسانية:"حيرة المدرس" مع عنوان فرعي: "التربية عندما يواجهها التحليل النفسي" (وهو جدير بالترجمة). المعطيات والمعارف والمفاهيم التي يحتويها هذا الكتاب تفتقدها المدرسة العربية الإسلامية افتقاداً مأساوياً هي التي تشكو فضلاً عن ذلك، من قدامة المناهج وضعف التكوين لدي جزء مهم من معلميها ومدرسيها.
تقول الطبيبة الفرنسية: ليس بمقدور أية نظرية أو أية ممارسة أن تدعي فهم جميع أبعاد شخصية الإنسان- هنا الطفل والمراهق، أو تلميذ الابتدائي والإعدادي والثانوي وهم موضوع البحث الميداني للكتاب – لماذا؟ لأن شخصيته ليست ذات بعد واحد بل متعدد الأبعاد. تكوين الطفل والمراهق هو عملية بناء تدريجي لجميع جوانب شخصيته. ولا يمكن مقاربتها بعلم واحد أو متدخل واحد، بل تتطلب علوماً ومتدخلين عدة تتكامل معارفهم وممارساتهم لتكوين شخصية المتعلم التي تؤثر فيها محددات اجتماعية – ثقافية مثل العامل الإجتماعي، السياسي والتربوي. من هنا ضرورة المقاربة المتعددة الاختصاصات لشخصية الطفل والمراهق في المؤسسة المدرسية. الاختصاصات المتعددة للفاعلين في المدرسة تسلتزم التواصل والتبادل بين علوم وممارسات مختلفة يؤدي تعاونها وتكاملها إلى تكوين أجيال الغد الواثقة من نفسها والمتشبعة بمعارف ومعايير وقيم زمانها.
كيف يتحقق هذا التكامل ؟ بتوزيع المهام في المدارس والمعاهد حيث يتعاون، المدرسون، مدراء المدارس، المستشارون البداغوجيون، المساعدات الاجتماعيات والمتدخلون الخارجيون كالأطباء والمحللين النفسانيين والأولياء، على صياغة مشروع مشترك : تكوين أجيال الغد تكويناً يؤهلهم ليسعدوا ويسعدوا مجتمعاتهم.التعاون بين هؤلاء الشركاء في مشروع مشترك يتطلب أن يتوفر فيهم جميعاً الفضول الفكري والاستعداد لتقديم خدماتهم عن قناعة وحماس. عدم تخلي كل شريك في هذا المشروع عن هويته المهنية وخطابه المعرفي وممارساته الخاصة ضروري. لأن تبني كل شريك – أو بعض من الشركاء – لخطاب جاره المعرفي وممارساته خطر على الطفل والمراهق. القاعدة هي أن ينقل المعلم للمتعلم الثقافة، وأن ينقل له المربي القيم. أما العمال الاجتماعيون والمساعدات الاجتماعيات فهم يسهرون على تحسين حياة الأطفال والتلامذة، كما يهتم المعالج النفساني بتكييف شخصيتهما مع المعايير. بالمثل يتفرغ المحلل النفسي لدارسة لا شعورهما بكل ما يسكنه من لذات ورغبات وتخييلات ومخاوف وألم وأسئلة الحياة والموت والجنس كما تقول المؤلفة.
في المدرسة العربية الإسلامية هؤلاء الشركاء في تكوين أجيال الغد يلمعون بغيابهم الكامل أو يكاد. وهذا أحد الأسباب الأساسية لتخريج أعداء المواطنة الحديثة وعاطلي الغد. ومن يزرع الريح يحصد العواصف

***

عبد الخالق حسين (طبيب وباحث عراقي)
صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون

قرأت هذا العام كما في الأعوام السابقة، عدداً من الكتب الجادة والمفيدة. ولكن أهم كتاب أثار انتباهي وأفادني هو كتاب (صدام الحضارات The Clash of Civilizations) للمفكر الأمريكي، صموئيل هنتنغتون، الأستاذ في جامعة هارفرد. وقد نشر البحث أولاً على شكل مقال في مجلة (Foreign Affairs) عام 1993 وبنفس العنوان. وأثار في حينه، حسب ما قاله محررو المجلة، أوسع سجال من أي بحث آخر في الأوساط العلمية والسياسية والإعلامية، بين مؤيد ومعارض لفرضية المؤلف. وليس غريباً أن أغلب الذين شتموا الرجل من العرب، هم كالعادة، أولئك الذين لم يقرؤوا البحث بل سمعوا به فقط. ولا أدري إن كان الكتاب قد ترجم إلى العربية.
ومن ثم توسع الباحث في بحثه وأخرجه فيما بعد على شكل كتاب واسع ضمن فيه فرضيته وآراءه حول ما يجري في العالم الحديث من صراعات وحروب. فوفق هذه الفرضية، دخل عالم السياسة مرحلة جديدة. فالانقسامات والصراعات والحروب بين البشر لم تعد لأسباب آيديويلوجية أو اقتصادية أو توسعية، أو بين الملوك والأمراء كما كانت في الماضي، بل هي بين الشعوب والأمم وبسبب الاختلافات الحضارية للتجمعات البشرية. إذ يؤكد المؤلف أن الحروب الحالية والمستقبلية بين الشعوب ناتجة عن الاختلافات الثقافية أي الموروث الثقافي الاجتماعي في الدين والمذهب والقومية...الخ. ويعتبر المؤلف الحضارات هي أعلى السمات الثقافية التي تربط التجمعات البشرية بعلاقات وشيجة، وأن هذه التجمعات البشرية متميزة عن بعضها البعض حسب انتماءاتها الثقافية أي الدينية والتاريخية واللغوية والتقاليد والأعراف الموروثة من جيل إلى جيل. وهذه الانقسامات عميقة وذات أهمية متزايدة وهي التي تدفع الشعوب إلى التصادم.
وسبب إعجابي بالكتاب هو أن معظم ما تنبأ به المؤلف قبل أكثر من عشر سنوات يجري الآن على كوكبنا. فالصراعات التي انفجرت بين الشعوب، من يوغوسلافيا إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى كلها كانت بسبب اختلافات حضارية وهي تهدد الآن بتفجير حروب محتملة في المستقبل. إضافة إلى غزارة المعلومات القيمة والمفيدة فيه. ولذلك يرى المؤلف أن هذه المرحلة هي مرحلة صدام الثقافات أو الحضارات. وينصح الولايات المتحدة الأمريكية بإقامة تحالفات قوية مع الشعوب ذات الثقافة المماثلة لثقافتها مثل دول الوحدة الأوربية، وأن تعمل على نشر قيمها حيثما كان ذلك ممكناً. ويجب على الغرب، كما يرى المؤلف، أن يتعايش مع الحضارات المختلفة كلما أمكن ذلك وأن تستعد للمواجهة معها إذا اقتضت الضرورة. وفي تحليله النهائي يتوصل المؤلف إلى أن جميع الحضارات أو الثقافات يجب أن تتعلم روح التسامح وتقبل الآخر المختلف والتعايش معاً من أجل أن يعيش الجميع بسلام.
كما ويذكر الباحث أمثلة كثيرة جداً لإثبات فرضيته في ما يجري من صراعات في العالم بسبب الاختلافات الثقافية. وعلى سبيل المثال لا الحصر هذا الإرهاب الإسلامي الذي تصدره البلدان الإسلامية والعربية بخاصة ضد الشعوب الغربية والعداء المستفحل ضد الحضارة الغربية وضد غير المسلمين لهو دليل ناصع على ما يقول.

كذلك يشرح المؤلف بوضوح الفرق بين الحداثة والحضارة. فهناك التباس لدى بعض المثقفين حول هذين المصطلحين ويتعاملون معهما وكأنهما مترادفان. والحقيقة أن الحداثة تختلف كلياً عن الحضارة. الحداثة تتمثل بالأشياء المادية الملموسة، مثل التقدم الصناعي والاختراعات العلمية والتكنولوجية وبناء المدن والطرق ووسائط النقل والقوات المسلحة والأسلحة الحديثة والمعاهد العلمية والمستشفيات والملبس والمأكل... الخ. أما الحضارة فهي مجموعة قيم وأفكار وعقائد وتقاليد وأعراف وأديان ومذاهب وفلسفات وسياسات وأنظمة حكم وأحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الفرد وحرية المنظمات والتعبير والأديان والمعتقدات وروح التسامح والتعايش السلمي والرأسمالية والإشتراكية والعدالة الاجتماعية...الخ. فالحداثة هي الهارد وير والحضار السوفتوير! وعليه فالسلفيون والأصوليون الإسلاميون والأنظمة الإسلامية هم ليسوا ضد الحداثة إذ يتبنونها لأغراضهم الإرهابية، مثل إيران التي تسعى إلى تحديث قواتها المسلحة والحصول على الأسلحة النووية، ولكنهم ضد الحضارة الغربية بما فيها من قيم إنسانية.

****

احمد أبو مطر (كاتب سياسي عربي)
لماذا شدّتني رواية "شيفرة دافينشي"؟

لم تثر رواية أو كتابا في العقود القليلة الماضية من الخلاف والشهرة ما أثارته رواية الكاتب الأمريكي دان بروان (شيفرة دافينتشي)، التي حققت مبيعاتها أرقاما قياسية، وبدأ إنتاجها فيلما من طرف المخرج الأمريكي (رون هوارد) صاحب الأوسكار عن فيلمه (رجل إستثنائي) في عام 2002، وقد حصل على موافقة السلطات الفرنسية لضرورة تصوير بعض أجزاء من الفيلم في متحف اللوفر، حيث تبدأ أحداث الرواية في المتحف قرب اللوحة المشهورة (الموناليزا) للفنان ليوناردو دافينشي، حيث يعتقد الروائي أن الفنان دافينشي ترك رموزا خاصة ودلائل غير مباشرة في ثنايا خطوط وتفاصيل روايته، يحاول أن يفكها بوضوح حسب فهمه لهذه الرموز التي يعتقد بوجودها في اللوحة، لذلك أعطى روايته إسم (شيفرة دافينشي)، وهو يعتقد أنه توصل لفك هذه الشيفرة السرية في اللوحة.
أهمية الرواية أنها نتيجة من نتائج التنوير الغربية التي رفعت الحظر عن تابو الدين أو فصلت بين الدين والدولة، بحيث أصبح نقد الدين مسألة عادية كنقد إرتفاع نسبة البطالة مثلا، لذلك هاجمت الأوساط الدينية الكاثوليكية الرواية واعتبرتها إنقلابا على السائد في أذهان المتدينين الكاثوليك، وأعتقد أن هذا الهجوم عائد لأن الرواية تسرد وقائع عن أن السيد المسيح تزوج من مريم المجدلية وأنجب منها جيلا ظلّ مضطهدا في أوربا، وهذه الرواية تتعارض أيضا مع قراءة القرآن عند المسلمين حيث أن مريم المجدلية لم تتزوج، ولكنها أنجبت السيد المسيح نتيجة أن الله تعالى نفخ في فرجها من روحه (..ومريم إبنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) – سورة التحريم آية رقم 12 – لذلك تم منع الرواية في بعض الأقطار العربية، ورغم ذلك لا قت إنتشارا بعد صدور ترجمتها العربية عن الدار العربية للعلوم في بيروت عام 2004 أي بعد عام تقريبا من صدور الرواية بالإنجليزية، وقد ترجمت الرواية لما لا يقل عن خمسين لغة فيما لايقل عن خمسة و عشرين مليون نسخة. حول سر زواج المسيح المزعوم من مريم المجدلية تقدم الرواية العديد من الأسرار والتنويعات المثيرة حول ملوك فرنسيين من صلب مريم ، ولكن هذه الأسرار تم التعتيم عليها...وهذا مصدر الرفض الكاثوليكي للرواية. ما أدهشني هو العقول المفتوحة التي وصلت إليها أوربا بدليل تقبل هذه الرواية ونقاشها بالعقل فقط، فهناك القليل رفضوها والأغلبية قبلتها بدليل الإقبال الهائل عليها، بينما نحن في العالم العربي والإسلامي كفّرنا سلمان رشدي و نصر حامد أبو زيد وآخرون لمجرد آراء لم تتعرض لجوهر الدين، بدليل أن هناك علماء دين رفضوا فتوى الخميني بإهدار دم سلمان رشدي....أهمية هذه الرواية ليس فقط من تعرضها لهكذا أسرار أو شيفرات، ولكن أيضا لقولها الجريء ليس هناك تابو على أي موضوع، فمن حق العقل أن يطرح أو يشكك في أي موضوع...رواية جديرة بالقراءة !!.

****

حسين السكاف (كاتب وناقد فني عراقي)
أفضل كتاب، الذي بين يديّ الآن

أعترف بأن استفتاء إيلاف "أفضل ما قرأت خلال هذا العام" قد أيقظني فزعاً، حيث تنبهت إلى أن السنة الخامسة من الألفية الثالثة شارفت على الانتهاء. وفي الوقت نفسه أعترف بأهمية هذا الاستفتاء الذي لا يخلو من مشاكسة ثقافية الجميلة، حيث يأخذ بذاكرتنا نحو المراجعة والتقويم.
ربما يكشف هذا الإستفاء عن بعض من معاناة القارئ والمثقف العراقي الذي أبتلي بمصيبة المنفى أو الغربة، خصوصاً من شاء له قدره أن يعيش في أقصى البقاع الأوربية، حيث صعوبة الحصول على الكتاب العربي.
أعتقد أن أفضل ما قرأته خلال هذه السنة، كتاب فلسفي صيغ على شكل رواية، إنه كتاب "عالم صوفي" لأستاذ تاريخ الفلسفة وتاريخ الفكر، الكاتب النرويجي جوستان غاردير المولود في أوسلو عام 1952. تأتي أهمية الكتاب كونه كتب بأسلوب تربوي تعليمي مبسَّط يتناول تاريخ الفلسفة منذ عهد ما قبل سقراط حتى فلاسفة الوقت الراهن. الكتاب بأسلوبه يثير الدهشة، كونه وحسب ما خطط له كاتبه، موجه إلى فئة عمرية معينة، هي فئة الشباب والمراهقين، وكم كنت أتمنى أن يمتلك الكاتب العربي مثل هذا الأسلوب المبتعد عن الكلمات القاموسية الصعبة والجمل التعبيرية الحافلة بالمتاهات.
أما على صعيد الرواية، فأعتقد أن رواية "الخيمائي" للروائي البرازيلي باولو كويلو المولود في ريّو دي جانيرو عام 1946، قد أدخلتني عالم الدهشة والمتعة تماماً كما أخذتني إليه رواية "شفرة دافنشي" للكاتب الأمريكي دان براون، على الرغم من الإختلاف الكبير بين الروايتين من حيث الأجواء والبناء الدرامي.
أما بخصوص السؤال الثاني من الاستفتاء (أي كتاب / كتب تقترح أن يقرأه قراء إيلاف؟ ) فيمكنني أن أذكر:
رواية "حفلة التيس" لماريو بارغاس يوسا، وروايتي " شرف " و " أمريكانلي " لصنع الله إبراهيم. كذلك كتاب "الرجولة المتخيلة – الهوية الذكرية والثقافة في الشرق الأوسط الحديث" وهو من اعداد مي غصوب وإيما سنكليرويب. وأقترح على المهتمين بالشعر قراءة كتاب "ثياب الإمبراطور" وكتاب "الفضائل الموسيقية" وهما من تأليف الشاعر العراقي فوزي كريم.
وأخيراً أقول، بأنني حريص على القول دائماً بأن أهم وأفضل كتاب هو الذي بين يديّ الآن، حتى لو اكتشفت عند إتمامه، عدم أهميته.

يتبع