زعيم نصار مراسل إيلاف في بغداد: أقامت جامعة البصرة ملتقى السياب التأسيسي تحت شعار( السياب .. صوت التغيير والحداثة الشعرية ) تتويجاً لثقافة العراق الجديد، في الأيام الأولى من شهر كانون الثاني وقد حضر الملتقى الناقد الدكتور علي عباس علوان رئيس جامعة البصرة ومحمد مصبح الوائلي محافظ البصرة وجمع من أدباء ومثقفي العراق.ابتدأ الحفل بالوقوف حداداً وقراءة سورة الفاتحة على أرواح شهداء العراق. وعلى روح السياب حيث قال:احمد المظفر مديرومقدم الملتقى إن الحاضرين إلى ملتقى السياب هم حجاج السياب والبصرة تستحق الطواف. ثم قرأ الدكتور امجد كامل آيات من الذكر الحكيم. بعد ذلك جاءت كلمة رئاسة جامعة البصرة التي قال فيها رئيسها الدكتور علي عباس علوان بعد الترحيب بالحضور والشكر لهم.
ضد الظلم والقمع الذي خيم علينا في السنوات الماضية وما مارسه النظام الدكتاتوري المقيت ضد الشعب والثقافة تحديداً، لذا نحن هنا نبني ثقافة جديدة تبدأ من هذا الملتقى السيابي وأشار رئيس الجامعة إلى تعاون ومساهمة المؤسسات الحكومية والشخصيات السياسية والإعلامية والمؤسسات المدنية .بعدها أشار لأهم حركات الشعر العربي التي بدأها البارودي في مصر، وفجرها السياب في العراق. الجسر الذهبي الذي عبر عليه الشعر العربي من القديم إلى الجديد. هذا ما قاله ألجواهري عن السياب. ![]()
وقدأقيمت فعاليات الملتقى الشعرية والنقدية على قاعتي الدكتور الشهيد اسعد سليم في كلية الهندسة في موقع كليات كرمة علي والفرزدق في كلية الآداب في موقع كليات باب الزبير وأطلق على دورته الأولى اسم (دورة القاص الرائد محمود عبد الوهاب) حيث قام أ.د الناقد علي عباس علوان بتكريم القاص بلوح جامعة البصرة تقديراً واعتزاز بمنجزه الإبداعي وكان ملتقى السياب نقطة تحول جديدة في مجال التنظيم والتنسيق .
كلمة اتحاد الأدباء العراقيين
ثم جاءت كلمة اتحاد الأدباء والكتاب تلاها رئيس الاتحاد الناقد فاضل ثامر حيث أشار إلى أهمية ما قامت به جامعة البصرة في إقامة ملتقى السياب. وهذه المبادرة ظلت بعيدة عن المؤسسات الجامعية العراقية. وهي قادرة على خلق ثقافة جديدة بعد ما دمرت النظم الاستبدادية الثقافة العراقية ونحن الآن نحتاج إلى تضافر جميع الجهود وهذا منجز السياب أول الغيث بعد ذلك جاءت كلمة عائلة السياب تلاها عادل السياب الذي تقدم باسم العائلة السيابية بالشكر والعرفان لمن ساهم في إخراج ملتقى السياب إلى النور.
شهادة القاص محمد خضير
وقرأ القاص محمد خضير شهادة في كتابة محمود عبد الوهاب قال:
إنها كلمة مريد في طريقة شيخه. كلمة تلميذ في حضرة أستاذه. هذه الشهادة كانت بعنوان:
أشياء لا تمحى اسم لن يزول
روى محمود عبد الوهاب خبراً عن زميل له ألف المعتقلات، قال إن هذا الأليف دق مسماراً على حائط المعتقل وعلق عليه سترته، فكان هذا المسمار في انتظار سترة الأليف كلما عاد إلى خان الشرطة حيناً بعد حين.
هذا المسمار لن يمحى من ذاكرة محمود، ولا من ذاكرة جدران المعتقلات. أشياء لن تمحى من ذاكرة أصحاب المسامير: بقعة دم جافة على رصيف، صوت أم كلثوم في أقبية التعذيب، شحاذ غاف في باب مسجد، وجه التخت الوحيدة في عيني محمود الغائمتين.
يقترع محمود على قائمة الانتخابات، فيرسم علامة المسمار في المربع الخالي، المسمار المعقوف مثل جسد أخته المسجى على سرير الغيب.
يكتب محمود صفحات من سيرته الذاتية، على ترتيب خاص بيقظة ذاكرته الحالمة، فيتذكر وجه أبيه أول من يتذكر وهو يصطحبه إلى صالون الحلاقة، ثم وجه أمه تابعاً إياها بفانوس وهي تلبي نداء حبلى تطلق في ليل المحلة. شعاع الشمس المتسلل إلى مرآة الحلاق، وضوء الفانوس المفروش على ارض الزقاق، خيطان يشدان محموداً إلى الأشياء التي لا تنسى، صفحتان في روزنامة السيرة الذاتية الناقصة لحياته الكاملة.
يضيف محمود ما ينقص حياته إلى حياة شخصياته، فيؤلف من سيرهم المتفرقة سيرة موحدة لقصة يؤلفها عن نفسه، بل يستأنف هذه السيرة القصيرة برواية عنوانها (سيرة بحجم الكف) يحذف محمود ما ينبغي تفصيله في سيرة حياته، ويضيف إلى شخصياته ما يفيض على مقادير سيرهم، ذلك لان قدرة محمود على الكتمان والاختصار هي أقوى من قدرته على الإباحة والتفصيل. هذا ديدنه، وتلك طباعه، يؤثر على نفسه ما يسفحه على الآخرين، فكأن قصصه المفصلة لحياة أصدقائه ترجمة لسيرته المختصرة بحجم الكف، وكأن اختزال قصصه إلى أقصر الحدود تعبير عن رغبته المكبوتة في سرد التفاصيل. تعكس قصصه القصيرة طريقته المهذبة في ارتشاف كأس الحياة حتى الثمالة.
منذ نشر محمود عبد الوهاب قصته الأولى قبل خمسة وخمسين عاماً وحتى اليوم وهو يؤسس مجاله النوعي في الكتابة والحياة، حيث تبدو كل منهما امتداداً للأخرى، وهاجساً متصلاً يمنح التجربة محتوى جمالياً قادراً على إضاءة الحدث والارتقاء بالعارض من تفاصيله، وصولاً إلى ما تحقق بين يديه عبر ثمار قليلة يانعة، يبدو إن بمقدورها إن تختصر دروباً، وتخلص طرائق وتقترح مياسم ومجالات، للوصول إلى ما وراء الشاخص والعياني من تحققات الجمال، ولتكتمل بين يدي quot;العابر الاستثنائيquot; واحدة من منجزات السرد العراقي الحديث، وهو يخلع ما زاد من قمصان الكلمة مكتفياً بموجهات الشعور، مؤمناً إن بامكان جملة دقيقة نابضة أن تشع في غياب المعنى ولجلجة السؤال، لتنجز قصته، بذلك، عبر مساحة نصية صغرى ذهابها الخاطف، أبداً إلى الجوهر المخبوء من لحظاتنا، بما يقرب من ممكنات الشعر، ويؤسس لتجلياته روحاً ورؤيا في انشغالات نص محمود عبد الوهاب، فالقصة التي لا تنتهي تفتح دائرة، وتلامس أفقا وتشكل معنى في الذهاب إلى البياض، فيكون الصمت كلاماً، والحذف امتلاءً، والتأجيل حضوراً تملك القصة فيه أن تقول ..
ولا يزال محمود يختصر ما يريد تفصيله، ويفصل ما يشاء اختصاره، في تأليف قصصه مثل الاسكافي الذي يقص الجلود ويلصقها ويخصفها مرتدياً قفازاً أبيض.
يعمل محمود في فضاء مشغل ضيق مدفون في بازار المؤلفين والقارئين المشغولين بتسويق نصوصهم والصياح على بضاعتهم والتدافع لزيادة رصيد كتبهم. لكن صانعاً مثل محمود يشتغل بوسواس النهايات القصيرة، يحسب عدد الخطوات التي تفصله عن النص المأمول، يحبك نصه فيأتي سعاة النصوص بين المراحل الألفية ويحملونه مع رسائلهم المختومة الى ما لا يعلم صانع ولا بائع في بازارات الصناع المهرة. لا يراسل الصانع القابع في زاويته قارئاً يعرفه، ولا يأمل في خطوة نهائية تختتم عمله. فهو يعمل كما يعمل قصاص النهايات المفتوحة على مقايضة قصصه بدلالات عابرة وإيحاءات ماكرة، محمولة على احترام العقد المبرم بينه وبين شخصياته المتوارية في الظل بكتمان أسمائها. وهنا يعمل محمود عبد الوهاب ببند ثمين من بنود كتابة القصة القصيرة، غير بند الإيجاز والاقتصاد، هو بند الوصاية أو الوكالة عن ضحايا الحياة. تلقى الضربات والصفعات، وصنوف الهزء والسخرية، وأعباء الشيخوخة والمرض، نيابة عن شخصياته، واغلبهم من الشيوخ والمرضى والعاجزين والقانطين، بصبر وأناة وتفهم، فكان أميناً للروح الإنساني الذي استدفأت بوهج حقيقته نصوص آباء القصة العراقية الأوائل.
يرتحل محمود عبد الوهاب في رؤاه السردية بعيداً عن واقع ( الدهشة الأولى والحادثة الأولى والمشهد الأول ) كما يقدم لمجموعته القصصية ( رائحة الشتاء) . إلا إن ذاكرته الأمينة لأصولها تأبى إلا أن تعود الى دهشتها المرتحلة الى تلك المواقع التي جزأت سيرته الى بيوت وعتبات وثريات ووجوه ترتسم في مجرى حياته البطيء. إن رؤاه التي ترتقي في قطارها الصاعد الى أعلى تشرف على مشاهد لم تزل من تضاريس الأرض الأولى: جدار مثلوم في زقاق ترابي تقع في منعطفه غرفة طينية مهجورة اتخذت لغسل الموتى (الشباك والساحة) جسر خشبي متداع على نهر صغير امتلأ قاعه بالقناني الفارغة وأطر السيارات التالفة (رائحة الشتاء) مدفأة علق بها الغبار (رائحة الشتاء) ردهة مستشفى يزورها ثلاثة أشخاص: امرأة ورجلان أحدب وبدين يظلع في مشيته ( على جسدك ينشر الليل مظلته) كتاب وقدح شاي ومضربة ومنديل على طاولة في شرفة (طقس العاشق).
دم محمود عبد الوهاب
من الموقع الأساسي الذي شاده قصاصو العراق في نهاية الحرب العالمية الثانية وأبطاله- سيرهم ووقوفهم وكبواتهم،، ثيابهم وكلامهم وطعامهم، بلاهتهم وسخريتهم وفطنتهم- فقد صعدوا قطاره من المحطات متفرقة على السكة الملتوية وسخريتهم وفطتنهم - فقد صعدوا قطاره من محطات متفرقة على السكة الملتوية في فيافي الأرض العراقية المترامية الأطراف. كيف لنا أن ننسى أجواء عربة (القطار الصاعد الى بغداد) ووجوه ركابها: الطالب البصري والمسافر البغدادي والقروية العمارتلية ! ( آه ما أضيق هذا المكان، ما أتعس هؤلاء! ) يفكر الطالب البصري. وعلى الجهة الأخرى من القطار المارق بركابه، يفكر المسافر الآخر( ما أوسع هذه البلاد، ما أعجب هذه الوجوه!) لقد مضى الزمان سريعاً بهم وبنا وبالقصاص الذي هبط من قطاره. إننا نصادفه اليوم جالساً في مطعم الى جوار بطل قصة (الملاعق): يتلوى بخار الحساء بين عينيه خيوطاً سائبة، يطرق لحظة كأنه يتأمل حياة كاملة سقطت في طبقه. أو أننا نتذكر المفتش الذي استخرج من ذاكرته صورة معلمة الأطفال التي ترتدي ثوب البازة المشجر بأكمامه الطويلة الضيقة المطرزة بالدانتيلا. أو انه ذلك (العابر الاستثنائي) الذي يعبر بتثاقل الشارع الى الرصيف الآخر، مطرقاً كأنه يحسب خطواته بانتظام، وكان شيئاً في داخله ينكسر، يجر أقدامه مثل حيوان جريح. أو نتخيله قارئاً فطيناً لكتاب (البخلاء) ينقب في زوايا حكاياته عن شخصية ينتسخ منها بطل قصته (رائحة الشتاء) سلمان ذا المسحة الغوغولية.
ما أفطن هذا المنتسخ، المتنكر في إهاب شخصياته، وما أكثر تحولاته في مجموعة قصصية واحدة، وسنفاجئه متحولاً الى نورس في نهاية قصة (عين الطائر): يفرد جناحيه ويصفقهما محاولاًُ النهوض من الأرض، والاستدارة صوب النهر، مخترقاً فضاء المدينة ومابينها، مغادراً مكانه القصي، غائراً في الالتماعات الفضية الجميلة.
وداعاً أيها النورس المحلق، مرحباً أيها القصاص البارع، وأنت تعود من ارتحالك ولما تغادر مكانك قط. .
بعده ألقيت كلمات تناولت تجربة القاص محمود عبد الوهاب ورحلة قصصه ومشاهدها التي لا تنسى تبدأ من أولى قصصه الى آخر ما صدر للقاص رائحة الشتاء، ثم أبدع الدكتور ناصر هاشم في قصائد مغناة للسياب منها أنشودة المطر . ثم ألقى القاص لؤي حمزة عباس كلمة اللجنة الثقافية للملتقى جاء فيها:
هل نتحدث، بذلك عن الشعر؟
وهل تكون لفواصل الإبداع من ضرورة حينما ينجز النص مهمته متطلعاً لعالم في تجدد مستمر؟ ستأتي الإجابة عبر تعديل طفيف على جملة الراحل الكبير محمود البريكان وهو ينظر فيرى، وهو ينصت فيقول: ( حين تحصى تركات التاريخ، وتتراكم أنقاض الحضارات، يبتكر (المبدع) لغة جديدة لعالم يولد ).لا يبدو من الغريب، ونحن نستمع لصوت محمود البريكان، أن نحتفي بمحمود عبد الوهاب، كاتب القصة المتفاني، في ملتقى الشاعر بدر شاكر السياب وقد أريد له أن يتشكل محفلاً للكلمة وهي تثمر أفعالا مورقة في مدينة الحلم والكلمات.ولا يبدو غريباً أن تنصت لصوت السياب القادم من لحظة عراقية نتصورها اليوم بعيدة، ابعد من مؤداها الزمني، فنستمع لحضور كاتب القصة الذي لا يزال يجدد نظرته في سبيل التقاط جوهر التجربة، إننا إذ نحتفي بالشاعر في حضور القاص، وبالقاص في رؤية الشاعر، نعلن احتفاء ً خالصاً بواحد من المعاني العميقة للحياة العراقية وهي تجدد، أبداً توقها للجمال، وتنشئ في كل آن، لحظتها الفارقة.
بعد ذلك قدم رئيس الجامعة الناقد الدكتور علي عباس علوان درع الملتقى الى المحتفى به القاص محمود عبد الوهاب الذي قال كلمة شكر فيها الحضور والجامعة على هذه الالتفافة الكريمة.
الجلسة الشعرية الأولى
بعدها بدأت القراءات الشعرية بالشاعر موفق محمد، و كاظم الحجاج، وزعيم نصار. وطالب عبدالعزيز . بعد القرآءت الشعرية، قرأ المسرحي جواد الشكرجي قصيدة السياب ( غريب على الخليج ) بصوته ا الذي استطاع أن يأسر الحضور .
الجلسة النقدية الأولى
أما في جلسات الدراسات النقدية لليوم الأول كانت هناك دراسات ساهم فيها كل من النقاد سعيد عبدالهادي، ناظم عودة، وفهد محسن فرحان، وآخرين تناولت تجربة السياب الشعرية ومنجزه ألتجديدي في خلق قصيدة حديثة أزالت ما قبلها. لأهميتها نضع هنا قراءة الناقد ناظم عودة:
قراءة السياب في ضوء ثنائية: الشعري - الثقافي
مشروع السيّاب، كان لحظة فاصلة لا يمكن التراجع عنها قط؛ لأنها لحظة ولادة، والولادة لا تنتهي بالموت لأنها أنجبت أرحاماً جاهزة للولادة على الدوام. وفضيلة السيّاب، أنه تلاعب بالجينات الوراثية للمزاج الشعريّ، وتلاعب بالذائقة الشعرية، والحسّاسية الجمالية للقارئ العربي، ووَضَعَه وجهاً لوجه أمام انهيار العلاقات اللغوية التقليدية.
من المؤسف، أنّ تلك القراءات لم تتعظ من المأخذ الاستشراقيّ الذي لا يمكن التقليل من قيمته بأيّ شكل من الأشكال؛ ذلك المأخذ الذي عدَّ الشعرَ العربيَّ القديم شعرَ تزويقات مجازية، وبلاغةٍ صوتيةٍ في المقام الأول. هذا الحسّ الاستشراقيّ، لا يمكن تجاهله كما قلت لسبب بسيط، هو أنه يعبّر عن ضرب جديد من القراءة النقدية للشعر العربي؛ قراءةٍ تأتي من خارج نطاق الذهنية الثقافية للعرب التي قولبت الشعر بقالب القصيدة، ورفضت أن تناقشه في نطاق دلالات أكثر غنىً وتعقيداً، وأكثر انفتاحاً على العالم. ومع أنّ هؤلاء المستشرقين انتقدوا ذلك الإفراط الصوتيَّ والتزييني في بنية القصيدة العربية القديمة، فإنّ قسماً من دراساتهم كانت تكشف عن ( القيمة الثقافية) لا الاقتصار على كشف ( القيمة البلاغية)، ولم تكتفِ بالإشارة إلى النظام الجماليّ الكلّي، إنما أرادت أن تتبع منهجاً في تكوين معرفة عن الشعر العربي في ضوء الأنساق الثقافية المتحكّمة في الذهنية العربية. بيد أنّ ( القراءة العربية) على عادتها غير الحكيمة منهجياً، سارعت إلى دفن المشروع الاستشراقيّ في مقبرة: الاستعمار الثقافي، أو التجديف الغربيّ، أو المؤامرة الفكرية المدسوسة من لدن ( الإمبريالية العالمية) و( اللوبي الصهيوني).
إذن، في ضوء هذه المشكلة القرائية المعرفية، ترغب هذه الورقة في مشاكسة تلك القراءات وطرح تساؤل هو: هل السيّاب شاعر؟. هذا السؤال المحرِج في ظني، يجعلنا لا نعيد قراءة المتن الشعري للسيّاب، بقدر ما نتورط في إعادة قراءة ( التفكير النقديّ ) في الثقافة العربية المعاصرة الذي أساء قراءة الخطاب الشعري العربيّ قراءةً متعددة النشاطات، وذاتَ مسارب قرائيةٍ تنفذ إلى الشعر من كلّ النواحي؛ قراءةً تستنطق الشعر وسياقاته الثقافية. إذن، أين تكمن تلك الإساءة، ولماذا ثمة إساءة قراءة من النمط غير الخلاق أصلاً؟. في ظني، أنّ ذلك الخطاب الشعري قد أنجز رسالته ومضى، وهي رسالة لا يمكن اختزالها في الشعر وحده، بيد أنّ المشكلة الحقيقية تكمن في ذلك النوع من القراءة الذي لم يتخلّص بعد من معضلةٍ إبستيمولوجيةٍ هي: القراءة الخطية الأفقية، ولم يهضم العقل النقدي بعد مقولات ( القراءة النسيجية ) التي تتأسس على مفاهيم جدلية تقرأ الأجزاء في ضوء الكلّ النصّي والثقافيّ في آن. واستناداً إلى هذه المقدمة، سيكون بوسعنا أن نقرأ ثقافة الأربعينيات والخمسينيات من خلال السيّاب، وأعتقد أنّ تشخيص الثقافة العقدية واكتشاف خصائصها البنيوية هو ما تفتقر إليه الثقافة العراقية. وما أقترحه بهذه المناسبة، هو إنجاز تاريخ شامل لهذه الثقافة؛ تاريخِ خطابها ومنجزها ومؤسساتها والملابسات التاريخية التي أحاطت بها، وإظهار طابعها الإثنيّ.
وهكذا خَتَمَت ( القراءات النقدية للسيّاب) على كلّ مشروعه بالختم الشعريّ، البارع في تجديد الأدوات البلاغية للقصيدة العربية، وتحديث البنية الكلاسيكية لتلك القصيدة. حتى أننا صرنا أمام جثة شعرية، لا أمام كيان ثقافي، الشعر فيه وسيلة للتحرّر والتحرير؛ تحرّر الروح والعقل من سجن المفاهيم التي لا تدور كعقرب الساعة، وتحرير الأرواح والعقول المخاطَبَة بذلك اللون من الشعر الذي كتبه السيّاب، ومحاولة تحريرهما من سجن المفاهيم الميتة كذلك.
على هذا الأساس، لا يمكن أنْ نعدّ ما قام به السيّاب يقتصر على تحديث نمط الكتابة الشعرية، وإنْ كان نشوب الخصومات حول حركة الشعر الحرّ ينصبّ في هذه الخانة، ولم تُفْلِح كتابات نازك الملائكة، منظّرةِ ذلك الجيل، في أنْ تتجه بتنظيراتها صوب تأسيس قاعدة فلسفية أكثر وجاهة من تلك القوانين العروضية التي سفّهت المشروع من أصله. نعم إنّ تحديث الأجناس الأدبية، إنما ينبع من حاجة وحسّاسية جمالية، لكنه يعبّر في الوقت نفسه عن تفاعل ثقافيّ معقّد، وما الذات الشعرية فيه سوى ذات صغيرة تدور في فلك مجموعة من الذوات الأكثر اتساعاً، تأتي في مقدمتها الذات البشرية التي تنمى إلى عالم الحياة، والذات الثقافية الشغوف بترميز اللغة والكلام والأشياء طرّاً.
إنّ أعظم ما قام به بدر شاكر السيّاب، يتمثّل في الانتباه المبكّر إلى الكنوز الشرقية في الثقافة والفكر والفن، واستثمار ما فيها من قيم فلسفية وجمالية وإنسانية، بدءاً من التراث الأسطوري وانتهاءً بالمدونات والمرويات والحكايات، وهو ما فجّر ثورة في الذهنية الشعرية تجاوزت حدود العراق إلى البلدان العربية كافة. وهكذا بات من يريد أن يكتب قصيدة معاصرة ينبغي عليه أن يبدأ من إنجازات السيّاب الذي تحوّل إلى ظاهرة ثقافية عامة. ولعلّ أهمّ مسألتين في تعامله مع الأسطورة هما: تفتيتُهُ الجزئيُّ للبنية الشكلية والمضمونية للأسطورة، وإقامةُ نوع من العلاقة بين الخرافيّ والإنسانيّ، وجعلُ الأول قناعاً للثاني، وهو ما فتح باب التنقيب الفكري والشعري في الأساطير الشرقية من لدن مجموعة من الدارسين والمبدعين، وربما سعوا إلى عقد نوع من المقارنة بين التراث الشرقي وأثره في التراث الغربي. وينبغي أن نعترف هنا، بفضل السيّاب في تحفيز الدارسين والمترجمين على إغناء مكتبة الثقافة العربية بالدراسات والترجمات الأسطورية.
بالإضافة إلى ذلك، كان السيّاب يُقْدِم على إنجاز وتأسيس وعي معاصر للشعر بوصفه مكوّناً من مكونات الثقافة العربية. بمعنى آخر، أراد أن يعبّر بقصائده عن الشعور الحديث الصافي حيال الظواهر والموضوعات والأحداث واللغة والموسيقى والشكل والصورة وكلّ وسائل التعبير الأخرى، هادفاً من خلاله إلى تشكيل وجهة نظر معاصرة تنتمى إلى عالمنا الحيّ لا إلى عالم الأموات.
وكانت هذه الفلسفة الشعرية، قد وجّهت طعنة قاتلة إلى مفهوم ( الهوية) في الفكر العربي إبّان الأربعينيات، والغارق في الرؤية الماضوية المشدودة إلى المرجعيات التراثية. تلك الرؤية وذلك النهج، هما ما كبّد الفكر العربي خسارة فادحة في تفكيك المفاهيم الميتة التي مازالت تشتغل بقوة في وسائل التفكير العربي ومنهجياته. ولعلّ جوهر حداثة السيّاب ينصبّ في السعي إلى عزلها وإنضاج منظومة من المفاهيم الأكثر تعبيراً عن مشكلات الواقع والثقافة والفكر في العالم العربي المتاخم لحضارات لازالت تنـزع عنها ثيابها بطريقة مستمرة. ومن هنا، يلزم أن نفهم أسباب تلك العاصفة المبكرة الرافضة لمشروع الحداثة السيّابيّ الذي نزع الطراز القديم واستبدل به طرازاً آخر.
في خضمّ تلك الرؤية الثقافية السائدة آنذاك، كان بدر يجعل من الشعور المعاصر مادة وموضوعاً، ولا يقتنع بذلك إنما يبحث عن شكل معاصر أكثر قدرة على تمثيل واستيعاب ذلك الشعور المنفلت عن أيّ تقنين عقلانيّ، لاسيّما بعد الحرب العالمية الثانية، وفجيعة العالم وصدمته بإلقاء القنابل على هيروشيما وناكازاكي، وميلاد نزعة شكوكية بمعايير العلم والعقلانية والحضارة الجديدة.
ومع كلّ تلك الإحباطات، فإنّ السيّاب كان من الروّاد الذين أخذوا بيد الشعر العربي إلى اكتشاف المعاني الإنسانية في التراث الغربي شعراً وثقافة، وكان ينقّب تنقيب متطلّع طامح، لا تنقيب يائس متجنّ، فاكتشف روح الحركة في ذلك الشعر؛ بمعنى آخر: أراد أن يعرف السرّ الذي يجعل جذوة الحياة العصرية متّقدة فيه على الدوام. ولا أظننا نجانب الصواب، إذا ما قلنا إنّ تجربة الشعر الغربي علّمت السيّاب كيف يتخلّص من مجموعة من عُقَد الكتابة الشعرية.
ولعلّ صلته بالتراث الغربي أمدته بطاقة كبيرة على معرفة كيفية تنصيص ما هو ذهنيٌّ وتجريديّ، وجعلُه يتشكل شعرياً جنباً إلى جنب مع ما هو تلقائيّ وعفويّ في القصيدة العربية. ويلزم أن نذكّر دوماً بهذه الريادة، أعني ريادة التعامل الخلاق مع الشعر الغربي، التي أحدثت تحوّلاً مهماً في شعرنا المعاصر، جعلته يعيد تقييم وسائل التعبير، ووجهات النظر، والمواقف التي يتبناها الشاعر العربي تجاه قائمة طويلة من الظواهر. ولعلّ القيمة الثقافية، لا القيمة الشعرية لعمل السيّاب هذا، تتمثل في فتح باب المثاقفة غير المشروطة أو المؤدلجة مع الغرب، على الرغم من حيوية وقوة الآثار الكولنيالية في الذاكرة العربية.
ولابد من الإقرار بأنّ تحطيم هذا الحاجز النفسي، كان يعطي للثقافة العربية فرصة اكتشاف المنظومات المتعارضة في التراث الغربي، من عقلانية ولا عقلانية، ومن مادية وروحية، وواقعية ومثالية، وإلى ما هنالك من ثنائيات متعارضة ينطوي عليها التراث الفكري للغرب. هذا الجانب المهمّ، لم تتمكن القراءات التي اتخذت من السيّاب موضوعاً لها من تجليته بما يتناسب وقيمتَه الثقافية والريادية. وعلى وفق هذه الفرضية، أقترح إعادة قراءة ما جمعه بدر من ثنائيات متعارضة في كثير من قصائده، كقوله في قصيدته الشهيرة: أنشودة المطر:
دفء الشتاء فيه وارتعاش الخريف،
والموت والميلاد، والظلام والضياء.
من ناحية ثانية، يلزم أن نعترف وإن كان بطريقة التأويل، بأنّ السيّاب فهم الأيديولوجيا في بداية انتمائه إلى الحزب الشيوعيّ العراقيّ بوصفها مشروعاً فكرياً تنويرياً لا مشروعاً دعائياً، لعلّ ذلك كان بسبب ما أشرنا إليه آنفاً من إطلاعه على طبيعة الحضارة الغربية التي تضمّ بين دفتيها تراثاً كاملاً من الأفكار والنظريات والمفاهيم المتعارضة على نحو يندر أن تحتويه حضارة أخرى.
وعلى أساس هذا الفهم، ينبغي أن نُدرك موقف بدر من الشيوعية والذي آل إليه مؤخراً، وكذلك النقد الذي وجهه للجانب الدعائيّ فيها، وموقف الشيوعية العراقية من ثورة الشوّاف. وهذا الإيمان الأخير جعله يعيد النظر بالأدب الشيوعي بعامة. لكنّ هذا، لا يعني أنّ المعدة الثقافية للسيّاب لم تفد من ذلك الانتماء العقائديّ، ومن التحوّل عنه، ومن ممارسة اختبارات حقيقية للجانب النظري والفلسفيّ في الماركسية، وكيفية تطبيقها في إطار أيديولوجيا الأحزاب الشيوعية.
وأودّ أنْ أغتنمّ هذه الإشارة، لأقول إنّ السيّاب تعلّم من الأدب الشيوعي، على الرغم من انتقاداته العنيفة لقسم من رموزه، كيفية الإصغاء إلى أوجاع المجتمع المسحوق بين ظِفْرَي: السلطة، والتخلف الاجتماعي، وتحويل ذلك الإصغاء إلى أعمال شعرية ما انفكت تؤثر فينا حتى الوقت الحاضر .لقد اختار السيّاب أن يعالج الثيمة الاجتماعية في ( المومس العمياء)، معالجة جمالية لإيمانه بأنّ الفن هو الأكثر مقدرة على معالجة الآثار السيئة، ونحن نعلم أنّ الأدب الواقعي كان يجد في الفن وظيفة التطهير الاجتماعي.
وبسبب هذا الوعي الثقافيّ الذي توفر عليه السيّاب منذ الأربعينيات، تمكن من وضع يده على الأزمة الانطولوجية للإنسان العراقيّ والعربيّ، وآمن بالثورة لا بمعناها التقليديّ الدمويّ، إنما بالثورة الرقيقة كالمطر، المسالمةِ كالمطر، الجالبةِ الخير العميم كالمطر، وأفضى به إدراكه لإشكالية المجتمعَين: العراقي والعربي، إلى إخراج مفهوم الثورة من نطاقه السياسيّ الصرف، إلى نطاق أعمَّ يشمل المجتمع بأسره. وعلى وفق هذا التصور، ينبغي أن نقرأ مثلاً قصيدته: ( أنشودة المطر. انصتوا إلى هذا المقطع الذي يقول فيه:
في كلّ قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهَرْ.
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
أو حلمةٌ تورّدتْ على فم الوليد
في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة!
مطر...
مطر...
مطر...
سيُعشب العراق بالمطر...
إنّ هذه القصيدة، ليست منشوراً سياسياً، إنما تتضمن رؤية سوسيوثقافية لأزمة الإنسان المعاصر، ودور الأنساق السياسية والاجتماعية في إدامة تلك الأزمة. كما أنها ليست منشوراً بلاغياً، فهي قبل أن تكون رؤية شعرية، كانت رؤية ثقافية استبطانية لمجموعة من المشكلات الموزعة على حقول عديدة. ونحن ندرك، أنّ التضخم التاريخي لتلك المشكلات هو الذي دفع السيّاب لأن يبحث عن مخرج شعريّ لها؛ ذلك أنّ الشعر في تصوره ذو طاقة ميثيولوجية، وعلى هذا الأساس فضّل ( المطر) على أيّ نوع من أنواع الأسلحة الفتاكة.
إنّ المطر في هذه القصيدة، لم يبق من دلالته اللغوية سوى الشكل الموحي بالمطر الحقيقيّ فقط، وما قام به السيّاب هو أنه جعل هذه الكلمة في مقابل: المخلّص المعجز المخلّص الذي ينتشل أمة كاملة من براثن ميتات عديدة، لعلّ أقلّها هو الموت الحقيقيّ. وهذا فهم متقدم لمفهوم الإشكالية لدى ألتوسير، إذ اعتقد السيّاب أنّ الحلّ لا يكمن في البنية المنعزلة، إنما في مجموع البنى المترابطة، أو بعبارة أخرى: أنّ مشكلة المومس العمياء لا تكمن فيها بقدر ما تكمن في سلسلة مترابطة من المشاكل.
وأخيراً أقول: إنّ السيّاب، في هذه الكلمة الأسطورية، كان يشقّ قلب الكائن لينتزع منه صرخته وصرخة أسلافه، ويدسّها في كبد اللغة، وقلبها، ويرفعها بملكوت الشعر إلى عنان السماء .
معرضان تشكيليان وآخر للكتاب
الأول صور من أحلام وآلام وهو المعرض الشخصي الرابع للفنان الشاعر سبتي الهيتي الذي قال: إن المعرض استلهام لشذرات من قصائد السياب ظلت حاضرة في وجدان الإنسان العراقي المعاصر. تركت أثرها في معاناة السياب الذي قال عنه النقاد انه سندباد جاع فأكل شراعه.
الثاني
معرض تشكيلي ضم لوحات مختلفة تمثل حياة السياب ومقاطع من قصائده أقامه فنانو البصرة.
معرض الكتاب
وكان للكتاب حضور متميز في ملتقى السياب حيث أقيم معرضان له. الأول لدار المدى والآخر لدار الكتب في جامعة البصرة.
الجلسة الشعرية الثانية
وقرأ شعراء آخرون في الجلسة الشعرية الثانية منهم: عارف الساعدي. مشتاق فالح. إبراهيم الخياط. فرات صالح العلي. علاء المسعودي. مؤيد حنون .
زيارة التمثال
الأدباء والفنانون زاروا تمثال السياب في الساعة التاسعة من صباح اليوم الثاني للملتقى حيث ساروا على كورنيش شط العرب، حتى تمثال السياب،البصرة والشعراء والشعر والفن اجتمعوا من اجل أن يقولوا إن الثقافة لابد أن تستمر .
الجلسة الشعرية الثالثة
وفي ضحى اليوم الثاني للملتقى كان الشعر حاضراً وبأجياله المتنوعة حيث شهدت الجلسة الثالثة قراءات للشعراء عمرعجيل السراي و حسين القاصد و نجاة عبد الله وآخرين.
بعد الاستراحة تواصلت قراءات الشعراء يوسف المحمداوي، جاسم بديوي، حيدرعبدالخضر . كريم جخيور . وحمد محمود الدوخي .هذا وقد شهدت جلسات ملتقى السياب التأسيسي التي أقيمت على قاعة كلية الهندسة حضوراً كبيرا خاصة من قبل طلبة وأساتذة جامعة البصرة ومثقفي المدينة.
الجلسة النقدية الثانية
في الجلسة النقدية الثانية قدم النقاد دراسات وقراءات نقدية في التجربة الشعرية للسياب وكان منهم الناقد صالح زامل، والناقد ماجد الكعبي، وقيس الجنابي، وأثير محمد شهاب وغيرهم .
الجلسة الأخيرة والبيان الختامي
وفي مساء اليوم الثاني اختتم الملتقى ببيان ختامي تلاه القاص لؤي حمزة عباس جاء فيه: إن السياب يمثل صوت التجديد والريادة الشعرية لاستلهام روح الابتكار والتجديد المتحققة. وابرز البيان الختامي دور الجامعة لاغناء الثقافة من خلال التعاون بين الجامعة والمجتمع والاحتفاء بالقاص الرائد الكبير محمود عبد الوهاب اعتزازاً بدوره الخلاق في تجديد القصة العراقية على مدى مسيرته الإبداعية خلال نصف قرن من التواصل وهذا تقليد بدأته جامعة البصرة من خلال ملتقاها هذا لتكريم رموز الإبداع في الثقافة العراقية. وأثنى البيان بالشكر على جميع من ساهم في انجاح هذه التظاهرة وجاء في البيان:
إن جامعة البصرة قد أرست تقليداً سنوياً يقام في الأسبوع الأول من كل عام لخلق تقاليد ثقافية جديدة وحضارية لتعكس الوجه المشرق لجامعة البصرة .وفي الختام وزعت الهدايا والجوائز على المساهمين في ملتقى السياب التأسيسي.
زعيم نصار
