ـ 1 ـ
على الرصيف المقابل يشخص الوجه ضاحكاً، مشبّعاً بسخرية حاقدة.. يطالعني كلما أزحت الستارة وأطللت على الشارع.. إنه هناك دوماً، على مرتفع من الرصيف.. كائن من أجلي / ضدي.. يحدجني ويضحك.
غرفتي تتعرى أمام نظراته.. وجودي مغتصب بوجوده.. بضحكته المتهكمة ذات الرنين، والذي أسمعه على الرغم من هدير السيارات وضوضاء المارة.. رنين يخترقني ويُشرِّحني كأنه يقول لي:
ـ أعرفك، ولن تفلت.
نظراته المتجهمة مقنّعة بالضحك.. إنه يضحك مني.. يضحك عليّ.. يضحك ليستفزني.. ليدفعني إلى متاهات الخبل والموت.
كينونتي الهشة، المضعضعة تتمرأى به، فتكتشف هشاشتها وتضعضعها وأيلولتها إلى الانهيار.. إنه يسعى لقتلي في كل مرة يواجهني فيها.. إنه موتي الذي يتربص بي.. يلاحقني، ويهددني بالويل، وبالجحيم.

ـ 2 ـ
في كل لحظة أتوقع أن يمد يديه الطويلتين، الكبيرتين ويحطم النافذة، وينتزعني من مكاني.. من عزلتي ويأخذني إلى ـ إلى حيث لا أعلم ـ وفي كل ليلة، والستارة مسدلة أحسّه يتلصص عليّ من زاوية النافذة. وكم من مرة صحوت وتأكدت من حضوره داخل غرفتي فلم أجرؤ على إدارة عيني، أو الإتيان بأية حركة قد تغضبه فيفتك بي.
كان يجلس على طرف سريري، ويقف أمام دولابي.. يبعثر أشيائي.
حيث أجدها صباحاً مبعثرة.
ويقرأ أوراقي.
حيث أجدها صباحاً في غير مواضعها.
ويمزق تخطيطاتي / فترى المزق صباحاً تملأ سلة المهملات.

ـ 3 ـ
ذلك الوجه يحبطني.. يجعل الفرشاة ثقيلة بين أصابعي، أو لعله يشل يدي فلا أستطيع التحكم بأي شيء أحمله.. والقماشة تتشوه أمام ناظريّ.. أراها كصفحة مياه عكرة تتموج. وذهني لا يقر له قرار.. ينفتح على فوضى من الأشياء وخرائب مريعة. ويتقلص حتى لا يلبث سوى نقطة من ظلام.. إنْ لم أرسم، ماذا يتبقى من جدوى، أو مسوّغ للانتظار؟.
ما الذي انتظر؟.

ـ 4 ـ
تحت سطوة الوجه أفقد رغباتي الحميمة.. أقطع ما يصلني بأشيائي والآخرين، فتضمحل النكهة الحلوة الغامضة.. نكهة أن تحيا حقيقة، ولا يداهمـك الاختناق.
ما عدت أرسم، وفي الرسم خلاصي ومعنى حياتي.. ما عدت أقرأ، والكتب قريني الأبدي.. ما عدت أهيئ حقيبتي لأسافر إلى أيما مكان، وأنا المغـرم بالترحال.
وقبل أسبوع أو أكثر جاءت صديقتي البضة الدافئة، وقالت:
ـ لم تأت منذ مدة.
قلت: مذ كان ذلك الوجه.
قالت باندهاش: ماذا؟.. وجه؟!.
ضممتها إليّ.. سرت برودة العجز في نخاعي.. حاولت إيقاظ شيطان الشهوة في دمي فلم أفلح.. وهي حاولت أيضاً، حتى إذا انقلبتُ على ظهري مغسولاً بالعرق والخجل قالت:
ـ لا يهم.. حالة اعتيادية، مؤقتة.
قلت: أخشى أن لا تكون كذلك.
وأمس اقتحم عليّ صديق قديم غرفتي.. صخبَ وضحك، واستل زجاجة البيرة التي اشتريتها تواً، وشرب قدحاً، وأشعل سيجارة ـ من علبة سجائري ـ وأنا صامت.
قال: تبدو مريضاً..
قلت: هو شيء أكبر من المرض.
قهقه وقال:: وسواس قهري.
صخبَ ثانية، وضحك، وشرب بقية زجاجة البيرة، ودخن ما تبقى في علبة السجائر.
وهو يهم بالخروج قال مؤكداً كلامه:
ـ وسواس قهري.
وراح يضحك.. صحت به:
ـ هو الوجه.
توقف وقد انسحب الدم من وجهه:
ـ ماذا قلت؟.
ـ الوجه.. الوجه.
تساءل جاداً: أي وجه تقصد؟.
وحين أخبرته عن الوجه ذي الضحكة الملونة الحاذقة الذي يتطاول على وحدتي، ويتبعني أنّى اتجهت، ويحاصرني ليقضي عليّ، تأملني صديقي هذا والخوف يعقل لسانه.. انفرجت شفتاه، غير أنه لم ينطق بحرف.. فتح الباب وأسرع مولياً الأدبار.
كنت موقناً من أنه لن يعاود صحبتي ثانية.

ـ 5 ـ
نفق غائر، أسطواني، مخنوق بدخان أبيض. وقوة ما هي قوة الضحكة ربما، تسحبني. والذعر يكاد يقتلني. وفجأة أراه سادراً في الضحك، قريباً جداً، وقاسياً جداً. وأحدس أنني هالك لا محالة.. ألجأ إلى الصراخ.. أصرخ، فيبرز نتوء صلب من مقدمة جبهته ينفث ناراً. وما أزال على وشك الاصطدام به حين أفتح عيني.. الغرفة غارقة بالدخان.. الدخان ينبعث من الستارة.. لقد احترق جزء من الستارة.. اندفع إلى الحمام.. أجيء بدلو ماء.. أسكب الماء على النار.. النار تشتد.. أجيء بدلو آخر.. النار تنكفئ.. دلو ثالث وتُخمد النار.
الستارة تسقط متحولة إلى نثار فاحم. ويتجلى الشارع.. يتجلى هو وحده تحت الكشاف الضوئي النازف، يضحك ويقول:
ـ انظر، أيها الأحمق، ماذا أستطيع أن أفعل.

ـ 6 ـ
قررت ترك غرفتي وتأجير غرفة أخرى في شارع آخر.. في غرفتي الجديدة أمضيت ليلة آمنة، بلا وساوس أو كوابيس.. قلت مبتهجاً ؛ لقد صار بعيداً.
مع الفجر أزحت الستارة.. باغتني بضحكته.. كانت ضحكته أشد غضباً وتهكماً منها في المرات السابقة كلها.. كان قابعاً على الرصيف المواجه.. تناهى إليّ صوته واضحاً مدبباً:
ـ أنا قدرك.. اللعنة التي أصابتك، ولن تنجو.
ارتعد جسدي وتضبب العالم.. انفتحت هوّة مخيفة داخل رأسي فتطوحت على البلاطات الباردة، وغبت.

ـ 7 ـ
قلت ؛ ما حاجتي إلى النور والحرية؟ أية نور، وأية حرية يمكن أن تضمنهما النافذة إن كان الوجه حاضراً خلفها؟. اشتريت لوحاً خشبياً كبيراً وسمّرته فوقها.. ألغيت النافذة لأنام بسلام.. بعد نوم متقطع مؤلم انتفضت مرعوباً.. أضأت المصباح الكهربائي فرأيته أمامي وقد نفذ عبر اللوح ليواجهني.. أطلقت عواءً مخنوقاً، وانكفأت مثل حيوان مذعور.. كان يضحك تلك الضحكة الملونة الحاقدة المتشفية ذاتها.. فتحت الباب لأهرب.. قال:
ـ إلى أين أيها الجرذ.. أنا موتك البطيء، وسأطاردك حتى وإن وصلت إلى آخر الدنيا.
خرجت إلى الشارع.. كان هناك على الرصيف، ثم في مفترق الطرق كان أيضاً.. تجاوزته وركضت.. صار يركض ورائي.. لم ألتفت.. دخلت زقاقاً ففاجئني بضحكته ذات الرنين.. ولجت بيتاً.. كان موجوداً ثمة كذلك.. طردني أهل البيت صارخين في أعقابي:
ـ مخبول، مخبول..
مضيت باتجاه النهر.. رأيته على الكورنيش شامخاً، يتفرسني بصرامة وغيظ.. كنت متعباً ألهث.. حلقي مر وقلبي يدق بقوة حتى اعتقدت أنه سيقطع الأوردة المتصلة به ويهمد.
وقفت قبالة الوجه.. حدقت فيه.. رأيت وجهاً آخر ـ هو وجهه التوأم ـ ينسل منه.. صار الوجه وجهان، ثم انسلت وجوه أخرى كثيرة.. توائم لا تحصى أضحت تخرج وتملأ الأمكنة.. الشوارع والساحات والأزقة والمنتديات والمؤسسات والبيوت والبارات والمواخير والجوامع والكنائس، الخ..
صحت بالناس:
ـ انظروا أية كارثة تحل بنا، أم أنتم عمي لا ترون.
بعضهم تحاشاني، وبعضهم ضحك مني، وبعضهم ضربني بالحصى والعصي. وتجمهر حولي الأطفال يجرجرون طرف دشداشتي الموحلـة ويتصايحـون فرحيـن..

ـ 8 ـ
إلى غرفتي عدت وأنا منهك وبردان، بيد أنني لم أكن خائفاً.. فائض الخوف فجّر الخوف كله وبدده.. تأكدت، ولأول مرة مذ كان ذلك الوجه من أنني لست خائفاً حقاً.
اللوح الخشبي الكبير اقتلعته.. هجم ضوء النهار وغمر الداخل.. أخذت الفرشاة وغمستها في علبة اللون الأسود.. كانت يدي مرنة، قوية وواثقة، وبسرعة رسمت ذلك الوجه بملامحه وتقاطيعه على اللـوح الذي اشتريته بدءاً لأقتل به حريتي.
قلت: سأزرع في الوجه الخوف أولاً..
بعد عدة ضربات من فرشاتي تركته خائفاً متقلصاً، منكمش الأسارير.
تأملته.. قلت ؛ هذا لا يكفي.. سأجعل الخوف يقتله.
بعد ضربات متقنة أخرى جعل ذلك الوجه يذبل.
كنت مفعماً بالجذل، وبشعور طاغ بالحرية.
الضربات الأخيرة كانت رشيقة تنم عن حيوية واعتداد.. راح الوجه على أثرها يرتخي.. ينحل، ويموت.