مطالبة بتعديل الدستور!

أتعرض هنا للأسباب التي أدت الى انحراف محاكمة صدام وأعوانه من عملية تهدف الى احقاق العدل وتستجيب لحاجة العراق الى محاكمة نزيهة تكرس دولة القانون والنظام الديمقراطي الجديد الى أشبه بمسرحية محاكمة تم اعدادها واخراجها بحيث تستجيب بشكل واضح لأهداف الأمريكان في مخاطبة المجتمعات الغربية ومغازلة دول أوربية وعربية، على حساب جروح العراقيين ومعاناتهم. وسأطالب بتعديل الدستور لكي يتجاوب مع الواقع الانتقالي للقضاء العراقي وأبين أهمية استرداد العراقيين لمحاكمتهم لصدام وزمرته من السفاحين والقتلة.

1- الخدعة الكبرى:
مع استمرار انعقاد جلسات محاكمة صدام حسين، اتضح للعالم أجمع، مرة أخرى، أن الشعوب هي التي تقدم على مذبح الطغيان، بينما يلعب "الكبار" دائماً بمصائر الناس الطيبين. فقد تم التحضير لهذه المحاكمة واختير القضاة لها بتخطيط غير معلن الا بالنزر اليسير، وكان الدور الأمريكي واضحاً في مرحلة التحضير لها. ولا نعرف مدى مشاركة المسؤولين والسياسين العراقيين، ويبدو أنهم انخدعوا باكذوبة استقلالية القضاء التي سأتعرض لها. اذ ربما كان غياب هؤلاء العراقيين عن تحضير المحاكمة بسبب تصورهم بان استقلال القضاء يفرض ابعاد السلطة التنفيذية عنها وبما أن هؤلاء السياسيين يسعون جميعاً للوصول الى الحكومة !! فقد تركوا أمر محاكمة صدام على أنها ليست من اختصاصهم، أو هكذا فهموا القضاء المستقل! وقد ساعد ضعف الثقافة القانونية والديمقراطية على وقوع هؤلاء السياسيين في "الفخ الأمريكي". وقد ساعد على ذلك تغني الكثيرين منهم ومعهم أساتذة في القانون باستقلالية القضاء بشكل رومانسي لا علاقة له حتى بواقع التجربة الغربية التي أسست لهذا الاستقلال القضائي خلال القرون الماضية. لقد ابتلع مثقفونا وقضائيونا مبدأ استقلالية القضاء بدون فهم واقعي مما سبب اصابتنا جميعاً بسوء الهضم الذي نعاني منه الآن، وأرجو فقط أن نستطيع التخلص منه بأسرع وقت وبدون مضاعفات خطيرة!

2- تعديل الدستور:
أن امكانية تعديل الدستور التي منحت لارضاء بعض الشخصيات والحركات ينبغي أن تستغل كفرصة لتصحيح هذا الخطأ. اذ أننا في ميدان القضاء أيضاً نمر بفترة انتقالية عصيبة تتميز بقلة صلاحية الجهاز القضائي الذي ورثناه من فترة الطغيان، وأن الكثير من القضاة تأثروا بدرجة أو أخرى بممارسات الفترة الماضية. وأن القضاء قصر تماماً في معاقبة الارهابيين المعتقلين من قبل قوى الأمن والجيش، وها هو يقصر في محاكمة رئيسه السابق! صدام التكريتي. فلا يمكن في هذه الظروف اعطاء القضاء هذه الاستقلالية حتى وان كانت استقلالية واقعية مرتبطة بالمجتمع ومؤسساته، على الطريقة الفرنسية كما بينت ذلك. فكيف نمنح قضاء يتسم بهذه الدرجة من التأثر بالماضي الدكتاتوري الدموي صفة الاستقلالية التي تجعل منه مكافئاً ومساوياً لسلطات ينتخبها الشعب رغم التهديدات، بل وتحت وابل الرصاص. أن هذا التصرف يمثل خطلاً فكرياً وخطأ تاريخيا ارتكبه آباء الدستور في الجمعية الوطنية وآن الأوان لتصحيحه.
ومن جهة أخرى وعلى عكس الأطباء والمهندسين مثلاً، يبدو لي بأن القضاة الهاربين من طغيان صدام قليلو العدد وهذا يفرض علينا الاستفادة منهم. بينما الذي حصل هو العكس، فقد صرح القاضي زهير كاظم عبود، أثناء ندوة شاركت فيها على قناة الفيحاء يوم 4 ديسمبر 2005، بأنه كان مرشحاً لعضوية هيئة المحكمة ولكنه استبعد منها ! لكل ما تقدم، يجب على جميع العراقيين، في مختلف مواقعهم، العمل على استرداد الشعب العراقي لهذه المحكمة التي تنطق أحكامها باسمه !! والسير بها في الطريق الصحيح لتكون شهادة أمام العالم كيف أن شعباً مثخناً بالجراح حاكم جلاديه بعدالة وشفافية بعيداً عن أساليب الانتقام الجماعي، وفي نفس الوقت لكي تكون المحاكمة جادة ومعبرة عن المآسي الأليمة التي تسبب بها هؤلاء الطغاة وتساهم بالتالي –أي المحاكمة- في تضميد الجراح العميقة...
من جهة أخرى، ولتأكيد ضرورة التعديل الدستوري، أذكّر بأن المحاكمة شهدت استخدام مبادئ القانون الدولي وحقوق الانسان بشكل متعسف ومزيف للقفز على واقع العراق الجريح الذي يراد له أن يستمر في المعاناة حتى عند اجراء المحاكمة لهذا الطاغية على جرائمه. فالعالم أجمع يعرف بالوثائق والصور والأفلام والافادات بأن صدام حسين ارتكب المجازر الوحشية والاعتداءات المستمرة عشرات السنين ضد أبناء شعبه. اذ كرس موقعه في السلطة بقتل المشتبه في ولائهم قبل المعارضين وبالعقاب الجماعي للمدنيين أطفالاً ونساء وبامتهان الكرامات وقطع الألسن والتعذيب والاعتداء على الأعراض والمقابر الجماعية وعمليات التهجير الجماعي القسري والوحشي والقصف بالاسلحة الكيمياوية، الى بقية القائمة الطويلة التي ليس لها آخر. ومع ذلك، يشهد العالم محاكمة زيفها الاستخدام المضلل لمبادئ القانون الدولي وحقوق الانسان وأصبحت أشبه بالمهزلة يرأسها قاض ضعيف الشخصية يترك المتهمين يلعبون دور الضحية تارة والمُتشـفي المستهزئ بضحاياهم تارة أخرى، فيعتدوا ويهينوا المشتكين والشهود على جرائمهم، وصار صدام حسين يتغنى بالشرعية ويحاضر في الوطنية ويشير على القاضي بكيفية ادارة الجلسات وحتى وصل به الأمر الى توبيخ رئيس المحكمة!! ان هذه الممارسات المخجلة ستؤثر سلباً على أهمية الوعي بالمبادئ القانونية والحقوق الانسانية، اذ يتطلب هذا الوعي تطبيقاً متدرجاً ومعقولاً يساهم في تبني المواطنين لها لا أن تتحول بسبب التطبيق القسري والفج الى سبة تلوك بها الألسن ومهزلة يتسلى بها أعداء الحرية والكرامة الانسانية.
اذن، ينبغي على الجميع، كل حسب موقعه، المبادرة الى تعديل الدستور وتعديل أو استصدار قوانين تعالج الثغرات الخطيرة التي لاحظناها أثناء مجريات المحاكمة ولضمان محاكمة نزيهة وحاسمة لصدام التكريتي ومعاونيه.

3- استقلالية القضاء بين الواقع والخيال:
تم تبرير أوضاع هذه المحكمة منذ بدايتها باستقلالية القضاء وعدم التدخل في شؤونه. ومن المؤسف أن الكثيرين من الحقوقيين والقضاة العراقيين ساهموا في ذلك وكانوا الى أيام قليلة يصرحون على شاشات التلفزيون أنه رغم انتقاداتهم لبعض الجوانب، الا أن القاضي الاستاذ روزكار هو من قضاة الصنف الأول وأن كل شيء سيتم حسب المعايير القضائية. انهم يتكلمون وكأن القضاء يُسيّر نفسه بنفسه ويمتلك السيادة بل وكأنه يشكل دولة داخل الدولة. ولا أعرف تفسيراً لهذا الموقف الا أنهم يستندون الى معرفة منقوصة ومشوهة للتجربة الغربية وأنهم يريدون الانتقال بشكل رومانسي من انعدام القضاء وتسخيره بالكامل لخدمة سلطة الطغيان أيام صدام الى الاتجاه المعاكس في تفكير خيالي ليرضوا أنفسهم بأننا نعيش في أيام مختلفة، مع ما يسببه ذلك، كأي تفكير خيالي، من أضرار بمسيرة العراق الديمقراطية. وربما يعيش البعض منهم رغبة كامنة في تعزيز مواقعهم كقضاة وقانونيين في صدارة المجتمع وفوق المجتمع.
وينبغي هنا تبيان التجربة الغربية وما طورته من مؤسسات قضائية حديثة لتطبيق فكرة موجودة لدينا في القضاء الاسلامي وهو أن القاضي يحكم استناداً فقط الى القانون وروح العدالة ولا يتأثر بالمحسوبية أو المنسوبية ولا باصحاب المواقع المهمة في الدولة ولا بأي أمر آخر. وأذكر هنا بحقيقة أن القضاء في الغرب الديمقراطي يتمتع بهياكل وقواعد تضمن هذه الاستقلالية في اصدار الحكم الذي يراه القاضي عادلاً، ولكن هذا القضاء يعوم في محيطه الاجتماعي ولا يتواجد في عالم خاص به، فهو يطبق القوانين التي تشرعها السلطة التشريعية وتقوم السلطة التنفيذية بتأمين مستلزماته اللوجستية وتتابع دقة وشفافية عمله. ويتم ذلك باشراف مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه في مثال فرنسا رئيس الجمهورية المنتخب وهو رئيس السلطة التنفيذية ويعادل رئيس الوزراء في النظام البرلماني الكلاسيكي. أما وزير العدل فيشغل، بصفته الرسمية، منصب نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى (المادة 65 من دستور الجمهورية الخامسة). ومن جهة أخرى، اعتبر نفس الدستور الفرنسي (المادة 64) رئيس الجمهورية، أي رئيس السلطة التنفيذية، ضامناً لاستقلالية السلطة القضائية في فرنسا.
ولذلك، يؤسفني أن أقول بأن سياسيينا وقادتنا وقعوا ضحية هذا الاستخدام الخاطئ لمبدأ استقلالية القضاء، تماماً كما وقعوا ضحية فكرة التوافق التي هي الأخرى فكرة مضللة وتسبب تعطيل وربما شلل العملية السياسية. لذلك فقد تقبلوا تثبيت هذين المبدأين في قانون ادارة الدولة بالصياغات المعروفة وما سببه ذلك من آثار سيئة على العمل الحكومي وغيره. أما بالنسبة للفهم الخاطئ لاستقلالية القضاء فان الآثار السيئة تمثلت ببطء القضاء في اصدار أحكامه ضد الارهاب الصدامي والتكفيري وانعدام الرقابة على سير عمله لحد الآن، ثم تمثلت بهذه المحاكمة المسرحية –اللا معقولة!- لصدام وأعوانه والتي خرجت من ارادة العراقيين ومن الاطار المعقول للمبادئ التي نريد تطبيقها. المهم أن استقلال القضاء لا يعني في الغرب الديمقراطي ولا في تراثنا أن نترك القاضي يفعل ما يشاء. وان مصلحتنا الوطنية تفرض علينا التحرك لتعديل هذا المسار الخاطئ قبل أن يستفحل. فقد آن الأوان لأن نتخلص من آثار الفوضى القضائية التي تعم العراق هذه الأيام...

4- حقوق الانسان والقانون الدولي:
في كل بلدان العالم لا تمثل حقوق الانسان بالمعنى القانوني الا مبادئ عامة أو قيم تلهم المشرعين، فهي ليست قواعد قانونية تفرضها السلطة العامة وقوى أمنها، والدليل على ذلك، أن الدول الموقعة على اعلان حقوق الانسان العالمي لعام 1948، رغم اعلانها الالتزام به، لم تطبقه الا بشكل جزئي وفي مواضيع معينة دون آخرى. وطالما استخدمت هذه المبادئ في الصراعات السياسية وبشكل واضح طيلة العقود الماضية. الا أن الكثير من مثقفينا ولأسباب سياسية أو متعلقة بالطموحات الشخصية والفكرية تراهم يروجون لقيم كونية ويطرحوها كقواعد قانونية مفروضة دولياً. وهنا يكمن مصدر تضليل آخر لأن القانون الدولي لا يشكل قانوناً داخلياً مفروضاً على الدول، كما أراد المحامي القطري نجيب النعيمي التلويح به متناسياً طرد دولته للآلاف من القطريين على الحدود بدون أي ردع قانوني من أية جهة. بل ان الدول تطبق مبادئ وما يسمى بقواعد القانون الدولي حسب ما تراه مناسباً لها. ويكفي للدلالة على ذلك النظر في وقائع العقود الأخيرة من حروب والغاء اتفاقيات وقرارات مجلس أمن نسينا حتى أرقامها بخصوص فلسطين والأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، الى مشاكل أخرى في الشرق الأوسط وبقية مناطق العالم.
وفي العراق، لا أعرف مبرراً قانونياً يمكن أن يفرض على العراق أن يستقبل رمزي كلارك والنعيمي في هذه المحكمة وبشكل مفاجئ وطائرة خاصة كما يبدو!! أو أن تجري محاكمة لجرائم صدام تتضمن "محاكمة" الضحايا، اذ يطالبهم المتهمون ومحاموهم بتعريف هويات جلاديهم وتعيين مساحات مزارعهم التي جرّفها أزلام صدام والا فانهم يتهمون من قبل الجلادين ومحاميهم بتضليل العدالة والانتقاص من "سمعة" الرئيس المخلوع. وقد تمادى صدام نفسه بطلب لون الشعر ومواصفات أخرى دون ردع القاضي له، ثم قام عدة مرات بالقاء محاضرات طويلة ومملة عن احترام القضاء وتقديره الشخصي واحترامه للعراقيين، أيام كان رئيساً!! اضافة لذلك، سمح رئيس المحكة لأجانب، رضعوا من أموال العراق المنهوبة أيام صدام، بمهاجمة المحكمة ومهاجمة الشرعية التي تقوم عليها مؤسسات العراق اليوم، متباكين على الشرعة الدولية، كل ذلك أثناء محاكمة صدام!
اذن كفانا شعوراً بالنقص أمام هذه المصطلحات والأدعياء اللذين يروجون لها بشكل محسوب لاحراج الناس والتعالي عليهم. يجب علينا بكل بساطة أن نتفهم هذه المبادئ والحقوق بشكل واقعي ونحاول تطبيقها بشكل تدريجي ومعقول، وأن نرمي بهؤلاء الأدعياء من الصداميين والمشبوهين الى مزبلة التاريخ. أما أنصاف المثقفين من المضللين فيكفي لادانتهم أنهم يتكلمون عن "ضرورة" تطبيق الشرعة الدولية وحقوق الانسان في العراق وهم ضيوف على شاشات التلفزيون التابعة لدول لا تعرف ماذا تعني هذه المصطلحات، أو على الأقل لا يمكن مقارنة أضاعها بواقع الحريات والمبادئ القانونية التي يعرفها عراق اليوم، رغم ظروفه الدموية.

5- ما المطلوب؟
المطلوب تخليص محاكمة صدام من السيطرة الأمريكية عليها. فالادارة الأمريكية لها حساباتها مع الرأي العام الأمريكي والغربي ومعارضة الحزب الديمقراطي والدول الغربية والرأي العام فيها ومع منظمة الأمم المتحدة. وكل هذه الحسابات تخصها هي، والعراق لديه أيضاً حساباته فهو يريد محاكمة عادلة لصدام التكريتي وزمرته، يريد أن يتعرف العالم أجمع على عمق مأساة الطغيان الصدامي والجروح الأليمة التي أورثها في جسد العراق المثخن بالجراح. ولكن هذه المحاكمة المتوازنة ستكون حقيقية لا مسرحية يلعب فيها المتهمون لعبة القطة والفأر مع قاض فاقد لأبسط قواعد السيطرة على ما يجري في قاعة المحكمة، لتتحول المحاكمة الى مهزلة على حساب الجراح والدماء والمعاناة لشعب عانى ولا زال من جرائم هذا الطاغية المجرم وأعوانه القتلة.
أولاً: يجب علينا العمل على اعادة ترتيب هذه المحكمة في هيئتها الحالية، وتشكيل هيئة قضاة ونيابة جديدة من قضاة جديرين بهذه المهمة التأريخية. ولنذكر بأن الواجب الأول لهذه المحكمة يتعلق باجراء العدالة، والمبدأ هنا هو أن تكون المحكمة مفتوحة فقط للجمهور دون نقل مباشر أو مسجل، ولكن اذا اخترنا اطلاع الرأي العام عليها فسيضاف عندها البعد الاعلامي وما يتضمنه من دعاية ودعاية مضادة كمهمة أخرى لهذه المحكمة مع الأبعاد السياسية لكل ذلك. لذلك لا ينبغي أن نتصدى لمهمة ليس لدينا امكانية تنفيذها بصورة جيدة. ولنتذكر الحديث الشريف: رحم الله امرء عرف قدر نفسه. اذ لا داعي لتكليف انفسنا بما لا طاقة لنا به، والا فالطموح الزائد سيؤدي الى عكس المطلوب.
ثانياً: يجب على قياديينا العمل على اعداد وتحضير مسودة لتعديل الدستور ليكون هذا الدستور معبراً أيضاً عن الواقع القضائي العراقي لحين تهيئته واعداد الكوادر الكافية له.
المهم اذن، أن يستوعب المسؤولون والسياسيون والمختصون العراقيون مسؤولياتهم التاريخية ويأخذوا المبادرة لتثبيت أسس العدالة بتعديل الدستور وتعديل القوانين بما يضمن تشكيل محكمة نزيهة حازمة تتماشى مع واقعنا الذي لا زال انتقالياً حتى مع الدستور الجديد. وأن تعبر هذه المحكمة أيضاً عن تراثنا وتجاربنا القضائية وتباري القضاء العالمي في النزاهة والشفافية.

د. محمد سعيد الشكرجي باحث أكاديمي – باريس
[email protected]