الحُقرة برفع الحاء وتسكين القاف ونطقها كالجيم اليمنية، كلمة ذات دلالة اجتماعية وسياسية بليغة في اللهجة الجزائرية الدارجة، تتضمن احتجاجا شعبيا صارخا على السياسات المنحرفة والظالمة التي تنتهجها السلطات في التعامل مع عامة الناس، والتي أنتجت ملايين العاطلين عن العمل وآلاف العائلات التي تسكن مدن الصفيح المحيطة بالمدن الكبرى ومئات الناقمين على الدولة من الذين اختاروا التطرف والإرهاب وسيلة للتعبير عن شعورهم بالاحتقان والغضب ورفض الواقع الأليم.
و الحقرة الجزائرية هذه، تصدق في تقييم الكثير من الوقائع والمشاهد العربية الأليمة، ومنها أنني بحثت مثلا عن توصيف للعلاقة القائمة بين النظام التونسي ونخب المثقفين والمعارضين السياسيين، فلم أجد أفضل ولا أبلغ ولا أوقع أثرا من اللفظ الجزائري، ذلك أن "الحقرة" هي جواب الحاكم التونسي المستديم على كافة الأسئلة أو المبادرات التي يتجشم بعض الآملين أو الواهمين أعباء بلورتها، وهي الممارسة التي ترى أجهزة السلطة العتيدة أنها أفضل وسيلة للتعامل مع كمشة من ناكري المعروف والجميل، وجماعات الخونة والمتطرفين.
كلمة "الحقرة" مشتقة أساسا من كلمة "احتقار" الفصيحة، غير أنها اصطلاحا صيغة مبالغة لها، ومن أبشع صور الحقرة أن لا تعير بالا لما يقوله أو يبادر به أو يقترحه عليك مخاطبك، حتى أنك لا تكلف نفسك عناء التأكيد على أنه قد بلغك قوله أو نص مبادراته واقتراحته، فهذا المخاطب "المحقور" أو "المحتقر" من لدنك، يوهم نفسه أهمية لا تزكيها قوة أويقنع ذاته بصداقة ليس أهلا لها، بل إن طلبه الرحمة لخاصيته أو أقربائه أو عشيرته جرم عظيم يستحق لأجله مزيدا من التوضيع والتحقير والازدراء.
إن المعارضة التونسية هي اليوم ثلاثة أصناف مختلفة، صورية وعلمانية وإسلامية، وجميعها تعامل من قبل نظام الحكم بطريقة "الحقرة" ذاتها، فالمعارضة الصورية التي تعبر عنها مجموعة من الأحزاب الصغيرة المرخص لها "محتقرة" لأنها تعيش على فتات السلطان منذ تأسيسها، ترضى بما يجود به عليها من مقاعد محجوزة مسبقا تمثل هامش الدائرة في البرلمان والمجالس المحلية، تماما كما يرضى زعماؤها بنسب مخزية في انتخابات الرئاسة، تقل في مستواها عن عدد أفراد العشيرة والعائلة.
والمعارضة العلمانية على اختلاف أطيافها، يسارية وليبرالية وقومية، محتقرة أيضا، فهي في نظر أصحاب الشأن التونسي، مجموعة مهووسين ومتنطعين تحركهم أياد خارجية ومخططات شخصية ومصالح دونية، وهي أيضا جماعات قليلة العدد فاقدة للمصداقية الشعبية وللشرعية التاريخية، كما هي معادية للهوية الوطنية، يصلح بالأجهزة الأمنية أن تتعامل معها بالطريقة المرضية، التي تحرص دوما على أن لا تمنحها فرص الحديث مع السادة المسؤولين بندية، ولا شرف الظهور أمام عدسات التلفزيونات الخارجية.
أما المعارضة الإسلامية، فدليل احتقارها كامن في اتهامها الدائم بالتطرف والإرهاب والظلامية ومعاداة الحداثة والديمقراطية والسامية، واستباحة حريات وأعراض ووظائف أعضائها ضمن أطر وصيغ ومقاربات قانونية، وتوزيع قادتها وزعمائها وناشطيها على السجون والمنافي وجمعهم لغة وسياسة وقضاء مع سفلة المجتمع ومجرميه وأصحاب السوابق العدلية.
ومن مظاهر الحقرة التونسية، عدم اهتمام أهل الحكم باللقاءات الإعلامية والندوات الصحفية، وعدم الاعتراف بوجود مشاكل أو أزمات سياسية، وتصوير الواقع باستمرار بطريقة عبقرية ومثالية، وتكليف موظفين من الدرجة الخامسة بالرد على اتهامات المغرضين الذين يتمكنون أحيانا من مخادعة وسائل الإعلام العربية والدولية، وابتعاث محامين فاشلين للمشاركة في البرامج التلفزيونية الحوارية.
والمعارضون في نظر السلطات التونسية لا يمكن أن تكون دوافعهم وطنية أبدا، فهم في نظرها مجموعة "سراق" و"حرامية"، حيث أثبتت للعامة في أكثر من مناسبة صدقية هذه النظرة، ومن ذلك أنها كشفت للرأي العام على حين غرة أن اسماعيل السحباني الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل أعرق المنظمات النقابية العربية والافريقية لصا كبيرا بعد أن كان طيلة سنوات حليفا عتيدا، فيما أظهرت بعد أشهر قليلة عبد الرحمن التليلي رئيس أحد أحزاب المعارضة الشكلية والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، زعيما لعصابة مافيوية بعد سنوات قضاها في خدمة الأعتاب السنية.
وقبل فضح هذين الشخصيتين، قامت الأجهزة الأمنية وبعض الصحف المستقلة جدا، بتصوير زعيمين سياسيين من التيار الإسلامي بمثابة شاذين جنسيا وزيري نساء، فيما صورت لاحقا بعض المعارضين اليساريين ك"بلطجية" يعبثون بالممتلكات العامة والخاصة ويعتدون وهم سكارى على موظفين عموميين ورجال أمن فاضلين، فيستحقون لذلك الإهانة والاعتقال و"الربطية".
أما محمد عبو المحامي الذي أدخل السجن قبل أسابيع بعد مقال نشره حول دعوة شارون زيارة البلاد التونسية، فليس في حقيقة أمره مثلما صرح بذلك مقربون من السطات التونسية، إلا شخصية عدوانية متخلفة لا تترد في احتقار النساء والاعتداء عليهن أمام الملأ بجرهن من شعورهن وضربهن مبرحا أمام أعين الحاضرين والهيئات شبه الرسمية.
وقبل عبو ظهر محمد مواعدة في السجلات التونسية الرسمية، و كان حينها عضوا في البرلمان وقائدا لأكبر حزب معارض معترف به، عميلا لاستخبارات أجنبية وحائزا على مبالغ من العملة الصعبة بطريقة غير شرعية، مثلما ظهرت الكاتبة والسياسية المعارضة المعروفة نزيهة رجيبة المعروفة بمختصر إسمها "أم زياد" مهربة لعملات أجنبية، تستحق غرامة مالية وعقوبة حبسية.
وخلاصة القول، أن المعارضين في عيون أهل الحكم من التونسيين ليسوا في حقيقة الأمر والواقع إلا لصوصا سفلة وتجار عملة صعبة في السوق السوداء وشاذين جنسيا ومنحلين أخلاقيا وعملاء أجهزة استخباراتية أجنبية، وبالتالي فإن أفضل سبل التعاطي معهم احتقارهم حتى النخاع والحيلولة بينهم وبين المجتمع ما أمكن، بالنظر إلى كونهم يشكلون خطرا أخلاقيا عليه، قبل أن يشكلوا خطرا سياسيا، فإذا ما اضطرت الأجهزة الأمنية الفاضلة إلى مواجهتهم، فإن إطار ذلك الحق العام، لا تمكينهم من الصفة السياسية.
إن ثمة من السياسيين والإعلاميين التونسيين من يجتهد هذه الأيام، لتقديم مبادرة سياسية تتطلع إلى تحقيق حالة من التفاعل الايجابي بين النظام والمعارضة، من شأنها أن تعالج أزمات سياسية خانقة وتطوي ملفات إنسانية عاجلة تتعلق بمئات من سجناء الرأي قضوا زهرة شبابهم وراء القضبان في العتمة، غير أن البين أن هؤلاء قد نسوا أو غفلوا عن تبين حقيقتهم لدى السلطان، تلك التي تثبت أنهم ليسوا استثناء من القاعدة ولن يكونوا كذلك، وأن الحقرة كانت مآلهم في الماضي القريب والحاضر القائم والمستقبل المنظور.
ولعل من مفارقات الحقرة التونسية السلطانية، كراهية أهل الحكم التونسي خطاب الكلمة الطيبة المادحة، فالمداحون لدى الأجهزة النافذة أجدر بالازدراء والإهانة، خصوصا إذا ما كانت لهم سابقة في ذم أو معارضة، والمعتصمون بالوسطية السياسية والخطوط السوية المعتدلة أكثر خطورة وأجدر بالمواجهة من أصحاب التوجهات المتعصبة والمتطرفة، من الذين يسهل إقامة الحجج الداخلية والخارجية عليهم.
إن الحقرة إذ تخيم بوطأة لا نظير لها على الحياة السياسية التونسية، فإن من شأنها أن تقضي على آمال الآملين أو الواهمين أن بمقدورهم تحريك الجامد وتغيير الحكم بمجرد كلمات جميلة ونصوص رومانسية حالمة، تماما كما من شأنها أن تذكر كافة المعنيين بالمبادرات الخيرة، أن العملية السياسية محكومة بعناصر الضعف والقوة، وأن القوي لا يمكن أن ينصت إلا لجلجلة من هو أقوى، وأن المستقر عادة ما يتصور أن استقراره ماهية ثابتة وليس سنة تاريخية متقلبة، ويغفل عن أن من يحتقر (بكسر القاف)، لابد وأن يحتقر (بفتحها) يوما ما حسب ما تقول به سنن التاريخ والطبيعة، طبعا إذا لم يتدارك أمره ويقرر خاتمة مختلفة.

مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي – لاهاي.