تعيد المظاهرات في إيران إلى الأذهان ما شهدته شخصياً في تونس عندما كنت أخدم هناك سفيراً للولايات المتحدة في بداية "الربيع العربي". ورغم أن مسيرتي الحكومية الممتدة لـ 35 عاماً حفلت بالعديد من اللحظات التي لا تُنسى، إلا أن يوم 14 يناير 2011 يظل التاريخ الأبرز؛ ففي ذلك اليوم، أجبرت المظاهرات التي عمت أرجاء البلاد الزعيم الاستبدادي التونسي، الذي حكم طويلاً، على الهروب إلى منفى دائم. واليوم، وبعد مرور خمسة عشر عاماً، لا أزال أشعر بالإلهام إزاء الشجاعة التي أظهرها الشعب التونسي.
إن الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، حيث يخرج مواطنون بنفس القدر من الشجاعة إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم، تحمل أوجه شبه صارخة بتلك الأحداث. فالقضايا الاقتصادية - مثل الفساد، وسوء الإدارة الاقتصادية، والتضخم، والبطالة - تشكل دافعاً رئيسياً للاحتجاجات في إيران اليوم، تماماً كما كانت الحال في تونس.
لكنني أتذكر أيضاً ما سمعته من منشق سابق عن نظام بن علي، والذي أصبح وزيراً في حكومة الوحدة الوطنية التونسية بعد أيام من انهيار "النظام القديم". لقد لاحظ حينها قائلاً: "الفقر والبطالة موجودان في كل مكان.. لقد حدث هذا (الانهيار) بسبب غياب الحوار وفقدان الكرامة". وتظل كلماته تلك هي التفسير الأكثر وضوحاً لانتفاضات الربيع العربي التي تلت ذلك.
لقد سلط هروب بن علي الضوء على تلك "الهشاشة" التي تشترك فيها الأنظمة الاستبدادية، وشجع المواطنين العرب على الاحتجاج ضد سنوات من الحكم السلطوي. فقد ذهب الرجل القوي في مصر، حسني مبارك، إلى منفاه الداخلي في 11 فبراير 2011؛ وقُتل الزعيم الليبي غريب الأطوار معمر القذافي وهو يحتمي داخل أنبوب للصرف في 20 أكتوبر 2011؛ وتنحى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في 27 فبراير 2012.
وهكذا، في غضون ما يزيد قليلاً عن عام، أُجبر أربعة قادة - كان الكثيرون (بمن فيهم هم أنفسهم) يعتقدون أنهم رؤساء مدى الحياة - على ترك مناصبهم. لقد قادوا بلدانهم بقبضة من حديد لفترة إجمالية بلغت 127 عاماً. ويرتفع هذا الرقم إلى 151 عاماً إذا أضفنا سوريا وبشار الأسد، الذي كان آخر دكتاتور عربي يسقط عندما سيطرت جماعة "هيئة تحرير الشام" المتمردة على دمشق في 8 ديسمبر 2024، عقب حرب أهلية استمرت قرابة أربعة عشر عاماً وأودت بحياة مئات الآلاف.
إن موجة الاحتجاجات التي تجتاح إيران اليوم هي خامس انتفاضة كبرى تشهدها البلاد منذ عام 2009. لقد نجا النظام الإيراني حتى الآن، لذا فإن السؤال البديهي هو: هل ستؤدي الظروف نفسها التي قادت إلى الإطاحة بالطغاة في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وأخيراً سوريا، إلى النتيجة ذاتها في إيران؟
إن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاغتراب الواسع النطاق هما سمتان تشترك فيهما إيران اليوم مع دول الربيع العربي. وهناك تشابه ثالث يتمثل في غياب "الراعي القوي" الذي قد يهب لنجدة النظام الديني؛ تماماً كما أبلغت إدارة أوباما مبارك بأن الوقت قد حان للتنحي، وكما لم تحرك موسكو ولا طهران ساكناً لدعم الأسد عندما بدأت "هيئة تحرير الشام" هجومها الناجح. بل إن العكس هو الصحيح: فبينما تواصل المؤسسة الأمنية الإيرانية قتل المتظاهرين، يتعين عليها أن تأخذ في الحسبان التهديدات العسكرية الأميركية الصريحة (فضلاً عن التهديدات الإسرائيلية الضمنية).
يبقى ولاء القوات الأمنية للنظام هو الفارق الجوهري الوحيد الذي أراه بين إيران اليوم وانتفاضات الربيع العربي. ففي تونس، رفض الجيش إطلاق النار على المتظاهرين، وفي مصر أجبرت القيادة العسكرية مبارك على الرحيل. وكان الجيش الليبي مفتتاً للغاية ومعتمداً بشكل كبير على المجندين الأجانب، مما حال دون إنقاذه للقذافي ونظامه.
في المقابل، لا يزال الحرس الثوري الإيراني وقوات "الباسيج" شبه العسكرية ثابتين في دعمهم للنظام الإيراني. وإلى أن يتبخر هذا الدعم – كما حدث في سوريا عام 2024 وفي إيران نفسها عام 1979 – فإن النظام الحالي سيبقى صامداً.
ومع ذلك، فإن "البقاء" يختلف عن "النجاح". فما لم يعالج النظام الإيراني الأسباب الجذرية للاضطرابات الحالية – وهو ما لم يكن راغباً ولا قادراً على فعله حتى الآن – فإن زواله أمر حتمي. وكما لاحظ مارك توين: "التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه كثيراً ما يسير على نفس القافية".
* تنشر إيلاف المقال بالاتفاق مع الكاتب، عن مجلة "ذا ناشيونال إنترست" (The National Interest): المصدر
