الدراويشُ الأوائل في نسختهم الصوفية الأولى، الأوروجينال المبكرة، كانوا بشرًا فقراء، ومنهم من كان فقره اختياريًا، وكان سلوكهم السياحةَ والسباحةَ في بحور وتجليات قيم سامية عليا. ليس لهم هدف دنيوي ولا سياسي، وبالمناسبة هم تواجدوا في كل العقائد والحضارات على مرّ العصور، وكان لهم تأثيرهم في مجتمعاتهم. وأهم ما كان يميّز فلسفة مجتمعاتهم هو الصبر، والصفاء النفسي، والسلام، والتعفف، والتصالح مع النفس، والتعايش مع الغير، واحترام التنوع والاختلاف، بغضّ النظر عن بعض شطحات فلسفية لبعضهم مختلف على تفسيرها حتى اليوم. ولم يكتفِ هؤلاء بهذه المظاهر الدلالية، بل أعملوا العقل ووقّروه باعتباره هبةً إلهيةً يتوجب استخدامها في ما خُلقت من أجله، وهو تدبير شؤون الكوكب الذي نعيش عليه. وبسبب صفائهم الفكري أنتجوا علمًا وابتكارًا وفلسفةً وفنونًا، كلٌّ طبقًا لما سمحت له بيئته وزمانه. ولم يكونوا عالةً على مجتمعاتهم، بل تركوا بصمةً غائرةً في ضمير كل الحضارات والثقافات الإنسانية. هؤلاء هم الصوفيون الأوائل كأفراد، وتلك كانت نسختهم الأولى البِكر التي انقرضت بفعل فاعل خبيث.
تلا ذلك مرحلةٌ جديدة، حيث تحورت هذه النسخة من المفهوم الصوفي البريء، وتحولت إلى مرحلة ذات أهداف أخرى: سياسة، وسيطرة، وحكم، وفرز، وتمييز، وقهر. وبدأت موجة منظمة كاسحة بتمويل هادر من ثروات قدرية انفجرت في صحارى نجد والحجاز، وهي مرحلة تديين، أو دروشة، المجتمعات بمفهوم جديد، وهو إضافة بعض السلوكيات والمظاهر وصبغها بصبغة دينية شعبية، مقصود منها إعلان السيادة والسيطرة الجغرافية. ثم تلتها مرحلة دروشة الأنظمة بإضافة مظاهر ونصوص وتشريعات ذات مرجعية دينية. ثم تمدد نفوذ الدراويش الجدد بدءًا من إمبراطورية الخميني في إيران، واجتياح كل شمال أفريقيا والسودان وأجزاء مؤثرة في شرق أفريقيا، بالإضافة إلى مناطق في شرق آسيا ومناطق في القوقاز.
كما تمددت معه كيانات اقتصادية ضخمة برعاية تنظيم دولي امتد إلى قلب أوروبا، مستغلًا سياسات هجرة ساذجة، ومتحالفًا مع يسار مريض. ونشأت غيتوهات مغلقة من المهاجرين المؤدلجين في معظم عواصم ومدن أوروبا، في بلجيكا وهولندا وفرنسا والنمسا وإيطاليا ولندن، بالإضافة إلى جمعيات ومراكز مهمتها تنظيم وتمويل خطة دروشة الكوكب كله، وتصدير وهم قيام دولة الخلافة وتحرير الأندلس. وأغرقوا العوام في غيبيات ساذجة عقيمة، ونشروا الكراهية والعنصرية في كل أرجاء الكوكب. وكنتيجة حتمية سالت نوافير الدماء في لندن وباريس وبروكسل ونيويورك وغيرها.
وتمدد نشاط حماس وحزب الله بالتحرش بإسرائيل وأميركا، وكان السابع من تشرين الأول (أكتوبر) تاريخًا سيظل يؤرَّخ به قبل وبعد. فقد أفاق العالم على واقع جديد، وتم تدمير الجمهورية الإسلامية، وتم محو غزة وتسويتها بالأرض، وتم اصطياد قيادات حزب الله في غرف نومهم. وتوحشت إسرائيل بعلومها وتقنياتها واقتصادها، وغرق الدراويش الجدد في الاحتراب والفقر والانقسام، وأُجبر أغنياؤهم قسرًا على دفع الجزيات وهم صاغرون. وأصبح الكوكب كله يدفع ثمن مغامرات ومحاولات فاشية لتدوير عجلة التاريخ في عكس اتجاه عقارب الساعة، ومحاولات جرّ البشرية إلى عصور الدروشة المظلمة التي تجاوزها العالم المتحضر، واكتشف زيفها وخطورتها على البشرية منذ قرون طويلة.

