أزاح نمساوي الغبار عن طاخونته القديمة ليصادق البيئة بانتاج دقيق حيوي.


صلاح سليمان من ميونيخ: ارتبطت الطاحونة بالذاكرة منذ مهد الصبا الأول في المطالعات الأولية لقصص الأطفال الخيالية التي تمتلئ بالحكايات والأساطير والتى كان جزء كبير منها يدور حول حكايات تكون الطاحونة طرفاً فيه، فقد رسخ في ذهن الأطفال أن الطواحين القديمة المهجورة في الغابات هي مساكن للعفاريت والأشباح

الطحان مولر يعرض لايلاف نتاج طاحونته

إيلاف زارت إحدى تلك الطواحين القديمة التي تقع على مشارف غابة كثيفة الأشجارفي جنوب النمسا إنها طاحونة العم مولر اوطاحونة quot; رورموسمولرquot; الأسم التاريخي لها، تقع الطاحونة في حضن جبال الألب في قرية زيهام النائية بالقرب من مدينة سالزبورج الشهيرة في جنوب النمسا، كان العم مولريبدو في صحة جيدة وهو يستقبلنا.. فقد جاوز الخامسة والثمانين من العمر ولازال يتحرك بخفة ورشاقة،علي الفور راح يتحدث حديث العاشق عن الطاحونة التي أصبحت جزء لا يتجزء من حياته يقول: ان الطاحونة هي جزء من تاريخ جنوب النمسا فهي ترجع الي عام 1835 حيث بناها أجداده الأوائل وظلت الأجيال تتوارثها حتي آلت اليه وهو لم يبرحها منذ طفولته حتي الأن.

مقبرة الشياطين

يأخذنا العم مولرالي نظرة عامة حول الطاحونة قبل التعرف عليها من الداخل، تبدو بانوراما المكان في الخارج شديدة السحر والخيال فالطاحونة تقع علي مشارف غابة وارفة الأشجار،أطلق عليها سكان المنطقة منذ القدم إسما اسطوريا هو quot; مقبرة الشياطين quot; إستوحي من إسطورة قديمة كانت تقول أن الشياطين تبكي في الليل في تلك الغابة غير أن هذا البكاء لم يكن إلا صوت جداول الماء التي تنساب بين الصخور وتتداخل اصواتها المختلفة حتي يخال للمرء ان اصوات بكاء تنبعث من أركان المكان، سحر المكان يتداخل مع اسطورة الزمان حتي أن الفرد يكاد أن يشعر بأنه يسبح في عالم من الخيال داخل قصة ملونة من قصص الأطفال الجميلة.

نمر بين خليط من انحدارات مائية ونباتات و أشجار وصخورمختلفة الألوان والأشكال حتي نصل الي شلال المياه الذي تنساب منه المياه لتصب في قناة متجهة الي الطاحونة، المياه تتلون بلون بني وهو أمر غير معتاد في تلك الأماكن لكن العم مولر يقول انها إكتسبته من طبيعة الصخور الرملية التي تنساب من بينها، سكون وصمت جميل يلفان المكان، لاتسمع شئ هنا الا صوت بكاء الشياطين او صوت المياه وهي تنساب من الجداول والشلالات.

جولة داخل الطاحونة

تبدو الطاحونة من الداخل كمتحف مفتوح فقد تزينت الجدران بصور العائلة التي توالت علي امتلاكها عبر سنوات واحقاب ممتدة، كما احتلت جوانبها تذكارات من العصور القديمة التي كانت الطاحونة شاهدة عليها، لقد استطاع العم مولر بمقدرة فائقة علي تحويل الطاحونة الي عنصر يجذب السياح للمنطقة خاصة اطفال المدارس اللذين يصلون في رحلات مستمرة لا تتوقف لرؤية الطاحونة القديمة يقول العم مولر أن هذا النوع من الطواحين المائية كان ساد العالم في القرون الماضية ويضيف بأنه في عام 1792 كانت تلك المنطقة الجنوبية من النمسا وشمال ألمانيا بها أكثر من 49 طاحونة تقوم بخدمة القرى في المنطقة.

ظلت الطاحونة تعمل حتي عام 1953 وبعدها توقف العمل بها تماما واصبحت مهجورة إلا أن بلدية سالزبورج قد اعادت لها الإعتبار عندما اعتبرتها معلماً تاريخياً من معالم المدينة،عندئذ قامت بترميمها وذلك في عام 1981 واستمر الترميم حتي عام 1983، ويستطرد قائلاً اننا قمنا بتحديثها وتجهيزها للعمل من جديد واستغرق التجهيز ما بين عام 1989 الي عام 2001 ومنذ ذلك التاريخ ونحن نعمل لطحن الغلال والشعير الذي يدخل في نطاق المنتجات ال BIO فقط اى النقية والخالية من الملوثات الزراعية كالأسمدة والكيماويات.

ميكانيكية الطاحونة القديمة

فكرة عمل الطاحونة كانت تقوم في الأساس على مبدأ ميكانيكى شائع في ذلك الزمن المتأخر حيث يندفع الماء الي داخل الطاحونة قادماً من المنحدرات العليا فيقوم بإدارة رحي تقليدية يعلوها مخزن الحبوب وبالتالي يتم ادارة الرحي العلوية بقوة دفع الرحي السفلية فتتم عملية الطحن وتتحول الغلال الي دقيق.

يأخذنا العم مولر الي الطابق العلوي من الطاحونة حيث كل شئ مجهز بشكل دقيق والنظافة تسود المكان، نري عينة من ذلك الطحين ونشاهد الأجولة المعلقة في السقف لاستقبال الطحين،كل شئ في الطاحونة مجهز أو مصنوع من الخشب إنك تشعر بادبيات الطبيعة الجميلة فتود ألا تفارق المكان، كل شئ هنا لايتم بمعزل عن الطبيعة بل هو مستوحي منها،الرحي والخشب والمياه والنباتات والغلال كل شئ هنا هو نقي وطبيعي وبعيد عن اي تلوث.

شيد العم مولر بيتا ملحقا بالطاحونة، ومطعماً كبيراً يقدم فيه للزوار اصناف من الطعام والخبز الشهي واصبح تناول شيئاً من الطعام الطبيعي بعد الإنتهاء من الجولة أمر مكمل للجولة.ففي الزمن القديم كان الفلاحون والرعاة يهرعون في الأراضي المجاورة ممن يشعرون بالجوع إلى الطاحونة تاركين أعمالهم وقطعانهم بمجرد رؤية الدخان يتصاعد من المدخنة الموجودة في الطاحونة وكانو يتناولون الخبز الطازج مع بعض الوجبات التي كانت تباع مع الخبز.

عمل الطاحونة في الزمن القديم كان يستمر لأيام و ليال حيث يتوافد الفلاحون من سائر القرى المحيطة صباحا على دوابهم لطحن حبوبهم وكان منهم من ينتظر دوره لأيام متتالية فيقضون نهاراتهم بالتعارف والجلوس إلى بعضهم البعض وكان كثيرون ينامون بين أكياس حبوبهم أو في أركان الغابة الجميلة في وقت الصيف، فالشجر كثيف والظلال تعم المكان.

العرب يعرفون الطاحونة المائية قبل غيرهم من الشعوب
هذا النوع من الطواحين لم يتوقف علي تلك المنطقة فقط فقد تبيّن تاريخياً أن منطقة حوض البحر المتوسط قد شهدت استخدام الطاحونة المائية في القرن الأول قبل الميلاد، وكان هناك نوعان من هذه الطواحين. ولا يزال النوع الأول قيد التشغيل حتى يومنا هذا في كل من إسكندنافيا والبلقان وبلدان الشرق الأدنى. وفيها يتم تركيب العجلة المائية أفقياً في أسفل الطاحونة بحيث يدور الطرف السفلي لمحورها الرأسي المصنوع من الحديد، داخل محمل من الحجارة الثقيلة. ويمر الطرف العلوي للمحور عبر فتحة في حجر الرحى السفلي ويتصل مباشرة بحجر الرحى العلوي، وبذلك تحتاج الي تروس لنقل الحركة. وتكون سرعة دوران حجر الرحى مماثلة لسرعة دوران العجلة المائية، حيث تدار الأخيرة بفعل الماء الهابط من علوّ من مجرى مياه جارية باستمرار.وهو الامر الذي اعطي فكرة توليد الكهرباء الحديثة.

يشهد للحضارة الإسلامية براعتها في استخدام الطواحين المائية التي تدار بقوة دفع المياه، وتذكر كتب التاريخ في هذا السياق ابتكارات أبي القاسم بن عبد الغني الأسفوني، الذي عاش في الفترة (649-574هـ/1251-1178م). وقد صنع الأسفوني على نهر العاصي في حماه طاحونة، وعلى حجر من أحجارها نقش صورة أسد بارز القسمات، وحجز المياه بحواجز، كي يرشد أصحاب الطواحين إلى إيقاف طواحينهم في حالة فيضان النهر، وتدويرها في حالة نقصه. فعندما تغمر مياه نهر العاصي في وقت الفيضان صورة الأسد، يجب إيقاف الطواحين، وعندما تنحسر المياه عن صورة الأسد، يمكن للطواحين أن تدور. وموضع طاحونة الأسفوني الآن، هو طاحونة الغزالة على نهر العاصي وسط مدينة حماه، وقد انطمست الآن صورة الأسد لكنها مازالت شاهدة علي نهضة وابتكارات الطاحونة عند العرب كما هي عند الآوروبيين.