الطفل يمر بمراحل مختلفة من التطور
الصحة النفسية للطفل العراقي: واقع وتأثيرات
د. مزاحم مبارك مال الله: يمر الطفل بمراحل مختلفة من التطور، فهي تبدو بطيئة في البدء، ولكن سرعان ما تتسارعمع تقدم الأيام، وهذا ناتج عن التراكم المعرفي اللاواعي في السلوكية العامة له فيبدأ بمرحلة غرائزيًا، وفي مرحلة عاكسًا حركات وكلمات وفي طور آخر مقلّدًا، وفي كل هذه المراحل تتراكم أولويات المعرفة لديه وبالتالي ستكون من ضمن أو جزء من بناء الشخصية عنده، إن كل ذلك ينعكس في بنائه الداخلي. إن المعرفة هي إنعكاس مادي في وعي الإنسان، والتراكم الكمي لهذه المعرفة يؤدي الى التطور النوعي في الذات البشرية، وبالتالي يبدأ هو يؤثر بالمجتمع والطبيعة، ولذلك فالإنسان له خاصية مزدوجة كونه يتأثر ويؤثر بالحياة.
كل انسان منذ نشأته إنما ينشأ وفق معطيات تأثير الظروف التي يعيش فيها، وقد ثبت بما لا يقبل الشك إن الأنسان حينما تجعله يعيش وسط الغابة منذ ولادته، فهو سينشأ بكل سلوكيات وأساليب معيشة الأجواء التي حوله، أي طباع حيوانية ممزوجة بالتأقلم مع الطبيعة النباتية التي تعيش وسطها تلك الحيوانات. وخير دليل على كون بعض الأفعال وردودها هي إنعكاس للتعليم أو المعرفة هو تعلم الكلام، النطق يأتي بالتعليم وليس كالنظر، النظر تؤديه نافذة مطلّة من الدماغ تتحكم بها أيضًا المادة المحيطة، ولكن النطق والسمع هما آلية إنعكاسية لفعل خارجي كونهما أداتان تتفعلان بتأثير خارجي، يعني الطفل الذي لا نعلمه النطق سوف يبقى لا يعرف الكلام، وبالتالي لا يميّز الكلمات ومدلولاتها، أضف الى ذلك أن الطفل ينطق بما تعلمه، فالنظر هو النظر سواء بالهور أو في لندن أو في زامبيا ، ولكن اللغة تختلف هنا، فابن الريف العربي لمّا تأخذه للسويد ويعيش هناك فإنه سيتكلم سويدي .
ملخص ما أريد أن نتفق عليه هو إن الطفل ينشأ وتنشأ معه كل السلبيات والأيجابيات الموضوعية والوضع النفسي له يتأثر بشكل مباشر على سلوكيته العامه وحتى الصحية.
إن الظروف التي يمر بها العراق ظروف غاية في القساوة تطبع بمعطياتها اليومية بصماتها السلبية على كل فرد من أبناء الشعب، فالكثير يتأثر ويعبر عن لحظة الضرر او الحرمان بالصراخ أو بالبكاء والعويل، وتختلف هنا وهناك الحالة الأنفعالية فمنه من يضرب الجدران ومنهم من يمزق ثيابه ومنهم من يشد شعره ومنهم من يهيل التراب على نفسه ...الخ ولكن الطفل ماذا يفعل ؟ إنه مجرد يرقب ويشاهد وينظر المظالم الدائرة حوله وتنعكس في عقله الباطن كصورة مأسوية لحياة مليئة بالسواد والصراخ والموت وأصوات التفجيرات والإنفجارات والدمار والحروب والدماء. إن الطفل العراقي يتأثر باتجاهين، الإتجاه الأول مباشر يعني يرى ويسمع ويشاهد التلفاز أو ما يحصل في الشارع، والإتجاه الثاني إيحائي ـ إنعكاسي أي ناتج عن إنعكاس تأثير العائلة أو الأهل أو من الناس الذين يعيش معهم، وبالتالي فهو ينام ويصحو على صورة معتمة عن الحياة. ولو قارنا الطفل العراقي مع أطفال أخرين يعيشون في دولٍ ومجتمعات ساكنة، وهادئة، ومستقرة، في ظروف تتوفر من خلالها كل حقوق الطفل التعليمية والتربوية لرأينا حجم المأساة التي يعيشها الطفل العراقي وضخامة وجسامة الجريمة التي تُقترف بحق هؤلاء المساكين، فينشأون بمزاج ووضع نفسي قابل للإنحراف في أي لحظة. إن ما يحصل الأن من تهديم للبنيان الأنساني المفترض للطفل العراقي لهَو أكبر وأصعب من أي مرض يواجه العلماء والأطباء .
وقد إمتدت عدة قنوات لتشترك بهذه الكارثة الأنسانية المرعبة وهي :
أولاً ـ الحروب وما حملته من كل النتائج السلبية ، فلا شيء إيجابي بأي حرب مهما كانت صفتها .
ثانيًا ـ المظاهر المسلحة وما ينعكس ذلك على البناء الداخلي في العقل الباطن للطفل .
ثالثًاـ صور الدماء والذبح والقتل، سواء مباشر أو غير مباشر.
رابعًاـ التهجير القسري وما تبعه من فقدان أواصر ووشائج الزمالة والصداقة ، فالأطفال تجمعهم أساسيات اللعب واللهو والبراءة .
خامسًا ـ فقدان الجذور التي راح يمدها الطفل كذكرياته بهذا الزقاق أو في هذا البيت أو تلك المدرسة، وهنا حصل الأنكسار ، حصل القطع غير المبرمج لسلسلة العرض الحياتي في فعل الأنسان .
سادسًاـ وما نتج عن كل ذلك من الكبت والحرمان .
وقد تجلت بعض صور هذه الأعراض من خلال :ـ
1.زيادة نسبة الذين يعانون من حالة سلس البول الليلي .
2.ظاهرة النوم القلق لدى الأطفال ليلاً .
3.زيادة واضحة في عدد الأطفال المتلكئين بالكلام ( تاتأه ) .
4.زيادة عدد الأطفال الذين باتوا يشعرون بالخوف من الوحدة لذلك اصبحوا أكثر ملتصقين بآهاليهم .
5.زيادة عدد الأطفال الذين يشكوَن من آلام مختلفة بالبطن .
6.زيادة عدد الأطفال الذين لا يقبلون على تناول الطعام برغبة .
7.زيادة عدد الأطفال الذين يلجئون الى مص أصابعهم أو طقطقة أسنانهم.
8.زيادة عدد الأطفال الذين يستمرون على البكاء بلا سبب واضح .
9.زيادة عدد الطلاب الذين تركوا مقاعد دراستهم الأبتدائية وقسم منهم لجأ للشارع ليبيع قوّة عمله كيفما تكون الصفقة .
10.وهناك حالات فقد الأطفال فيها الأب والأم أو أحدهما وبالتالي سيعيش هذا الطفل وتنشأ معه عقدة الشعور باليتم ، وما لذلك من تأثيرات تربوية وبالتالي نفسية وإجتماعية .
11.وهناك حالات الأنكسار النفسي التي يعيشها هذا الطفل هو شعوره بالغربة عن الحياة حينما يفقد صديقه المقرّب فجأة سواء عن طريق الموت أو بسبب الهجرة .
هذه بعض الجوانب الحقيقية الواقعية التي يعيشها الطفل العراقي .
إن تأثيرات الوضع الأمني على الطفل العراقي قد وصلت الى مراحل متقدمة من التردي ، وبالتالي فأن النتائج ستكون سيّئة ويبقى المجتمع المستقبلي معتمدًا على جهود العوائل العراقية الرصينة في إعادة ترتيب حياة أطفالهم وتمتين بنائهم من الداخل . إن الطفل العراقي اليوم بحاجة الى مصلٍ واقٍ ضد الأمراض الأجتماعية ، فهم مشاريع جاهزة للأنحراف سواء بأنتمائهم الى العصابات المسلحة أو غير المسلحة ، وهم مشاريع جاهزة أيضاً للأدمان على المخدرات والتدخين والكحول وحتى الأنحراف الجنسي .
ليس هذا فحسب ، فقد دخل التجار الى الحلبة ، وأصبحوا يتاجرون من خلال أموالهم بتربية الأطفال ، فلا بد من أن أعرّج على موضوعة أغراق الأسواق المحلية بلعب الأطفال (المسلحة) إن صح التعبير، فأي زائر الى الأسواق العراقية عمومًا والبغدادية تحديدًا يلاحظ الكميات الكبيرة من لعب الأطفال (مسدسات، بنادق، رشاشات ، سيارات عسكرية ، وكل أنواع ما يعكس الأجواء الحربية) ، لمن كل هذا، هل الواقع لم الذي عشناه والذي نعيشه لم يكفِ بحيث أضطررنا الى أستيراد هذه اللعب التي تعمل على حرف مخيلة الطفل النقية وتشوه صور الحياة وتحصرها بل تلغي كل الصور وتبقي على صورة واحدة هي صورة الدماء والمار والموت.
