حوار مع الناقد المصري عصام زكريا:
المتشددون لا يغضبون من الأفلام الهابطة
المهرجانات المصرية في طريقها إلى التجمد
محمد عبد الرحمن من القاهرة: في مدة لا تزيد عن الشهرين نالت أفلام سينمائية طويلة وقصيرة انتقادات حادة من علماء دين بالأزهر الشريف بسبب مشاهد تظهر فيها البطلات بالحجاب رآها المعترضون تسئ للزي الإسلامي الذي لازال يثير الجدل في مصر ما بين مؤيد ومعارض رغم تزايد أعداد الفتيات المحجبات بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ففي الفيلم القصير quot;أسانسيرquot; كان الاعتراض على أن البطلة تخلع الحجاب وهي تكلم شاب في المحمول دون معرفة سابقة، بينما هي محتجزة داخل أسانسير مُعطل في بناية قديمة بالأسكندرية وجاءتها المكالمة عن طريق الخطأ ثم ارتدت الحجاب وأنهت المكاملة بعد وصولها للأرض، أما الفيلم صاحب الأزمة الأعنف فهوquot; ويجاquot; والذي تظهر فيها احدى الممثلات وقد ارتدت quot;الخمارquot; لمقابلة زميلها في الجامعة داخل شقته بالحي الشعبي، وجاء رد مخرج الفيلم خالد يوسف بأن جرائم عديدة ترتكب بأسم الحجاب والنقاب فلماذا الإعتراض، كما أنه أراد التأكيد على النفاق الاجتماعي الذي نعيشه والذي يتسامح مع مخطئين لمجرد ارتدائهم ملابس توحي بالتدين بينما يُطلق الظنون مع من لا يفعلون نفس الشئ. وأمثلة تدخل المؤسسات الدينية في الأعمال الفنية تتكرر كل فترة إلى حد المطالبة بعرض الأفلام على الأزهر، وعلى الكنيسة كما حدث في أزمة فيلم quot;بحب السيماquot; الذي تناول حياة أسرة قبطية.
إيلاف التقت الناقد السينمائي المصري عصام زكريا الذي وقف في صف صناع تلك الأفلام لمزيد من التوضيح حول تلك الأزمات وتأثيرها على حرية الابداع السينمائي خصوصا بعد المخاوف التي انتابت البعض من وصول الأخوان المسلمون بكثافة إلى البرلمان المصري.
bull;كيف ترى الاعتراضات الأخيرة وهل يمكن أن تكون مجرد أزمات عابرة أم تؤثر بشدة في مستقبل الحريات الفنية؟
هذه المواقف نتاج موقف ثقافي وفكري معين يحاول البعض القيام به وخصوصاً المتشددين دينياً الذين يعتقدوا أن السينما حرام وأن الفن يجب اختفاؤه وأن الفنانين فاسقون، وهي أفكار منتشرة من زمان وإن كانت تعرضت للتهذيب، صحيح أن علماء الأزهر ليسوا في تشدد جماعات التفكير والهجرة، وليس الأخوان مثل القاعدة، لكن هذه الأفكار موجودة بشكل يدعو إلى أن يكون الفن مجرد عمل إرشادي وبدون نساء، لأن النساء هم العدو الأول للخطاب الديني، صحيح هناك درجات من التشدد لكن نفس الأفكار موجودة وتظهر في مثل هذه الأفلام، ونلاحظ أن كل وجوه الاعتراض ينصب على المرآة لأنها العفريت الأكبر للمتشددين.
bull;بالفعل أنت أشرت في مقال لك أنه لو كانت الممثلة تقصد السرقة أو القتل وارتدت الخمار لما غضب أحد لكنها ذهبت إلى صديقها في منزله؟
بالضبط، لو افترضنا أن المشهد كان لرجل، وكل يوم في الصحف نسمع عن حوادث بالنقاب، وبعض الأفلام الكوميدية قدمت هذا المشهد، ولم يغضب أحد، إنما الفكرة أنها فتاة وأنها قوية وجرئية وقامت بالذهاب إليه، هذا رغم أن الفيلم به علاقات أخرى بها سلبيات لكن لم يعترض أحد، وهناك نقطة أخرى هنا، هي ان الخطاب الديني الذي ظهر في السنوات الأخيرة، ربط بين الدين والملابس وهذا quot;اختراعquot; من وجهة نظري، اعتبروه أن مقدس في حين أن ملابس مثلاً أزياء ضباط الشرطة والمطافي والأطباء، أي أنه ليس هوية صاحبه، ففي الفن وفي الحياة العملية المسألة مختلفة، فبات من يرتدي هذه الملابس يريد إعطاء انطباع عن نفسه لكن هل هذا الانطباع هو الحقيقي، فما بداخل كل انسان لا يعني تطابقه مع مظهره الخارجي.
bull;هنا يمكننا الربط بين الاعتراض على أفلام quot;ويجاquot; وquot;أسانسيرquot; وquot; بحب السيماquot; وأيضا أي أعمال تتناول شخصيات سياسية لها مريدون؟
بالطبع فالمسألة ليست خاصة فقط بالحجاب الذي بات يطارد الابداع الفني، لكن المجتمع مصاب بحساسية من أئ شئ، بالإضافة إلى أن الصورة المشوهة عن الفن جعلت الناس لا تدرك وظيفة الفن الحقيقية، فهو ليس للارشاد والتوجيه، ليست وظيفة الفن quot;تنميطquot; الأشياء وجعل الخير ينتصر دائماً على الشر، فهذا لا يحدث في الواقع، وإنما المطلوب من الفن أن يجعل الناس تفكر وتتأمل وتفرغ الطاقات المرفوضة بداخلها اجتماعيا وأخلاقيا بشكل جمالي وفني، دون الاعتماد على المباشرة .
وهو ما يخاف منه المجتمع الذي يخاف من quot;الكشفquot; ويؤمن بالستر، أي شئ يسبب القلق يعملون على تغطيته، وتلك السياسة حولت المجتمع إلى مجموعة من المكبوتين، وحتى المهنيين يفكرون كذلك، يغضب المحامون إذا ظهر واحد منهم على الشاشة فاسداً وهو ما يتكرر مع الكثيرين وكأننا لا نتطور.
bull;هل يمكن تلك الإعتراضات المتكررة من رجال دين، أن تؤثر على الرقابة وتزيد من القيود؟
هذا أمر وارد بالطبع، ويضعه المعترضون في أذهانهم وهم يقومون باستعراض للمزايدة على الأخلاق والحفاظ على القيم، فبالتدريج قد يتأثر أصحاب القرار وتعمل داخل المبدع رقابة ذاتية قد تكون أعنف من الرسمية، حتى لو لم يمنع الفيلم ولم تتم مصادرته، لكن يحدث نوع من الهلع والخوف والتوجس والتحسس بمعنى أن الأشياء التي قد تعملها وهي ليست خطأ ستعتقد بنفسك أنها خطأ.
فمثلاً إذا أراد المؤلف كتابة فيلم عن العلاقة بين الأزواج قد يتراجع عن معظم أفكاره، وحتى تاريخ الأدب ملئ بالشخصيات التي تعاني من عقد جنسية مثل quot;أوديبquot; الذي قتل أباه وعاشر أمه، هل يمكن تقديمه في فيلم جديد الآن، حتى القصص الدينية مثل quot;سالوميquot; مليئة بالسلبيات لكن كيف يقدمها الفنان.
bull;في نفس التوقيت الذي نال فيه فيلم quot;ويجاquot; تلك الإعتراضات معروض أيضاً فيلم آخر حول عالم الأفراح الشعبية وصفه بعض النقاد بالابتذال، وخصوصا كلمات أغنية لمطربة مثيرة للجدل، فلماذا ndash; في رأيك- لم يعترض عليه الغاضبون من مشهد الحجاب؟
ملاحظة مهمة بالفعل، يمكن تفسيرها بالآتي، أن الكوميديا هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها تفويت أفكار قد يعارضها البعض بعنف لكن لو قيلت بشكل ضاحك لا ينتبه لها المتربصون، فموجة الكوميديا الحالية أنا لست ضدها لأنه لا يخلو فيلم كوميدي من أمور وأشياء قد تثير المتربصون بالفن، لكن لأنه كوميدي يقول من يصنع الفيلم ما يريد ويبدو للناس أنه بدون معنى، لكن الجمهور يدرك المعنى جيدا ولهذا استمرت تلك الأفلام لأنها تبدو أنها بدون معنى حتى أن بعض صناع تلك الأفلام يسعد بأن هناك من يهاجمه بسبب فراغ مضمونه، والغريب أن المتشددين لم يعترضوا على فيلم كوميدي حتى الأن منذ الموجة الجديدة، رغم ما بها من تنكر الرجال في ملابس السيدات، وغيرها من أمور لو ظهرت في فيلم جاد لما تركها أصحاب الصوت العالي.
bull;هل ترى وسيلة للفصل بين المؤسسات الدينية وحرية الفن لمنع تكرار هذه الأزمات؟
طالما بعض حاملي الشعارات الدينية يعرفون أن التحدث بأسم الدين سيحقق أهدافهم السياسية، فلن تتوقف تلك الأمور، وربما لو جرب المجتمع هؤلاء سيدركون أن هناك فرق بين الدين والمتحدثين بأسمه ويجب أن يعلم الناس ذلك، يجب أن يدرك الناس ما إذا كان quot;منع الحرياتquot; سيؤدي إلى السعادة والقضاء على الفساد والمشكلات.
أنا أعتقد أن أصحاب هذا التيار سيقضوا على الانحراف علناً لكن هل سيواجهون بحق الجرائم السرية.
التاريخ يؤكد أن المجتمعات لن تنمو دون سلطات بشرية يمكن أن تتعرض للمسآلة .
bull;مخرج فيلم quot;ويجاquot; ودون أن يتوقع مشكلة بخصوص المشهد المذكور، وجه الدعوة لمرشد الأخوان المسلمون لحضور العرض الخاص للفيلم، كيف تقيم هذا التصرف وهل جاء بفائدة؟
طبعا أرى أنه تصرف ذكي من المخرج خالد يوسف والمطلوب فعلاً أن نجبر الاخوان المسلمون على أظهار نواياهم الحقيقية وفكرهم تجاه المجتمع، وهنا يمكن للناس أن تجرب إذا أرادوا لكن بدون ضحك على العقول، فالأخوان في الأغلب يعلنون عكس ما قد يفعلونه إذا تولوا السلطة، وهذا خطأ ديني وأخلاقي وسياسي سيقضي عليهم إذا أدرك الناس كذبهم، لذلك هم المستفيدون عندما يعلنون برنامجهم الحقيقي لنعرفه بوضوح دون مراوغة.
bull;ونعود للاعتراضات على الأفلام، هل يمكن أن نفترض أن الفترات السيئة التي عانى منها تاريخ السينما المصرية، وصناع الأفلام الهابطة مسئولين عن الصورة الذهنية الخاطئة عن الفن، وبالتالي تربص بعض علماء الدين به؟
لا اعتقد أن هذا الافتراض صحيح، فلم نسمع مرة واحدة اعتراضات على فيلم هابط فنياً بل كل التركيز على الأفلام الجادة التي تقول أشياء تغضب المتشددين.
bull;بحكم تخصصك في نقد الأفلام الأجنبية، ومشاركتك في فعاليات مهرجانات دولية عديدة إلى جانب المهرجانات المصرية، في رأيك لماذا يتراجع مستوى مهرجانات مصر باستمرار خصوصا القاهرة والأسكندرية؟
الأزمة الأساسية للمهرجانات في مصر أن الهدف الأساسي للمهرجانات غير موجود في أجندة القائمين على المهرجانات وهذا الهدف هو الجمهور، ففي العالم العربي تقام المهرجانات لأسباب عديدة منها البيزنس والسياحة والسياسة ووسائل الاعلام، ولكن لا أحد يهتم بالجمهورو نشر الثقافة السينمائية وإذا استمر الوضع على هذا المنوال ستتجمد المهرجانات المصرية ويمكننا المقارنة ببساطة بين مهرجان القاهرة بتاريخه الطويل وبين مهرجان أفلام الإتحاد الأوروبي الذي أقيم العام الماضي فقط وشهد إقبالا منقطع النظير، على الإدارة بدلا من الاهتمام بدعوة الفنانين والمصورين والفنانين أن تركز في الوسائل التي تجذب الجمهور.
bull;وهل يمكن القول أن إقامة مهرجان في القاهرة وآخر في الإسكندرية، يؤدي إلى التضارب؟
اطلاقا، بالعكس يجب أن تتمتع كل مدينة بمهرجان مستقل، في فرنسا مثلا مئات المهرجانات خلال العام، ولو ركز مهرجان الأسكندرية مثلاً على جمهور الإسكندرية ولم يهتم بحضور أهل القاهرة من فنانين واعلاميين سيكون مهرجان ناجح ينتظره أهل المدينة ويدعموه ن نفس الشئ بالنسبة لأى مهرجان آخر، أما من يغضبون فهم المستفيدون وأصحاب المصالح الذي يريدون حضور كل المهرجانات على حساب الجهة المنظمة، فلماذا يغطي محررو الفن بالقاهرة فعاليات مهرجان الإسكندرية رغم أن المدينة مليئة بالصحفيين، و بالطبع توجد مشكلات أخرى لكن غياب الجمهور هو نقطة الضعف الأولى من وجهة نظري.
bull;مؤخراً حقق فيلم quot;الجنة الآنquot; للمخرج الفلسطيني هانى أبو أسعد جائزة الجولدن جلوب، وأضافها لقائمة الجوائز والتكريمات التي حصل عليها، وهو أمر يدعو للفخر بالطبع، لكن الا ترى أن نجاح quot;الجنة الآنquot; يمثل إدانة للسينما المصرية، والتي تتجاهل منذ فترة انتاج أفلام تناقش القضايا العربية والإنسانية؟
سأعطيك مثلا واحداً يوضح الفرق بين quot;الجنة الآنquot; وبعض الأفلام المصرية فهاني أبو أسعد قدم فيلمه بالكامل بدون أى موسيقى تصويرية، لأنه اختار من البداية أن تؤثر الأحداث والشخصيات على المتفرج دون الموسيقى، ولم يعبأ هنا بأهمية وجود تلك الموسيقى كما كل الأفلام، بينما في فيلم مصري معروض الآن أصر المنتج على وجود أغنية للترويج للفيلم على الفضائيات رغم أن الفيلم لا يحتمل ذلك، وكأن الفضائيات وقنوات الكليبات هي النافذة للوصول للجمهور وليس المصداقية، وفي النهاية لم يحقق الفيلم ايرادات وحقق quot;الجنة الآنquot; كل هذه الجوائز.
