كتب آصف قزموز: ذاتَ صباح باكر جميل من صباحات رام الله، بل قبل أيام على وجه التحديد المعوّم، وأنا في درب جلجلتي الوظيفية الواصل ما بين البيت ومكان عملي في الوزارة، شهَقتُ فجأةً حين رأيتُ أحد الذئاب الضالّة من صحبة الباقي بيننا عايد عمرو الكاتب والمثقف الذي أَحبّ، زياد خدّاش. أوقفتُ السيارة وفتحتُ الزجاجَ وهو يطل عليّ بعينين متسائلتين وكأنه يقول ما الذي جرى، فعاجلتُه سائلاً مستنكراً ألا ترى يا صديقي أننا لم نلتق ِ منذ أن غادرنا الذئب ولا مرّة، لا أنا ولا أنت ولا حافظ ولا فتحي ولا أحمد نجم ولا مراد، وأنا لم أزُر مقهى الحمير ولم أشاهد مهيب منذ غادَرنا الذئب، شو صار في الدنيا؟!
قال: آصف واللّه معك حق ماني فاهم شو اللّي صار فينا. قلت: اللّي صار يا صاحبي إنّو العقد الفريد اللّي اسمه عايد عمرو انفرط ولم يعد يجمعنا، وبغيابه انقطع حبل الوصال، ثم مضينا كل في حيرته.
نعم، لقد انفرط العِقْدُ الفَريد الذي جمع الأحبّة في تلك الأيام من ساعات الصحبة الثكلى. اليوم بغيابك عرفتُ كم أدركنا الجفاء من بعد، وكم بارحنا الوفاء الذي كان، فكنتَ حقاً العِقْدَ الفَريد الجامعَ بيننا وحبلَ وصالنا الوحيد.
أذكرك اليوم وزعتر جرزيم ودحنون عيبال متوازيان يُطِلاّن على البحر بالذكريات من عَلياءِ مخيمنا وسفوح الحفاصي ومنطار بلعا الشاهق صوب الشمس المضمّخة بخيوط المساء وشَفَق ِ الغروب الغائر في متوسطنا الجميل المشلوح على أكتاف فلسطين بكامل طولها وقامتها الفارعة منذ الأزل.
لعلك ستسامح أحمد نجم وزياد خدّاش وحافظ البرغوثي ومراد السوداني الذين حالوا بيني وبين لحظة وداعك الأخير في الرحيل الثقيل الصاعد نحو الحتف الأبدي في الأعالي وجسدك المـُسَجّى على بساط العيد فوق جاعد الثقافة الذي أودعتَنا إيّاه حين اتّسعت مسافات الزمن بيننا وضاقت فضاءات الحلم والأمل البعيد. وأرخى الموتُ سُدُولَه المتعبة على محياك التَّعِبْ لتحط الحيرةُ والوجوم بظلهما الثقيل على وجوه أحباب المَذْئَبَة في يوم كان ذي مَسْغَبَة فكنتَ أنت.
في حلكة الحياة المخضّبة بأحلامك التي تداعت تباعاً ما بين عتبات الطفولة وخط النهاية مع وافر الحظ القليل، وحين يُنضَ عنك سرّ الحياة ويَنفُض ثوب العيش عنك غبارها، تتجلى صورُ الفراق ما بيننا على صفحات الطيبة والنقاء والبساطة النادرة، الطافحة بأخلاق المشاكسة المحبّبة على محياك المرسوم في خيالاتنا البادئة لحظة غياب الموت فيك دون التباس او مواربة.
كنتَ الكلمة الأمينة والطلقة الخارقة التي لا تُرد، إمام الثقافة في كتيبة المشاة وقلمها الفيّاض الذي طالما استلهم مِدَاده من وجع القلب ومرارة الأسى وجرح المعاناة على طول المدى بين الحياة والموت حتى حشرجات النزع الأخير من الرّوح التي فاضت حُبّاً ووفاءً ووطنيةً نادرةً خَلَتْ من كل حسابات واعتبارات للذات أو الشخصنة.
عايد عمرو، لِمَ عاجَلْتَنا بهذا الرحيل؟! فاللّيل لم يبزغ قاتله وظل الموت ثقيلاً. بكَتْك شوارعُ الصحافة وزقاق الثقافة العاثر، وسيبكيك ذئب الأربعين وكل المريدين الخُلَّص في عمّان ورام اللّه وغزّة وبيروت ودمشق، وكتيبة المشاة وكل من كان شريكاً في الحلم مع الحالمين.
غادرتَ الدوَّ للتَّو تحمل بقلبك المفطور آلامَنا وهمومنا المسفوحة على شفاه جرحك النازف في القلب مثخناً بالموت الذي يعتصرنا واحداً تلو الآخر بعدما طال الرحيل. لم أعد أدري هل أطَلْتَ بنا الرحيلَ أم نحن من طَالَ بهم المقامُ من بعد راحتك الأبدية، فنحن لم نسألك الرحيل، بل أنت الذي عاجلتَنا.
خَلَيْتَ بي ولم تنتظرني كما وعدتَني عشية حضورك في عرس الموت، آثرتَ الرحيل ونحن في عِزِّ القهر وذروة التعب، نقلّب خيبات الأمل ما بيننا، فأعود لنفسي وأقول: ها أنتَ تنسلُّ من بيننا بهدوء مترجلاً عن صهوة القلم وزناد البندقية، فتَرْحَل ذئباً ندّاً قد خَلَتْ من قبلهِ ذئاب ونسور وفرسان امتشقوا القلم والبندقية على طول خيط الحياة حتى خط النهاية الموسوم بالقدر، فكان علي فودة، وحسين البرغوثي، ونصر أبو شاور ومحمد طمّليه، وآخرون ممن دعاهم الموت فلبوا مبكرين دون استئذان ومنهم من ينتظر.
ها هو ملَك الموت يتجرّأ علينا دون تمييز أو محاباة فيخطفك من بيننا عنوةً ليسحبَ البسمة الحزينة من شفاهنا، حين أصاب من فرحة العيد مَقْتَلاً وغَيَّبَك في بَرَاثِنِ رحيلٍ أبدي، وها قد غادرتَنا على حين غرة مخلفاً جاعدَك الأثير مثقلاً بأنواع الهموم، والخيبة تتمطّى على مهلها وامتداد الزمن من رحلتك العاثرة بشظف العيش وقهر الوضع الثقافي المريب، وذاك الحب الذي أضناك وأدمانا لتفيض روحُك الطاهرةُ عذبةً رقراقةً تنثر لحنَ الحياة الحزين وجرأة الموقف النبيل لتستحيل سلسبيلاً يروي العطاشى المخذولين ويبللُ شفاهَ المعذبين من بلادنا ندىً يتدحرج على مباسم ياسمين رام اللّه الجميل. ما زالت أزقّة التشرد المحمّلة بعذابات الطفولة وحرمانها في لجّة القهر وضَنكِ العيش تطاردنا.
نم قريرَ العين ولا تحزن، فالوطن بالنسبة للبعض الآسن ممن لا تحب ما زال بقرةً حلوباً ومنسفاً للقطط السمان متخماً باللّحم الآدمي يحملني على وجهه رشّة بقدونس يانعة لا اعتبار لها بمنظورهم، رغم ما تُكسب المنسف من جمال يفتح شهواتهم الحيوانية على مصراعيها وكل باب ومحراب وامتداد مساحات الأَجَمَةِ في ذروة الأزمة وانهيار الأكَمَة.
واذا أُصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلا
نسينا نحن الراحلين، فلتتذكر أنت الحيّ عنّا أنك كنتَ إمامَ ثقافة وشيخَ صحافة في زمن سافل لَحَنَتْ فيه شيوخ اللّغة وصَبَأَتْ فيه الأئمةُ وانْطَوَتِ الضلوع فيه على الأسى غضباً وقهراً على المتنكّرين والمارقين ومن جعلوا من الصداقة والأخلاق والقيم الوطنية مَبْغَىً وسِلعَةً تُركن جانباً أو تُباع وتُشترى بخساً بدرجة وظيفية عرجاء ومسؤولية عوراء، لكني لن أخذلَك ولن أحيدَ وسأظل أقول لهم أحد.. أحد.. أحد.
ما زال المشهد الثقافي لوحةً متعثرةً ومرتبكةً، بل مرآة مشروخة تتكسر عليها صورة الحالمين معك بمشهد أجمل، لكن الأمل الذي عشت له باسماً ومضيتَ فيه ساخراً ما زال يتجدّد فينا مع إطلالة كل صباح يلاطم الخيبات واللعنات الحالَّةِ فوق رؤوسنا تُسائِلني: مَنْ أَنْت! بغيابك تغيب كلمة وقّادة نجلاء كانت تحل في متن النص الإعلامي وصدر البيت الثقافي، لكنها لم تفقد المعنى الذي وجدت لأجله، فظل حافظاً مقامه دون تلوُّن أو تأويل في معانيها، فكنتَ الصديقَ والخلّ الوفيّ والحارسَ الأمين الذي حمل على كاهله ثقل أبجديات الثقافة المتواضعة والصحافة الحرّة بتحد دائم وعزم لا يلين.
ذكريات السّهر الحزين وخَلوات الأحبة بمنزل أبو خليل، استدراجات غضبك المفضوح ببريق عينيك من أبو خليل، وحافظ ومحمد الأسمر، ووشايات ابتسامتك بمكنون الطيبة المضمّخة بالبساطة الخالية من الحقد الآدمي بنار رماد.
كنتَ دمعةَ أُم ٍّ ثَكْلَى تسحُّ بحنان نادر، ضَلَّت طريق البيت متدحرجةً تشقُّ عَتْمَةَ القصف في لجّة الوغى والدمار ووهج الحصار، والقَطَا برقته يُعاندُ فتركلُه الضواري ناهرةً على وليمة نسرٍ طاحَ من عَليائِه يُعانق الأرضَ في ليل غربان مستنسرة. محَّضْتَني التمرد والمشاكسة وقول مُرّ الكلام، لكن الطبيعة غَلَبَت التطبع لتظل حياً في ذاكرتي بل كلمةً حرة وبسمةَ أمل تعيش على شفة الأجيال الحاضرة والقادمة.
نم قريراً في سباتك الأبدي ولا تحزن، فلك الوعد أن أحزن في كل مرة مرتين، مرةً عني ومرةً عنك ما حييت، لأن فلسطيننا التي أحببتَ ما زالت بخيرٍ، وتبدّلت بعض غزلانها كما كان يحلو لك أن تقول، فاليوم إذا مَرَّ بي زميل تائه ممن رعيت وربّيت وكبرت ورد عليَّ التحيّة أقول له: شكراً بعدما ابتلاني الربُّ في الزاوية الممنوعة من الصرف، فعزّ السلام ليذهب سلسبيلاً لمن ناموا طويلاً وأفاقوا على كرسي ٍ أثيرٍ لم يشهدوه في الحلم ولا الواقع من قبل.
هي سخريات القدر اللئيم حين يجعل من مكارم نبلك وأخلاقك وقناعاتك الوطنية سيفاً مسلطاً فوق عنقك وسهاماً يسددونها تنشد مقتلك والويل لك، وسخرياته حين يخرج لك لسانه مغيظاَ وترى الزملاء من سن أبنائك يقفون على أرجل من سُكـّر استُخلص لهم من دمك خصيصاً، باتوا ينادونك باسمك الأول حاف من دون تكليف وهم يمرّون ببابك مسرعين كالسهم يتصيدون المصالح والدرجات الوظيفية، وكأنّ علوّ الدرجات مشروطٌ بالتنكر للمقامات ومكارم الأخلاق التي تيقّنتُ الآن بأنها ذهبت وهم ذهبوا.
لك الوعدُ والعهد أن لا أبارحَ الضمير الذي خبرت وما عهدتني عليه من حب المشتركات بيننا. لك أن أبقى رابضاً قابضاً على جمرِ القضية والفكرة التي قضيت على طريقها، وسأظلّ أعمل بذات البهللة والسبهللة كما يروق للبعض أن ينعتونا، ولن أدّخر وسعاً أو آلو جهداً ولا وفاء مما استبقيتَ لنا قبل الرحيل تماما، وكأنني في الدَّوِ وحدي أقاتل على كل الأبواب والمسارب ما بين الـمَيْمَنَة والـمَيْسَرَة لأعطي من تعبي ومن روحي للبوصلة طاقةَ الاتجاه الصحيح، وللرَّاية المخضبة بالدم وبالتعب اليومي ريحاً تسددها شطر الوطن على مرّ الفصول، حمار العرس في المؤسّسة أزرع الأمل والصح الذي لن أندم عليه، وأحفظ الأصالة وإن راح القطاف لمن لا يزرعون ولا يصنعون في زماننا المجنون.
غيابك المسكون فينا سيظلُّ جرحاً في الكفّ والقلب ومروداً طاش في مَتن العين، فأنت جميل الذئاب وذئبها، لك أن تصعّر خدّك للموت وَتَرْنو للحياة في غيابك الأبدي، وها قد رحلتَ تماماً كما يليق بذئبِ الرحيل، فحق للصيق صداقتنا عبد الحكيم أبو جاموس أن يصيح باسمنا ومن تَبقّى من بقايانا في ليلِ غربةِ الوطن البهيم بعلو الصوت وملء الفضاء والسماء: غيّبَ الموتُ حبيباً كان في الهيجاء ذيباً
أنت الذي وفّيت وأدّيت ونحن الذين لم نَفِيَكَ ما تستحق وبما يليق.

asefsaeed@yahoo.com