الإعلاميون والسلم الأهلي: نماذج من لبنان والعراق وفلسطين

سوزان فيشر والمترجمة
تريسي أبي انطون - بيروت: تقع على عاتق الاعلاميين الشباب في منطقة الشرق الاوسط مسؤوليّة أكبر من الرسالة الصحافية التي يؤدونها ضمن مهنتهم، فهم مولجون الى حدّ بعيد بالتهدئة في بلدان الازمات وضبط الخطاب التعبويّ الحاد الذي يطلقه المسؤولون من خلال الوسائل الاعلاميّة، ناهيك عن الرقابة الذاتية المفترض ان يلتزموها تلافيا لأي نوع من التحريض او التطرّف. انطلاقا من هذه المسلمات، عقد quot;منتدى التنمية والثقافة والحوارquot; ورشة عمل اعلامية تدريبيّة اقليميّة في بيروت، تحت عنوان quot;الاعلاميون والسلم الاهليquot; شارك فيها صحافيون من بلدان عربيّة تعاني أزمات، من لبنان والعراق وفلسطين الى جانب اعلاميين مصريين، على مدار خمسة ايّام امتدّت من 15 الى 19 أيار 2009.
وركز رئيس المنتدى القس رياض جرجور في كلمة الافتتاح على دور الاعلام في منطقة الشرق الاوسط على اعتبار انه بات يلعب دور الحسم في تأجيج الصراعات او في تخفيف حمّاها، مشددا على دور الاعلاميات والاعلاميين الشباب المدعوين الى نقل الاعلام من الطور التقليدي الى الطور الحديث مع الاحتفاظ بالمبادئ الاخلاقية التي يجب ان ترعى الممارسة الاعلامية.
من جهتها، اكدت سفيرة النروج اووليز نورهايم ان رعاية ورش عمل من هذا النوع يأتي من ضمن السعي الى خلق جيل جديد من الاعلاميين قادر على تقبّل الآخرين الذين يختلفون عنهم، مؤكدة حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم وهي جعل الرأي العام اقلّ جهلا من خلال تلقيه المعلومة الصحيحة.
دور الاعلامي في السلم الأهلي وزمن الازمات
وفي تفاصيل الورشة، جاءت مداخلات لأهل المهنة، استهلها مدير مكتب قناة quot;الجزيرةquot; في بيروت الصحافي غسان بن جدو الذي فصّل المشهد الاعلامي على الساحة اللبنانية معتبرا ان quot;احدى اشكاليات الاعلام المرئي في لبنان انه لا يخاطب المواطنين انما فئة من الجمهور وهو يتدرج ويتحوّل دوريا من جمهور الى آخر، ويهدد نسيج الحياة اليومية من خلال محاكاة الطوائف. وبنظره، ان الاعلام في لبنان هو قوة التأثير الرئيسة وغالبا ما يكون مسيّرا للقرار المالي السياسي، وقد تحوّل الى جزء من الصراع السياسي الذي يبرر الى حد ما التعاطي الاعلامي وواقع مهنيّته، متسائلا اي جيل من الاعلاميين سنشهده بعد 15 عاما، هل هو جيل الاحتراب؟
وتحدثت رئيسة قسم المجتمع في جريدة quot;الاخبارquot;، الصحافية ضحى شمس عن تواطؤ على إفساد الاعلام في لبنان من مموّلي الوسائل الاعلامية من جهة والرأي العام من جهة أخرى، فضلا عن نشوء جيل جديد من الاعلاميين ينبع تدني مستواه المهني من جهله بالاصول المهنية واقتناعه الشخصي بانه مهما فعل فان حرية التعبير تحميه. وانتقدت شمس مقدمات نشرات الاخبار التي رأت انها تحولت quot;نشرات ترقيص حواجبquot; وبرامج quot;التوك شوquot; التي وصفتها بالاستعراضية، كما لامت الجمهور الذي يتوجه الى وسيلة الاعلام التي تمثله طائفيا وايديولوجيّا، ولم توفّر الاعلاميين الذين اصبح معيار النجاح عند فئة كبيرة منهم هو quot;الانتشارquot;.
أما رئيس قسم المحليات في جريدة quot;النهارquot; نبيل بو منصف فنقل صورة ايجابيّة عن الواقع الاعلامي متحدثا عن quot;اعلام نخبويquot; يحمل في طياته تراثا ثقافيا وفكرا يضاهي كل جاهليات السياسيين وقبلياتهم quot;. ورفض بو منصف تحميل الصحافة اللبنانية مسؤولية تفجير الحرب اللبنانية، مؤكدا أن التقرير الاخير الذي اتهم وسائل الاعلام بالتحريض ذلك لانها تنقل تصريحات السياسيين وكلامهم المفتن. واكد أن المشكلة تكمن في غياب دولة قادرة على حماية هذا الفائض من الحريات.
وكان لنائب رئيس تحرير جريدة quot;السفيرquot; نصري الصايغ محطة كلاميّة جاء فيها ان الوسائل الاعلامية تنقسم في لبنان بانقسام المجتمع، وهي لا تراعي النصوص الدستورية، لا بل تكرس زواجا دائما مع الطائفة والسياسة. وتطرّق الصايغ الى وضع الاعلام المرئي والمسموع ابان الحرب اللبنانية، معتبرا انه كان اعلاما حربيا وظيفته القيام بما لا يمكن فعله على الجبهة العسكرية. كما توجّه الى المشاركين في ورشة العمل داعيا اياهم الى العمل المهني الجاد ومقاومة المال.
ورأى البروفيسور انطوان مسرة ان العنف الذي ينقله الاعلام موجود غالبا في المجتمع وفي السلوك السياسي الذي يمارس التطييف والتحريض على العنف باسم الدين، وان الاعلامي هو غالبا ضحية ما يجري باستخدامه كمنبر لنشر العنف والفتنة وهو بالتالي صحافي مخدوع، داعيا اياه الى الحذر من تقنيات التلاعب بعقول الناس واليقظة تجاه ما يسمعه وينشره.
وفي المحطة الفلسطينية عرض الصحافي داوود كتاب، مدير ومؤسس quot;شبكة الاعلام المجتمعي في فلسطين والاردنquot;، للاعلام البديل الذي لجأ اليه الفلسطينيون في ظلّ الاحتلال الاسرائيلي كمصدر معلومات بهويّة فلسطينية في مقابل المصادر الاسرائيليّة، مشددا على الدور الذي لعبته المدوّنات الالكترونيّة في فترة ما بعد اتفاق اوسلو 1994 حين سمح بقيام مؤسسات اعلامية على الاراضي الفلسطينيّة.

الواقع الاعلامي في لبنان وفلسطين والعراق بين الدراسات والتجارب

وفي موضوع التحديات التي يواجهها الاعلام في زمن الازمات الكبرى، عرضت ثلاث دراسات، الاولى عن لبنان تحدث فيها الاستاذ في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية الدكتور جيروم شاهين عن الواقع الاعلامي منذ شباط / فبراير2005 حتى انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية وما تخللها من انتكاهات على المستوى الاعلامي سواء بمبادرة من وسائل الاعلام او ممارسات جائرة بحقّها. وكانت دراسة مماثلة قدّمها عن العراق استاذ الاعلام في جامعة بغداد الدكتور هاشم جاسم، فيما قدّمت الاعلامية حنين عويس عرضا للتجربة الاعلامية الفلسطينيّة.
وتخلّلت ورشة العمل الاعلامية، شهادات حية لاعلاميين لبنانيين خضعوا لتحديات مختلفة خلال تغطيتهم الميدانية للحرب اللبنانية اضافة الى التوترات الامنية التي شهدها لبنان في الاعوام الاربعة الماضية. وتوالى على منصة الادلاء بالشهادة كل من الاعلامية مراسلة راديو بي بي سي (هيئة الاذاعة البيرطانية) ندى عبد الصمد، والصحافي سليم ياسين مراسل وكالة الصحافة الفرنسية ال quot;أ ف بquot; سابقا، ومراسل قناة quot;الجزيرةquot; في بيروت عباس ناصر، ومندوبة المؤسسة الللبنانية للارسال quot;ال بي سيquot; منى صليبا، والصحافية في quot;النهارquot; منال شعيا، والاعلامية في تلفزيون quot;المستقبلquot; ومقدمة برنامج quot;ترانزيتquot; نجاة شرف الدين.
وكانت هناك ايضا شهادات لاعلاميين أجانب مروا بتجارب اثناء تغطيتهم للنزاعات في المنطقة مثل سوزان فيشر من Institute For War and Peace Reporting التي تحدّثت عن تغطية النزاعات الحساسة، كما عرّفت ماريا لوكا من مؤسسة Peace Journalism المشاركين بأسس التغطية للاحداث الحساسة وquot;صحافة السلمquot;. وتضمّنت الورشة الاعلامية تعريفا ببرنامج الامم المتحدة الانمائي الخاص بالاعلاميين وتغطية النزاعات، فيما طرحت نائبة المدير العام للمركز اللبناني للدراسات زينة الحلو اسئلة عامة في ازمة الاعلام.
وعُقدت جلسات حوار وتدريب قادها جان بول شامي منسق مشروع العراق في المنتدى ، الى ورشة تدريبية نظّمها العضو في quot;المبادرة اللبنانية للاعلام المدنيquot; وسام صليبي، فضلا عن تدريب ميداني اثناء جولة للمشاركين في مخيّمي اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وفي برج البراجنة.
يذكر ان ورشة العمل quot;الاعلاميون والسلم الاهليquot; هي الاولى تعقبها ورشة ثانية مكمّلة لها بعد بضعة اشهر، مبنية على مكتسبات الورشة الاولى.