بغداد: يلمس الزائر لأغلب مدن العراق الظاهرة الابرز في هذا الصدد ، وهو تحول الساحات والأحياء الى أماكن للرعي ، حيث تسرح مجاميع الماشية في الحدائق وتربى في البيوت بل ان من المعتاد اليوم رؤية القطعان وهي تجتاز المدينة بالعشرات لكي ترعى في زاوية منها بديلا عن المزارع والبساتين. يمتلك حسين ساجت، عشرير رأسا من الماعز التي يربيها في بيته في أحد أحياء مدينة كربلاء (108 كم جنوب غربي بغداد) ، ويخرج بها يوميا الى أماكن جمع القمامة في المدينة لاسيما القريبة من المطاعم وأسواق الخضرة لكي تتغذى حيواناته منها.
ويرفض ساجت الفكرة القائلة بان ما يفعله يضر بالبيئة ويخرب معالم المدينة ويزعج الناس ، قائلا: ان هذه الحيوانات مصدر رزقه ، و له الحق في تربيتها في بيته ، أما الامور الاخرى فلا تعنيه. ويتابع : نبهتني البلدية بضرورة الكف عن ذلك او الانتقال خارج المدينة لكني اجبتهم ان عليهم ان يوفروا مدخولا او عملا آخر لي. والمثير في الظاهرة ان بغداد ، كعاصمة تعاني من المشكلة بقدر معاناة المدن الاخرى وربما اكثر.
ويجمع خبراء الصحة ومواطنون على انها ظاهرة خطيرة ، توفر بيئة مناسبة لانتشار الامراض وتهمش معالم المدينة الحضارية.
ويعترف مدير عام دائرة التوعية والاعلام البيئي في وزارة الصحة امير علي الحسون بان الظاهرة ستؤدي الى كارثة بيئية اذا لم يتم تدارك الامر عبر الاجراءات الشديدة بحق المخالفين. وعدا هذه النتائج السلبية ، يتعرض الأطفال والنساء على وجه الخصوص الى مواقف لا يحسدون عليها ، من هجوم الحيوانات عليهم لاسيما الأطفال. يقول جعفر سعيد الذي يعيش في منطقة الصدر في بغداد ، ان نحو ثلاثين رأس غنم وماعز تتجول يوميا في الشارع الذي يسكن فيه.
ويضيف جعفر : هذه المواشي تعود الى جاره ، حيث تمتلأ ( المنطقة) بالرائحة من الحيوانات نفسها ، اضافة الى ما تبعثه فضلات المواشي من روائح ، وما تحدثه من فوضى. كما ان حوادث النطح والرفس من قبل الحيوانات امر اعتاد عليه الناس في تلك المناطق ، والخطورة الاكبر حين تترك بعض الخرفان تسرح الى جانب الكلاب في بعض الساحات من دون راع الذي يذهب لقضاء بعض من اشغاله ثم يعود اليها. لا يقتصر الامر على الرعي ، بحسب جعفر ، فقد تحول المكان الى سوق مفاوضات البيع والشراء اليومية ، كما لا تنفع الشكوى التي تكررت اكثر من مرة ، بسبب ضعف تنفيذ القوانين البلدية. ولا يقتصر الامر على تحول الاحيان والبيوت الى حظائر، فالى جانب ذلك تذبح المواشي في الاحياء وترمى المخلفات العضوية في القمامة القريبة لتجذب الكلاب والقطط ، كما ترمى في المجاري الصحية ، مثلما تسكب الدماء والبقايا السائلة فيها.
ويقول احمد صاحب من منطقة الشعب في بغداد ان نحو عشرة محلات قصابة في منطقة اور بمدينة الشعب وحدها. وتعودت الكثير من الاسر في المدن العيش على تربية المواشي ، حيث تعيش الحيوانات في البيت وما حوله وينتقل بها المربي كل يوم مسافات طويلة متجولا بين تجمعات القمامة والحدائق والساحات المعشبة. يقول المفتش الصحي جابر علوان : الجميع بما فيهم الجهات المسؤولة يدركون خطورة ذلك لكن تكمن الصعوبة في اتخاذ الاجراءات ، كما ان المواطنين يتحملون المسؤولية لانهم يلتزمون الصمت امام تصرفات مربي الماشية.
ويكشف علوان عن ان تغذي الحيوانات على القمامة ادى الى إصابتها بالهزال حيث تاكل البلاستيك والاحجار في القمامة، ونفق منها الكثير بسبب اصابتها بالتسمم أو التخمة. ويشير علوان إلى أن القصابين يصادفون أحيانًا قطعًا بلاستيكية وبقايا صلدة في جوف البقرة أو رأس الغنم عند ذبحه. و ينص قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 81 والخاص بايواء الحيوانات داخل المناطق السكنية والذي يقضي بمصادرة الحيوانات وبيعها في المزاد العلني اذا ما ثبت ايوائها في المناطق السكنية.
الباحث الاقتصادي عمران القيسي يرى ان الظاهرة خير مثال على هجرة البشر والعادات والأعمال من الريف الى المدينة. وأحد أسباب ذلك ، بحسب القيسي البطالة في المدينة ، فالناس الذي هاجروا اليها لم تتوفر بهم فرص العمل التي هاجروا لاجلها ، مما اضطرهم الى مزاولة الاعمال الاصلية التي يجيدونها. وتتركز الظاهرة في الغالب في الأحياء الشعبية التي ترتفع فيها مستويات الفقر، كما تزداد بشكل واضح في الاحياء التي اقيمت على هوامش المدن بعد تجريف البساتين والمزارع ، حيث لايمكن اعتبار هذه الأماكن مناطق حضرية بالكامل ، بل هي هجين سيء للتزاوج بين القرية والمدينة.
جدير ذكره ان المنظمة العربية لتنمية الثروة الحيوانية قالت في 2011 في إحصائية أن هناك تناقصاً في أعداد الثروة الحيوانية في العراق بنسبة 33% مقارنة بالعام 1980.تروي المعلمة سمية كامل ، ان ساحة المدرسة الواسعة تصبح مرتعا للمواشي في العطلة ، فما ان يطول العشب حتى يستدعي الحارس قريبا له مربيا للمواشي لتلتهم المواشي تلك الأعشاب. وتوضح : تم ذلك بالاتفاق مع إدارة المدرسة ، مقابل ان يقوم مربي الأغنام الذي هو صاحب خبرة في الزراعة والبستنة بإدامة حديقة المدرسة وزراعتها وتنظيمها.
تحولت مدن العراق بعد سنوات من الحروب والفوضى الأمنية ، وتوقف التنمية والاعمار الى (ريف) تختلط فيه معالم القرية بمعالم المدينة ، بل ان البعض يعتقد ان هوية المدينة العراقية انحسرت لصالح (الترييف ).
