إيلاف من بيروت: في خطوة غير مسبوقة إحتفلت قناة quot;روتانا موسيقىquot; باليوبيل الذهبي للفنان الكبير أبو بكر سالم. وجاء هذا الاحتفال الأول من نوعه، بشخصية تضيء سماء الفن منذ خمسين عاماً بعطاء مستمر، في لقاء استثنائي عبر برنامج quot;كلمة فصلquot; مع جومانا بوعيد.
إذاً يعود ابو بكر سالم بلفقيه إلى بيروت محملاً بذهب الأيام، مردداً أصداء الماضي التي قد لا تعرف كل فصولها، لكنها منسوجة في الذاكرة، لحناً وقريحة يسقي بها أرض الفن العربي.
نجحت جومانا بوعيد في إستضافة هذا الكبير في مسرحها quot;كلمة فصلquot;، قاطفة بوح شخصية أبت الكلام لأكثر من 15 عاماً، ليكن الضيف الذي يستحق الكلمة، quot;كلمة الفصلquot;. والغوص في يمه لم يكن يسيراً. جومانا حضرت عدتها للغوص وللإستقصاء عن سيد البحور الشعرية، ومؤلف النغم، ومنشد الأناشيد.
بدأ الحوار عن مشواره من لبنان، قبل أكثر من خمسين عاماً، من إستديو بعلبك، ومن أمام صخرة الروشة حيث كان يقطن، ليعاشر كبار تلك المرحلة في الستينات: جورج شلهوب، وعبود عبد العال، ووديع الصافي وسواهم ممن أسسوا لمرحلة الفن الواعد، ملحناً لأصوات مرت وبقيت: فدوى عبيد، هيام يونس، نجاح سلام ووردة، وسواهم.
وبدأ فصل الصيف في quot;كلمة فصلquot; من تريم مسقط رأس أبو أصيل في اليمن، أرض المساجد والخشوع والعلم، حيث فيها بدأ بحفظ الرشفات والقوافي، منطلقاً للتجديد في الأغنية الحضرمية - نسبة لحضرموت - فيجدد في القديم، ويحمل التراث في أصوات الأمس والحاضر (عبد الله رويشد، عبد المجيد عبد الله، أصالة، أنغام... وسواهم) فان حضوا بلحن منه، يعني أنهم إرتقوا الى مرحلة الفن الأصيل.
ليس بالضرورة أن يدخل الحوار مع بلفقيه في اسئلة تثير غبار التساؤلات، فالضيف بحد ذاته quot;سكووبquot; وكل ما يقوله يجب أن يؤخذ على محمل الجد، فهو وإن بارك لراغب علامة أغنيته الجديدة quot;سرّ حبيquot; بإمضاء من المحضار الصديق الراحل والاقرب لأبو بكر سالم، لكنه عتب على عدم الإستشارة والاغنية تعتبر من خاصته.
الخريف شاءته جومانا، رحلة النضج والترحال من اليمن نحو أرض المملكة، حيث أسس فيها أبو بكر سالم إسمه الذي يتكأ على السبعين، من العطاء الفني في الغناء والموسيقى، متوغلاً في عمق الثقافة الصوفية ليبني مع اصدقاء الدرب: طلاح مداح، ومحمد عبده، وطارق عبد الحكيم وكل تلك البوتقة التي صنعت الاغنينة الخليجية، وبات صداها مسموعاً في كل الارجاء.
لا يحكي ابو بكر كلاماً عادياً، بل يطوع الكلمات لأبيات شعرية، ومآثر تحكي أفكاره بلغة راقية، ولهجة عصية يفهمها أصحاب القلوب والعقول، فهو وإن غص لأنه لم يشارك في مهرجان الجنادرية، لكنه لم يتأفف، وأطلق غصته بحة من قوافي تحمل المعاني الكثيرة، سيما وأنه لا يعترف سوى بهوية الحب والانتماء والعطاء.
من على كرسيه غنى، وأمتلك أمسية الخميس نغماً: quot;قللي متى شوفكquot;، quot;يا مروح بلادكquot;، quot;يا مسافرquot;. وبقيت تلك الصبية ترقص وتترنح طرباً في كواليس quot;كلمة فصلquot; قبل ان تقفل ستارة الخريف غيومها.
جومانا التي ادركت كبر هامة الضيف، وأن ساعتين من الزمن لا يمكن أن تختصر فيها مساحة عطاء طويلة، أفردت لابو بكر سالم حلقتين كل حلقة تضم فصلين، الأسبوع الأول صيف وخريف، والأسبوع الثاني، شتاء وربيع.
لتنهي الحلقة الأولى بسؤال يحمل من الذكاء ما جعل أبو بكر يتفاعل مع سؤالها بطريقة غريبة مندهشاً لسر السؤال عن حالته الفنية الغريبة عندما يكتب ويلحن وهو في عمق نومه، وكأنها تشير الى حالة معينة لا يعرفها أحد عن أبو بكر وقد تصدم الكثيرين، أبو بكر تنصل من الإجابة المباشرة ملمحاً الى موضوع قد يفهمه البعض وقد يتحرى عنه البعض الآخر. ترى هل تكشف الحلقة القادمة هذا السر الكبير واسرار كثيرة غيره!
لا شك ان الجزء الاول تضمن العديد من المواضيع المثيرة للجدل، والاسرار الخفية ومواقف لافتة لابو بكر، شهد هذا الجزء لقاء العمالقة، زيارة خاطفة قام بها ابو بكر لكبير لبنان وديع الصافي في منزله وواكبت هذه الزيارة كاميرا البرنامج لتنقل هذه اللحظات التاريخية والتي أظهرت محبة وإحترام كبيرين من كبير من الخليج لكبير من لبنان.
شمل الحوار بفصله الاول اهمية الاغنية اليمنية وجميلها على الاغنية الخليجية، وكشفت جومانا عن القوافي والرشافات التي سجلها ابو بكر بصوته وتركها ضمن ادراجه بعيدا عن الاضواء.
للنتقل الى الفصل الثاني والذي كشف من خلاله ابو بكر اسرارا كثيرة، فكان السؤال الجريء عن موقع السعودية واليمن في حياة ابو بكر، وحرمانه من الغناء في مهرجانات المملكة الوطنية، وعندما حاول ان يتنصل من السؤال المحرج عن هدر حقوقه الا ان اصرار جومانا للكشف عن الخبايا جعله يتكلم ويقول فوجه ابو بكر رسالة شعرية يعاتب فيها.
ابو بكر كان مرتاحا في حواره وعميق في افكاره وخفيف الظل في تبادله الحديث وكانت جومانا مواكبة له في كل المحطات والمواقف، انسجام الحوار انعكس ايجابيا على جو الحلقة ككل، فغنى وسلطن واطرب الجمهور الذي كان يتفاعل مع كل آه يطلقها بصوته الشجي.
شهادات عديدة قام بها البرنامج كلها من كبار الشخصيات التي عاصرت ابو بكر من اليمن، مصر، السعودية، لبنان، الكويت وغيرها...
هذا وتشهد الحلقة عودة مثيرة وغير متوقعة للإعلامي السعودي المعروف عثمان العمير الذي يعود إلى الفن بعد غياب جاوز الأربعين عاماً عددا بعدما أختطفته رياح السياسة والسياسيين. وهذه العودة بطلب من الفنان أبو بكر بلفقيه نفسه الذي طلب مداخلة العمير معه كونه أول صحافي أجرى معه مقابلة في حياته الفنية وفي مداخلته التي جائت تقديراً لطلب الفنان الكبير أبو بكر شبه العمير بلفقيه بالموسيقار الألماني الإنجليزي هاندل الذي جاء من ألمانيا وعاش في إنجلترا التي شهدت رواج موسيقاه الإسطورية دون أن يتخلص من ألمانيته رغم أنه دفن في لندن وفي مقبرة ملوكها. ووجه الشبه، كما قال العمير، أن أبو بكر جاء من بلاده حضرموت اليمن إلى السعودية حاصلاً على جنسيتها وأصبح واحدا من أهم نجومها دون أن يتخلص من حضرميته التي أضافت لموسيقاه رونقاً جميلاً.ومن المعروف أن عثمان العمير بدأ حياته الصحافية المبكرة من خلال نافذة الفن لا الرياضة كما يتصور الكثير من الناس، بل أنه كان أحد ألمع نجوم الفترة الفنية السعودية من خلال مقابلاته المثيرة في جريدة الجزيرة السعودية في السبعينات الميلادية.
جزء اول يجذبنا لمتابعة الجزء الثاني في الاسبوع المقبل عندما بكى ابو بكر فابكى معه الحضور وجومانا وافراد الفرقة الموسيقية.